دولار ريال يا شاب
10-08-2010 01:23 PM

دولار ريال يا شاب

نبيل اديب

عندما قفزت الإنقاذ إلى دست الحكم كان بائعو العملات الأجنبية ينتشرون فى الطرقات يبيعون ويشترون تلك العملات ،ولم تكن تلك المعاملات مشروعة، كما وأنها لم تكن معاقب عليها بشكل وأضح ، فقد كانت تقع فى المنطقة التى يفضل القائمون على الأمر التغاضى عن وجودها لعلمهم بأنه لا قبل لهم بتوفير ما توفره . فى بحثها عن المؤيدين، أو ربما لإخفاء وجهها الحقيقي عمدت الإنقاذ لدى توليها السلطة لشن حملات لضبط الأسواق، إختلطت فيها الملهاة بالمأساة . فقد كانت مطاردة يوسف عبد الفتاح لبائعي الخراف لضبط الأسعار فى عشية عيد الضحية تقدم الوجه الهزلي من الحملة، فى حين تكفل صلاح كرار بتقديم الوجه المأساوى للحملة حين ظهر على شاشة التلفاز فى تحقيق فظ مع جرجس المقبوض عليه فى مطار الخرطوم لتتحول المأسة بعد ذلك إلى الرعب حين بدأت المشانق تقتات على رقاب الناس، لمجرد حيازتهم للعملة الأجنبية. وهكذا إختارت الإنقاذ أن تجرب يدها الباطشة ــــــ أول الأمرـــــ فى محاولة لإيقاف تدهور قيمة العملة السودانية فى مواجهة العملات الأجنبية. لم يكن أيا من فارسى تلك الحقبة كرار وعبد الفتاح من المتنفذين فى النظام الجديد وسرعان ماذهبا ليفسحا المجال للقيادات الحقيقية التى أعلنت الوجه الإقتصادي الحقبقى للمشروع الحضارى القائم على إسقاط دولة الرعاية الإجتماعية لصالح السوق الحر. قررت الدولة أن ترفع كل القيود القانونية عن السوق لتتم حركته وفق قوانينه الداخلية فحسب، وكان الدولار من أوائل المستفيدين بتلك السياسة فتم تحريره تماما وأصبح التعامل فيه بكل صور التعامل مشروعاً لا يخضع لأى تنظيم . بغض النظر عن مدى صحة سياسة السوق الحرة – ونحن نزعم أننا لاطاقة لنا بها – فإنها لم تكن ممكنة إلا بسبب اليد الباطشة التى أسكنت النقابات والأحزاب، فسمحت برفع الدعم عن سلع كانت زيادة قرش واحد فيها مدعاة لسقوط الحكومات ،أو على الأقل لإحراجها من قبل . حدت سياسة رفع الدعم من بعض التشوهات الإقتصادية لصالح إضافة تشوهات إجتماعية ففى الوقت الذى إنتهت فيه صفوف الرغيف والبنزين التى ميزت حقبة الثمانيات إكتظت السجون بالذين كانت تدفعهم غريزة البقاء أن يقيموا أودهم بطريق غير مشروع .

بغض النظر عن كل ذلك تظل السياسة الوحيدة الصحيحة التى إنتهجتها الإنقاذ فى مشروعها الإقتصادي هو سياستها فى عدم التدخل فى سعر العملة الأجنبية بالقانون ،وذلك لأن زيادة سعر العملة الأجنبية لا يتسبب فيها المضاربون ولا الهلع المؤقت الذى تتسبب فيها التوقعات السياسية أو سياسات بنك السودان الخاطئة . فهذه كلها إعتبارات عارضة ،ولكن ما يؤثر على سعر العمله صعوداً وهبوطاً فى المدى المتوسط والطويل هو قيمة الإستيراد بالنسبة للتصدير، فعندما تنقص قيمة الصادر عن قيمة الوارد يختل ميزان المدفوعات لصالح العملة الأجنبية ويرتفع سعرها، لأن الطلب عليها يفوق العرض. وما أدى لإنخفاض قيمة الجنيه فى مقابل العملات الأجنبية هو إنخفاض سعر البترول، وتدهور الإنتاج الزراعي، مما جعل ميزان المدفوعات فى غير صالح الجنيه. أما إجراءات بنك السودان الأخيرة الهادفة لتقييد التعامل بالحسابات الحرة، فليس لها أثر سوى زيادة الضغط على العملة المحلية، حين يعمد أصحاب تلك الحسابات إلى تجفيفها لصالح البنوك الخارجية أو الخزن الخاصة لإبعادها عن هذه الإجراءات، وسيظل الحصول على الدولار متاحاً فى الطرقات، وإذا أصغيتم ستسمعون من يناديكم، خفية دولار ريال يا شاب .

نبيل أديب عبدالله

المحامى

الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1081

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نبيل اديب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة