المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 1-4
الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 1-4
09-08-2012 09:18 AM

الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 1-4

أبكر محمد أبوالبشر - مانشستر، المملكة المتحدة
[email protected]

1- مقدمة:
في مقالنا السابق تحدثنا عن الديمقراطية الليبرالية، وكيف أنها أصبحت من أفضل أنواع الحكم في عالم اليوم، لما لها من قدرة فعالة في إتاحة الفرص المتساوية لجميع أهل البلد الواحد للمشاركة الحقيقية في إدارة شئون دولتهم. العملية الديمقراطية هذه تتطلب وجود أحزاب سياسية وطنية، التي من مهامها الأساسية أن تفسح المجال لجمهور المواطنين ليعبروا من خلالها عن آراءهم وطموحاتهم بشكل مثالي وفعال وبمطلق حرياتهم عن كيفية إدارة الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في وطنهم. في هذا المقال سنتحدث عن الأحزاب السياسية السودانية، ما لها وما عليها. سيما في المرحلة القادمة التي نتطلع فيها أن تمارس أحزابنا الوطنية، الديمقراطية بمنهجية سليمة لنتقي شر الإنقلابات العسكرية، ومن ثمّ حتى ننعم بالاستقرار السياسي المستدام.

2- مفاهيم الحزب السياسي:
كأي مفهوم من مفاهيم العلوم الاجتماعية، تتعدد التعريفات المختلفة للأحزاب السياسية، على أنه ومن واقع النظر لهذه التعريفات، يمكن الإشارة إلى أن الحزب السياسي هو اتحاد بين مجموعة من الأفراد، بغرض العمل معاً لتحقيق مصلحة عامة معينة وفقاً لمبادئ خاصة متفق عليها. ففي إحدى المرجعيات تم تعريف الحزب السياسي من قبل بعض علماء السياسة بأنه؛ "جماعة منظمة رسمياً وظيفتهم تثقيف الجمهور لبناء الوعي السياسي، فضلاً عن تسمية مرشحين وتشجيعهم لتولي المناصب العامة، والتي تشمل وظائف الربط بين الجمهور ومتخذي القرارات الحكومية" فيه تحديداً تنوب عن العقد الأجتماعى المبرم بين الدولة والمواطنين. بمعنى آخر، الحزب السياسي هو تنظيم سياسي يسعى إلى بلوغ السلطة السياسية في الدولة بوسائل التداول السلمي، وذلك من خلال المشاركة في الحملات الانتخابية العامة، إذ يقوم الحزب بتسمية مرشحيها لخوض الانتخابات مع تبني فكر سياسي قد يختلف جزئياً أو كلياً عن أفكار منافسيه.
إذاً فالحزب السياسي، هو مجموعة من الناس يشتركون في رؤية سياسية موحدة وكذا حول الطريقة التي ينبغي أن يحكم بها البلاد. وهم في ذلك يعملون على استحداث قوانين جديدة أو تعديل القوانين القائمة لتتواكب مع سياساتهم. لهذا تنشط كل الأحزاب المتنافسة في الدولة الواحدة لتنال ثقة الناخب والفوز بعدد المقاعد التي تؤهلها أن تصل للسلطة السياسية لتنفيذ برامجها. لهذا تعد الأحزاب السياسية على أنها إحدى أدوات التنمية السياسية في العصر الحديث، فالأحزاب السياسية والنظام الحزبي تعبران عن درجة تطور الوعي السياسي في النظام السياسي لأي بلد كان.
تعتبر حرية تكوين الحزب السياسي وإعلان عضويتها وبالتالي مشاركة المرشحين في الحملات الانتخابية، مقياس حقيقي لإلتزام الدولة على الديمقراطية الليبرالية كقيمة سياسية للتداول السلمي للسلطة السياسية. وعندما تتعرض الأحزاب التي خارج السلطة لقمع الحكومات القائمة، لأن أفكارها وبرامجها تتعاض مع الحزب الذي في السلطة، فهذا معيار لوصف قادة مثل هذه الحكومات بالمستبدين. وهي حالات تتكرر في دول العالم الثالث وبالأخص الوضع الراهن في السودان، إذ ينطبق على رأس النظام، قول الشيخ محمد الغزالى؛ "المستبد يؤمن بنفسه قبل أن يؤمن بالله ويؤمن بملكه قبل أن يؤمن بمصلحة الأمة ... وكل الطغاة يكذبون وهم يستحلون الدماء".
من سياق المفاهيم الواردة للحزب السياسي، جليٌ أن من مهامه الأساسية السعي للوصول إلى السلطة السياسية. والجلوس على كراسي الحكم يعني إدارة شئون الدولة. وبما أن إدارة شئون الدولة تتطلب تبني فلسفة اقتصادية محددة أو مزيج عدد منها، لذا نجد دائماً أن الأحزاب الليبرالية تتبنى إحدى النظريات الاقتصادية لتتكمن من تحقيق العدالة الاجتماعية – على الأقل نظرياً - عندما تأتي إلى السلطة، إي تحقيق توزيع عادل لثروة البلاد، وهذا يتطلب تبني إحدى النظريات الاقتصادية مثل الرأسمالية، الماركسية، الإشتراكية، الاقتصاد الجزئي، الاقتصاد الكلي، الاقتصاد الإسلامي ... إلخ.
السؤال الموضوعي هو، هل تنطبق هذه المفاهيم النبيلة في أحزابنا السودانية؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، سيكون سؤالنا التالي، هل ثّمة أمل في إعادة تكوينها بحيث تعتنق المفاهيم الديمقراطية النبيلة؟ ثم، ما هي الوسائل والآليات التي تمكنا من عمل ذلك؟

3- تاريخ نشأة الأحزاب السياسية:
تعتبر الأحزاب السياسية هي الآلية الفعلية لتطبيق الديمقراطية، رغم ذلك نشأت الأحزاب السياسية في وقت قريب جداً – أي قبل حوالي قرنين من الزمان - مقارنة مع تاريخ نشوء الديمقراطية الذي حدث في القرن السادس قبل الميلاد (ديمقراطية أثينا فى الحضارة الأغريقية). ولقيام حزب سياسي، يرى بعض علماء السياسة على أنه يجب أن تتوفر على أقل تقدير أربعة شروط حتى يمكن أن يٌطلق على ذاك التنظيم بأنه حزب سياسي، وهي؛ التكيف، والاستقلال، والتماسك، والتشعب التنظيمي. لكن على الرغم من ذلك، فإن الأحزاب السياسية التي ينطبق عليها مثل هذه الشروط لم تنشأ نشأة واحدة، بل نشأت بأشكال ولأسباب مختلفة وفي أزمنة مختلفة، أهمها خمسة:
(أ) ارتباط ظهور الأحزاب السياسية بالبرلمانات، ووظائفها في النظم السياسية المختلفة. إذ أنه مع وجود البرلمانات ظهرت الكتل النيابية، التي كانت النواة لبزوغ الأحزاب، حيث أصبح هناك تعاون بين أعضاء البرلمانات المتشابهين في الأفكار والإيديولوجيات أو المصالح، ومع مرور الوقت تلمس هؤلاء حتمية العمل المشترك. وقد ازداد هذا الإدراك مع تعاظم دور البرلمانات في النظم السياسية الأوروبية، إلى الحد الذي بدأ نشاط تلك الكتل البرلمانية يظهر خارج البرلمانات من أجل التأثير في الرأي العام، كما حدث في العديد من الأحزاب الأوروبية.
(ب) ارتباط ظهور الأحزاب السياسية بالتجارب الانتخابية في العديد من دول العالم الغربي، وهي التجارب التي بدأت مع سيادة مبدأ الاقتراع العام، عوضاً عن مقاعد الوراثة ومقاعد النبلاء. حيث ظهرت الكتل التصويتية مع ظهور اللجان الانتخابية، التي تشكل في كل منطقة من المناطق الانتخابية بغرض الدعاية للمرشحين الذين أصبحوا آلياً يتعاونون لمجرد الاتحاد في الفكر والهدف. وسرعان ما استمرت بعد الانتخابات وأسفرت عن أحزاب سياسية تتألف من مجموعات من الأشخاص متحدي الفكر والرأي. أي أن بداية التواجد هنا كان خارج البرلمان، ثم أصبح الحزب يتواجد داخله. وكانت تلك الأحزاب قد سعت إلى تكوين هياكل تنظيمية دائمة لكسب الأعضاء، ومراقبة عمل البرلمان والسلطة التنفيذية.
(ج) بفضل تطور الديمقراطية في العالم الغربي، أدى ذلك إلى ظهور منظمات الشباب والجمعيات الفكرية والهيئات الدينية والنقابات، وبدورها أدى إلى سعى بعض هذه المؤسسات لتنظيم نفسها بشكل أكبر من كونها جماعات مصالح تحقق الخدمة لأعضائها. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك حزب العمال البريطاني، الذي نشأ بداية في كنف نقابات العمال بالتعاون مع الجمعية الفابية الفكرية. وكذلك الحال بالنسبة لأحزاب المزارعين وخاصة في بعض الدول الاسكندنافية، حيث كان أصل نشأتها الجمعيات الفلاحية. إضافة إلى ذلك فقد كان أساس نشأة بعض الأحزاب المسيحية في أوروبا هو الجمعيات المسيحية.
(د) ارتباط نشأة الأحزاب السياسية - في بعض الأحيان وليس دائماً - بوجود أزمات التنمية السياسية. فأزمات مثل الشرعية والمشاركة والاندماج أدت إلى نشأة العديد من الأحزاب السياسية. ومن الأحزاب التي نشأت بموجب أزمة الشرعية، وما تبعها من أزمة مشاركة، تتمثل في الأحزاب السياسية الفرنسية التي نشأت إبان الحكم الملكي في أواخر القرن الـ18، وخلال الحكم الاستعماري الفرنسي في خمسينات القرن الماضي. وبالنسبة لأزمة التكامل، فقد أفرخت في كثير من الأحيان أحزاباً قومية، وعلى سبيل المثال يشار في هذا الصدد إلى بعض الأحزاب الألمانية والإيطالية، إضافة لبعض الأحزاب العربية التي جعلت من الوحدة العربية والفكر القومي العربي سبباً لقيام حزب سياسي، مثل حزب البعث العربي الإشتراكي.
(هـ) ظهور الأحزاب السياسية كنتيجة لقيام بعض الجماعات لتنظيم نفسها لمواجهة الاستعمار والتحرر من نير الاحتلال الأجنبي، وهو الأمر الذي يمكن تلمسه على وجه الخصوص في الجيل الأول من الأحزاب السياسية التي ظهرت في بعض دول العالم الثالث وخصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا، وأمثلة هذه الأحزاب في إفريقيا تتمثل في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في دولة جنوب إفريقيا في العام 1923م، وحزب الأمة في السودان في العام 1945م، والاتحاد الوطني للسودان الإفريقي – سانو – في العام 1963م بهدف الاستقلال من السودان. الجدير بالذكر أن الأحزاب السياسية السودانية نشأت إثر الصراع الذي ظهر بين المثقفين داخل مؤتمر الخريجين من أجل الإستقلال، والذي أدى بدوره إلى ظهور تيارين أحدهما نادى بالوحدة مع مصر والآخر نادى بالإستقلال التام من دولتي الاستعمار. ورغم أن الصراع كان موجوداً بشكل هادئ بين الخريجين إلا أنه ظهر علناً كنتيجة للمذكرة التي رفعها مؤتمر الخريجين إلى الإدارة البريطانية في السودان في العام 1942م إذ تضمن أحد بنود المذكرة المطالبة بحق تقرير المصير للسودان بحدوده الجغرافية بعد الحرب مباشرة. الشاهد في الأمر أن نشأة الأحزاب السودانية جاءت كنتيجة حتمية لتطور الجمعيات الفكرية والنقابية – عمال ومزارعين - التي تزامنت مع حركات التحرر من الاستعمار.
وعلى ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن نشأة الأحزاب السياسية عالمياً في شكلها الأولي قد بدأت على نحو القرن الثامن عشر الميلادي، وهي تحمل تباينات أسباب ودواعي النشأة ولكنها لم تتطور وتلعب دوراً مهماً إلا منذ حوالي قرن من الزمان. وبالرغم عما قيل عن الأحزاب السياسية في بداية نشأتها، خاصةً من قبل القوى التقليدية، من أنها ستكون أداة للإنقسام وللفساد السياسي، وأنها ستفتح الباب عملياً أمام التدخل الأجنبي، وستكون مصدراً لعدم الإستقرار السياسي وانعدام الكفاءة الإدارية، - وهذا كله على حد تعبير جورج واشنطون مؤسس الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أنها أصبحت إحدى أهم آليات المشاركة السياسية، وهكذا أضحت من أهم أدوات التنشئة السياسية في المجتمعات الغربية. بالطبع لم تصدق تهكنات جورج واشنطن المتشائمة في تجربة الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بل أضحت تجربة ناجحة بكل مقاييس النجاح، إذ أن الأحزاب السياسية لعبت دوراً محورياً وما زالت في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه البلاد لا مثيل لها في بلاد أخرى. لكن تكهنات واشنطن المشئومة قد تكون تحققت في بعض الدول النامية وبالأخص في إفريقيا وعلى رأسها السودان، إذ حملت الأحزاب السياسية السودانية منذ نشأتها بذور عدم الإستقرار السياسي وانعدام الكفاءة الإدارية، فتُوِجت سياساتها بإنشطار البلد إلى دولتين، وما زال السودانيون يعانون من عدم الاستقرار السياسي ولا تلوح في الأفق أية بوادر الإنفراج حتى الآن.

نواصل في الحلقة القادمة ونتحدث عن، مهام ووظائف الأحزاب السياسية وكذا تصنيف الأحزاب والنظم الحزبية.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1350

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أبكر محمد أبوالبشر
أبكر محمد أبوالبشر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة