متاهة البحث عن الدليل
09-02-2012 04:09 PM

(كلام عابر)


متاهـة البحـث عن الدلـيل

عبدالله علقم
[email protected]

قديما كانت في السودان مصلحة النقل الميكانيكي والتي كانت تتولى الإِشراف على وشراء وسائل النقل الميكانيكي في الدولة وتضع المواصفات المطلوبة في كل مركبة ولا يسمح باستيراد مركبة لا توفي بهذه المواصفات، وما كان بوسع جهة حكومية أن تشتري سيارة من السوق كيفما يحلو لها، وكانت هناك مصلحة المخازن والمهمات التي تتولى شراء مستلزمات مؤسسات الدولة ومدارسها من أثاث وأدوات مكتبية وغيرها وأحيانا تقوم بتصنيع بعضها ، وما كانت جهة حكومية تلجأ للشراء المباشر من السوق، فكل شيء كانت له مواصفاته وأصوله وقواعده الإدارية والمحاسبية. . كانت هناك أيضا إدارة للمشتريات الحكومية تتولى بشكل خاص شئون المشتريات الخارجية بحيث لا تقوم أي جهة حكومية بالاستيراد من الخارج إلا عبر هذه الإدارة وفق شروط ومعايير دقيقة ومرعية. وكان هناك ديوان المراجع العام الذي تمتد أذرعه الطويلة لكل مؤسسات الدولة السودانية على امتداد المليون ميل مربع قبل أن تستقطع من هذه الأميال المربعة دولة جنوب السودان، وكان ديون المراجع العام مطلق اليد واسع الصلاحيات يراجع كل صغيرة وكبيرة من حسابات المصالح والمرافق الحكومية المختلفة ويضبط المخالفات وحالات الإخلال بالقواعد المحاسبية ويصدر تقريرا بعد كل عملية مراجعة بدون تدخل من أي جهة تنفيذية أو سياسية، ولم يكن هناك من كبير على المراجعة والمحاسبة، وإذا كشفت مراجعات فريق ديوان المراجع العام عن ما يستوجب إحالته للجهات العدلية فإن ذلك كان يتم بشكل تلقائي وتتكفل الجهات المختصة بمتابعة الإجراءات التي قد تنتهي بوقوف المتهمين بالاختلاس أمام القضاء بلا تدخل من أحد . كل شيء كان يسير بالانضباط الممكن في حدود الامكانات التي كانت متاحة، وليس كل الامكانات بالضرورة مالية.
ثم أتى حين من الدهر اختفت فيه مصلحة المخازن والمهمات مثلما اختفى النقل الميكانيكي واختفت مؤسسات رقابية كثيرة فانفلت العيار وانفتح الباب واسعا أمام التعامل المباشر مع السوق المحلية والدولية، كل جهة حكومية بطريقتها ووفق هواها وصاحب ذلك غياب أو تغييب وتقزيم لدور ديوان المراجع العام الذي لم يعد له سلطان على حسابات الدولة وأصبحت أكثر من سلطة وأكثر من جهة حكومية لا تعترف بديوان المراجع العام فاختلط الحابل بالنابل وظهر الفساد في البر وفي البحر، وفي الجو أيضا واستحدثوا مصارف جديدة للمال العام مثلما استحدثوها للزكاة،، وتطاولت في المدن البنايات وليدة الثراء الذي هبط من السماء طارقا أبواب كثيرين من المسئولين وأهلهم وحاشيته، ولم يجد ذات المسئولين في أنفسهم حرجا من اقامة الامبراطوريات التجارية المسجلة بأسمائهم مباشرة أو في بعض الأحيان ، من باب الحيطة والحذر ، وربما بسبب بقية من حياء، يتم تسجيلها بأسماء الأقارب والأصحاب.
وفي ظل كل هذا النهب البين ينبري من حين لآخر مسئول اتحادي أو ولائي مهددا ومتوعدا كل من يجرؤ على اطلاق تهمة الفساد عليه أو علي رهطه ويكرر نفس المقولة المشروخة.. من يتهم أحدا بالفساد عليه أن يقدم الدليل وإلا تعرض للمساءلة (القانونية)..كيف يكون ذلك ؟ هل يريدون من المواطن أن يقوم بدور المراجع العام أو النائب العام ويحل محل الدولة؟ فالقاعدة أن تكون مراقبة المال العام وحمايته مسئولية الحاكم في المقام الأول وليس المواطن، ولكن وما دام الله سبحانه تعالى لا يرى بالعين المجردة بل يعرف بالعقل البصير ، أليست مظاهر الثراء والترف المفاجيء على المسئول الذي كان معدما أبا عن جد دليل على الفساد واكتساب المال بطريقة غير مشروعة لا سيما إذا كان الناس يعلمون أن المسئول لم يرث مالا من أحد لأنه ينحدر من سلسلة طويلة من الفقر المدقع؟ أليست مظاهر الترف هذه دافع لتحريك الاجراءات التي تتعلق بالحق العام حتى لو لم يتقدم شخص بعينه ببلاغ ضد المسئول الفاسد أو المشتبه فيه؟ والسماء لم تمطر يوما ذهبا ولا فضة لأحد..
وحتى إذا سمح لديوان المراجع العام بممارسة عمله وأعيدت له صلاحياته السابقة كاملة أو منقوصة فلن يفلح في ضبط حالات سرقة المال العام لأن المراجع سيقوم بمراجعة حسابات يتم اعدادها باحترافية وبتنسيق كامل بين كل المتورطين يطمس كل حقيقة ويمحي كل أثر.
من يراجع من؟ ومن يحاسب من ؟ فقد انفلت كل شيء ، وهي حالة تعمق الاحساس باليأس.


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 883

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#460609 [عبدالله علقم]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2012 08:49 AM
الأستاذ اسماعيل محمد سعيد العباسي
الأستاذ وحيد
لكما التحية ، وما زلنانتطلع إلى مستقبل أكثر بهاء، فما من أحد بقادر على مصادرة أحلامنا.


#460081 [عبدالله علقم]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2012 11:33 AM
الأخ الزمبعور
لك التحية. وزارة الأشغال فعلا كان لها دور مهم في الحفاظ على موارد الدولة. ولنا أن نذكر أيضا طيب الذكر مكتب النشر وورش الغابات والسجون،و... والقائمة تطول.


#459712 [إسماعيل العباسي]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2012 08:27 PM
أخي/ علقم - كل عام وأنتم بخير
مقالكم التاريخي جميل ولا شك في ذلك، فهو يبين للناشئة حال سودان الأمس، سودان القانون والمحاسبة والمساءلة
فاليوم غير الأمس، فقط ننتظر معجزة الخالق في إعادة حال السودان الجغرافي والاقتصادي وإنسانه إلى ما كان عليه، وليس على الله ببعيد.


#459683 [الزمبعور]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2012 07:33 PM
ومالك نسيت وزارة الاشغال والتى كانت مسؤولة عن كل المبانى الحكومية سواء كانت مكاتب او منازل وكانت تقوم بكل اعمال البناء والصيانةلكافة المنشئات التابعة للدولة. وفاتك ان تذكر ان من واجبات النقل الميكانيكى اختبار اى نوع من السيارات وتحديد مدى صلاحياته للعمل فى طرق السودان المختلفة والتى يتصف كثير منها بالوعورة وكذلك جوه الحار (Heavy Duty Cars) ولا يمكن ان تشترى الحكومة سيارة دون شهادة صلاحية منها .


#459615 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2012 05:45 PM
يا اخي لا تتعب نفسك بالبحث عن دليل.. قلنا مرارا ان ما نسميه انت و انا فساد، ليس فسادا بمنظور الرساليين اصحاب الايدي المتوضئة... الفساد هو ان تختلس او تبدد او تسرق او تنهب ما ليس لك من المال العام. فهم الجماعة ديل انه ليس هنالك مال عام اذ اصبحت البلاد اقطاعية خاصة بهم و نحن رعاياهم او عبيدهم و بموجب فقه التمكين فقد اطلقوا اياديهم المكتنزة المتوضئة في المال العام الذي يعتبرونه غنائم و مال خاص - اذ ليس للموالي الحق فيه - لذلك فما نراه نحن فساد هو حق في نظرهم


عبدالله علقم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة