المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 4-4
الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 4-4
09-13-2012 09:21 AM

الأحزاب السياسية: ما لها وما عليها 4-4

أبكر محمد أبوالبشر - مانشستر، المملكة المتحدة
[email protected]


تحدثنا في الحلقات الأولى عن تاريخ نشأة الأحزاب السياسية وعن مفاهيم الحزب السياسي ومهامه ووظائفه وأسس تنظيمه. ثم تحدثنا بشئ من التفصيل عن تاريخ نشأة الأحزاب السياسية السودانية، وكيف أن قيامها قد إرتبطت بالحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، وكيف أن الطوائف الدينية استغلت تلك الحركة الوطنية لتتمكن من ورثة السلطة السياسية والاقتصادية بعد خروج المستعمر. اليوم نختم هذا المقال لكي نوضح بقدر معرفتنا المتواضعة عيوب الأحزاب السياسية السودانية، ونقدم في ذات الوقت وعلى قدر المستطاع بعض الحلول لهذه العيوب. وبما أنه لا مفر من تطبيق الديمقراطية النزيهة في عالم اليوم، فكلي أمل في أن تكون هذه المحاولة بداية لنقاش وحوار علمي حول أحزابنا لنمكنها من ممارسة الديمقراطية بصورتها الحقيقية.
8- علل الأحزاب السياسية السودانية:
لا شك أن الأحزاب السياسية السودانية قد لعبت دوراً مهماً في تثقيف وتنوير الإنسان السوداني في العمل السياسي العام، لدرجة أن السودانيين قد عُرِفوا لدى العديد من الشعوب المجاورة للسودان بإقبالهم على قراءة الصحف والمجلات والنقاش حول مضامينها، الشئ الذي يؤشر على أهمية التثقيف السياسي للسودانيين. وأذكر أن أحد أصدقائي ذكر لي أن سوق الصحف العربية تنتعش في تونس عندما يأتي إليها السودانيون من ليبيا في عطلاتهم القصيرة، وأذكر أيضاً أن صحيفة الخرطوم التي كانت تصدر من القاهرة في تسعينات القرن الماضي تباع بسرعة فائقة في أسواق لندن. والآن وعلى سبيل المقارنة لا أدري إن كانت للدول العربية صحف إلكترونية كما للسودان أم لا؟. الذي أريد قوله، هو أن كثرة الصحف الإلكترونية السودانية دليل على إقبال السودانيين للتثقيف السياسي. على كل حال، في تقديري أن التثقيف السياسي الذي قامت به الأحزاب السياسية رغم أهميته إلا أنه كان ذا اتجاه واحد، وهو تحريض مواطن الوسط السوداني لدعم الخريجين في نضالهم لنيل الاستقلال وليس لبناء أمة واحدة. أما الفترة التي تلت نيل الاستقلال إلى يومنا هذا، يمكن أن يوصف بعدم وجود نشاط حزبي للتثقيف السياسي الوطني، خاصة تجاه بناء أمة واحدة من شتات القوميات المختلفة، بل أضحت كلها مناكفات حزبية بغيضة.
لهذا وعندما نأتي إلى تقييم الأحزاب السياسية السودانية، علينا أن نستند على مفاهيم وقيم وأسس تنظيم الأحزاب المعروفة دولياً في الديمقراطيات الليبرالية، وذلك أن الركيزة الأساسية لمهام الأحزاب السياسية تتمثل في تطبيق الديمقراطية. لهذا كان من الضروري أن نستهل هذا المقال في الحلقتين الأوليتين، بسرد لمفاهيم وقيم ومهام الأحزاب الليبرالية خاصة في تجارب الدول المتقدمة التي لعبت فيها الأحزاب وما زالت دوراً إيجابياً للتطور في كل جوانبه. هنا على القراء الكرام أن يقيم كل واحد منهم بنفسه الدور الذي لعبته الأحزاب السودانية على ضوء المعاني السامية للأحزاب الليبرالية.
من المنطلق أعلاه، أبدأ بأن الأساس في تقييم الأحزاب السودانية، هو الدستور الوطني للدولة والذي يفترض أصلاً أن يؤسس على هدى العقد الاجتماعي لجميع أهل البلد، إذ فيه يتم وضع قواعد اللعبة السياسية باتفاق الجميع. لكن الأمر في السودان بدأ أولاً بتأسيس الأحزاب السياسية لتقوم هي بوضع الدستور القومي الدائم، الأمر الذي لم يتم حتى الآن، وإن كان قد تم فإنه سيكون دستور فوقي، ذاك الذي لم ينبع من القاعدة. الأمر الآخر هو أن الدواعي الظاهرية لقيام الأحزاب السودانية - كما وضحت في كثير من برامج تأسيسها - كانت في الأساس لمناهضة الاستعمار، دون وضع أي إعتبار يذكر للخطط التنموية الاقتصادية والاجتماعية، ولا لوضع برامج لخلق أمة سودانية واحدة من ورثة خليط الشعوب العديدة التي جمعتها الاستعمار. أضف إلى هذا، هناك علل كثيرة في الأحزاب نفسها وفي النظم السياسية السودانية المتعاقبة يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:
(أ) تصنيف الأحزاب السودانية: في تقديري يمكن أن تصنف الأحزاب السودانية وعلى وجه الخصوص تلك التي لعبت دوراً ما في حكم البلاد، إلى ثلاثة أقسام رئيسية. الأولى طائفية دينية، تمثلت في مقدمتها أحزاب الأمة والأشقاء والشعب الديمقراطي والاتحادي الديمقراطي. والثانية عقائدية راديكالية، إذ يأتي في المقدمة الحزب الشيوعي السوداني، والجبهة القومية الإسلامية (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي)، والبعث العربي. والثالثة إقليمية جهوية، تتمثل في أحزاب الأحرار (الليبرالي) الجنوبي، والاتحاد الوطني للسودان الإفريقي (سانو)، والحزب القومي السوداني. ورغم أن دساتير أحزاب الفئة الثالثة هي دساتير قومية، إلا أن تسمياتها جعلتها أن تنحصر في النطاق الإقليمي، مثال ذلك حزب الأحرار الجنوبي. ومن جانب آخر، وبما أن مبادرة تأسيس الحزب القومي السوداني جاء من الأب/فيليب عباس غبوش (نوباي) من غرب السودان، كان إنتماءه لغرب السودان سبباً كافياً من نفور الشماليين للإنضمام لهذا الحزب الوطني، لهذا صنفناه ضمن الفئة الثالثة، فقط لأن جل أنصاره عموماً من غرب البلاد. القاسم المشترك في كل هذه التصنيفات، أنها غير قومية بمعنى أنها إقصائية إما دينياً أو طائفياً أو عقائدياً أو جهوياً، فهي على حد سواء في الإقصاء.
وهنا نضرب مثلاً، إذ جاء في كتاب "الجمعيات الأهلية والإسلام السياسي في السودان" لمؤلفه د. سامية الهادي النقر 2006م، أن من ضمن ثمانية عشر (18) حزباً مسجلاً في السودان في العام 2002م منها أربعة عشر (14) حزباً، أي بنسبة 78% يضع في صلب برامجه السياسي، التمسك بالشريعة الإسلامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن تنظيم الأخوان المسلمين ينادي ب"تحكيم شرع الله في مختلف جوانب الحياة" أما حزب الأمة فمن برامجه "ترسيخ مبادئ الشريعة الإسلامية عقيدة وأسلوب حياة" ومن ضمن برامج الاتحادي الديمقراطي "التمسك بالشريعة الإسلامية وقيم الأديان السماوية الأخرى" والجبهة القومية الإسلامية تنادي ب"إقامة شرع الله ومقاصد الدين الإسلامي". وبما أن هذا هو برنامج إسلامي لحكم البلاد والعباد إذ يشترك فيه أربعة عشر (14) حزباً سياسياً سودانياً، فهذا بالطبع يقودنا بأن نسأل بموضوعية وتجرد! فيمّ الخلاف إذاً الذي قاد لتأسيس هذا العدد الكبير من الأحزاب الدينية؟ ولمّ لا يتحدون في حزب إسلامي واحد؟ طالما أن دين الإسلام واحد. فحقيقة الأمر تكمن في صدق من قال "كان رفع المصاحف أول استغلال للدين في السياسة ... استخدم ضد الإمام علي نفسه" فإلى أي مدى يمكن أن يؤثر شعار الدين هو الحل على عقول البسطاء. إذاً ولطالما التفرقة هي حالة الأحزاب الإسلامية فإن الأمل المرتجى منها لتوحيد أهل السودان المتعددي الأديان والطوائف سيكون بلا شك في خبر المفقود!
علة الأحزاب الدينية أياً كانت، أنها تحمل في طياتها بذور التفرقة – بين الأديان نفسها وبين الطوائف التي داخل الديانة الواحدة - وبالتالي الفشل في العملية الديمقراطية الليبرالية برمتها. فالأحزاب الدينية تخاطب في أساسياتها إصلاح المواطن في آخرته وليس في حياته الدنيوية، ولهذا فهي تعمل في الاتجاه المعاكس للأحزاب الليبرالية التي تبني برامها على تنمية الاقتصاد والخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم التي تؤدي في النهاية إلى سلم ورفاهية الإنسان في دنياه، بل من مهام الأحزاب الليبرالية اجتهاداتها المضنية للمحافظة على الأديان من تسلط الحكومات.
(ب) غياب الرؤية الوطنية: أي أن أغلب الأحزاب السياسية السودانية خاصة القديمة منها، قامت وهي تتبنى نظريات وأفكار سياسية كما هي، لدول أو تنظيمات أجنبية. فمثل هذه الأفكار لن تقود إلى تأسيس دولة ديمقراطية ناجحة ومتماسكة في السودان من شتات القوميات المختلفة، وذلك فقط لاختلاف البيئة الاجتماعية السودانية من تلك البيئة التي تم استيراد النظريات منها. فلا يعقل أن يقوم حزب كالبعث العربي بنشاط سياسي يهدف إلى توحيد شمل الشعوب السودانية المختلفة، خاصة وأن أغلب أهل البلد ينحدرون من أصول إفريقية أي زنوج. فلا يستقيم عقلاً أن تؤسس حزب سياسي ليحكم البلد يوماً ما وهو قائم على عرقية آحادية. وفي اتجاه آخر هناك أقوال عدد كبير من الذين يهتمون بتاريخ السودان الحديث، أن بعض من أفراد طريقة الطائفة الختمية الذين فروا إلى مصر أثناء الدولة المهدية في السودان، قد عادوا للبلاد وعلى رأسهم زعيمهم السيد علي الميرغني وهم مرافقين للجيش البريطاني الغازي للبلاد في أواخر القرن التاسع عشر، فهل كانت هذه الرفقة بمثابة خبراء طريق؟ أم لشئ آخر؟ على كل حال، وأياً كان السبب! ... أين الوطنية هنا؟.
ومن الأشياء المدهشة، أن أحزابنا تنادي بالديمقراطية وبالتداول السلمي للسلطة، لكن عندما تفشل في إدارة البلاد يقوم الحزب الذي في السلطة بتسليمها للعسكر، ويوهم المواطن العادي بأن العسكر قاموا بالانقلاب عليه. فالكل يعلم أن الذي حدث في العام 1958م لم يكن إنقلاباً عسكرياً بمعنى الكلمة من الفريق عبود بل هي عملية تسليم وتسلم من عبد الله خليل لعبود. والآن يبين لنا السيد مبارك الفاضل المهدي في وضح النهار، في رسالته للسيد الصادق الصديق المهدي، وهي بعنوان "رسالة مفتوحة من مبارك الفاضل المهدي الي الأخ السيد الصادق المهدى" بتاريخ الأربعاء الموافق 29/8/2012م والمنشورة في موقع "سودانايل"، أن الصادق المهدي رئيس الوزراء آنذاك قد علم بالانقلاب العسكري ولم يفعل شئ البتة لمنع وقوعه، بينما كان في إمكانه فعل ذلك. وهنا نص للتوثيق لجزء من رسالة السيد مبارك الفاضل إذ يقول فيها "أننا نعرض مع هذا الخطاب وثيقه سريه تؤكد خطأ تقديراتك السياسيه والوثيقه تتحدث عن نفسها وبخط يدك تستنكر فيها تقريراً عن إحتمال قيام إنقلاب عسكرى قبل أسبوع من قيام الانقاذ فى يونيو 1989م. نصحناك حينها ولم تستمع فهل تستجيب الان؟". مرة أخرى أين وطنية حزب الأمة من هذين الانقلابين؟.
أمر آخر في هذه الجزئية وهو، تقاعص الأحزاب السباسية وبالأخص التقليدية منها في مقاومة النظم الدكتاتورية والشمولية. فكل الإنتفاضات الشعبية، ضد النظم العسكرية إبتدرها وقادها ونجحها الطلاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. أكتوبر 1964م وإبريل 1985م والمظاهرات الجارية الآن في أغلب الحضر السوداني كلها أمثلة حية. فمرة ثالثة أين الدور الوطني للأحزاب السياسية من استرداد الديمقراطيات؟. هذه الشواهد تجعلنا نقول أن الأحزاب السودانية تنقصها الرؤية والروح الوطني لحماية الوطن.
(ج) كثرة الأحزاب السياسية: كثرة الأحزاب هي أيضاً في صحبة عدم الممارسة الديمقراطية على المستويين الحزبي والوطني. وإستناداً لكتاب د. سامية النقر المذكور سالفاً، وصلت عدد الأحزاب المسجلة في العام 2002م إلى سبعة وأربعين (47) حزباً، وفي مصادر أخرى أنها قاربت التسعين (90) حزباً، وفي ظل الحراك السياسي القائم الآن يتوقع الكثيرون إنشاء المزيد من الأحزاب الجديدة، قد تكون غالبيتها إقليمية على خلفية الحركات الاحتجاجية المسلحة منها وغير المسلحة، وإذا حصل ذلك فإننا سنستمر أيضاً في دوامة الأحزاب الغير قومية، فلا رحنا ولا جئنا. تبقى الأسئلة الموضوعية، ما جدوى الكثرة؟ وهل أتت الأحزاب الجديدة بفكر جديد؟ بل وفي ظل غياب الديمقراطية، ما جدوى الأحزاب السياسية في الأساس؟ فكثرة الأحزاب توحي بأن قادتها منجرفون وراء الطموحات الشخصية لتولي المناصب عندما تأتي. وإلا ما السبب في الإنقسامات العديدة وسط الأحزاب القديمة، على سبيل المثال، حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي والشيوعي والبعثي، كلها على حد سواء إنقسم لعدة أحزاب، وليت أمر الإنقسامات توقف عند الأحزاب السياسية فقط، بل شمل حتى الحركات المسلحة في دارفور والشرق وأقصى الشمال.
فالسؤال الموضوعي هو، ما هي دواعي إنقسامات الحركات المسلحة؟ إن لم تكن مطامح شخصية للقيادات! لأن الإفتراض هو وحدة هدف هذه الحركات في إعادة تشكيل الدولة بحيث تجرم بالقانون أية عملية للتهميش بكل جوانبها. وهذا الهدف لن يتحقق بالإنشقاقات، بل بالوحدة. أما بالنسبة للأحزاب، فالحيرة تكمن في أن الأعراف السياسية الدولية تقسم الأحزاب فكرياً إلى يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة أو يمين الوسط أو يسار الوسط، وما بين اليمين واليسار تنشأ أحزاب عدة، لكنها لا تصل لمثل هذا العدد الهائل من الأحزاب كما في السودان الذي يفوق الخمسين (50). إذاً هذه الكثرة تدعم التهمة الموجهة لقيادات الأحزاب بأنها تعمل لمصالحها الشخصية وليس للوطن.
وعلة أخرى داخل الأحزاب السودانية التي تعتبر من الكبائر، هي فقدان الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب. فأية ديمقراطية يكون فيها رئيس الحزب هو الآمر والناهي، بل هو في رئاسة الحزب مدى الحياة، على سبيل المثال الصراع الذي أصبح علناً للناس في وسائل الإعلام العامة بين السيدين الصادق المهدي ومبارك المهدي، لهو شهادة من أهلها لما ذهبنا إليه. صحيح أن هناك بعض الأحزاب قامت بعمل مؤتمرات حزبية متفرقة، لكنها كانت إسمية، فهي لم تغير قياداتها بالطريقة الديمقراطية، فعدم التغيير هذه أضحت إحدى الأسباب المؤدية للإنشقاقات داخل الأحزاب، أيضاً لم تأتي المؤتمرات المزعومة بأفكار وطنية جديدة تجذب مزيداً من المناصرين لها.
وأمر أخير مريب هو، أن الديمقراطية نفسها لم تمارس في السودان بصورتها النزيهة. فتجربة الديمقراطية الثانية في السودان تشير إلى أن بعض الساسة السودانيون يؤمنون بأنهم ولدوا ليحكموا مدى حياتهم ليورثونه بعد مماتهم لأبنائهم. لتبيان هذه الخلاصة نستشهد بما جاء في كتاب "الديمقراطية في الميزان Democracy on Trial: Reflection on Arab and African Politics 1974 " لمؤلفه؛ السيد/محمد أحمد محجوب، رئيس وزراء السودان الأسبق. إذ ذكر فيما ذكر، أنه وبعد نجاح ثورة أكتوبر العام 1964م، كان اختيار سرالختم الخليفة رئيساً لوزراء حكومة أكتوبر، هو نتيجة لخطة محكمة القصد منها إزاحته بسهولة من منصبه "Stop-gap Prime Minister" حتى يفسح المجال للصادق المهدي عندما يبلغ السن القانوني لدخول البرلمان ومن ثمّ تولى رئاسة الوزراء، هذه أولاً. ثانياً في الفترة القصيرة التي سبقت الانتخابات العامة في ربيع 1965م، وكما يقولون، جرت مياه كثيرة تحت الجسر. تم اتفاق بين الصادق المهدي واسماعيل الأزهري في أن يتم تعديل الدستور المؤقت ليصبح اسماعيل الأزهري رئيساً لمجلس السيادة بصفة مستمرة، بدلاً عن الرئاسة الدورية الشهرية لأعضاء مجلس السيادة البالغ عددهم خمسة (5)، وفي المقابل تكون رئاسة مجلس الوزراء لحزب الأمة، وبالفعل تم ذلك. ففي العاشر من يونيو العام 1965م اجتمع البرلمان وانتخب الأزهري رئيساً دائماً لمجلس السيادة والمحجوب رئيساً للوزراء من حزب الأمة. ثالثاً في الانتخابات العامة من ذاك العام لم يكن عمر السيد الصادق الصديق المهدي قد بلغ الثلاثين (30) عاماً وهو السن القانوني للترشح، فما كان إلا ترشح أحد أقاربه في دائرة مقفولة/مضمونة لحزب الأمة على أن يستقيل/يتنازل العضو عندما يبلغ الصادق السن القانوني – طبعاً الدائرة مضمونة – وبالفعل عندما بلغ الصادق السن القانوني استقال العضو من البرلمان، فأجريت انتخابات تكميلية في تلك الدائرة وفاز فيها الصادق بالتزكية في يناير 1966م. رابعاً، وبعد دخول الصادق البرلمان في يناير 1966م طلب عدد من أسرة بيت المهدي – مش بصفة أعضاء حزب الأمة – رئيس الوزراء آنذاك محمد أحمد محجوب بأن يستقيل من رئاسة الوزراء ليتولاها الصادق المهدي. بالطبع طلب غريب لا مثيل له حتى في النظم الملكية، وكأنها كانت أمانة وجاء صاحبها فالواجب تسليمها له!. خامساً، تآمر الصادق المهدي مع الإسلاميين وتحديداً مع جبهة الميثاق الإسلامي في عملية غير دستورية البتة لطرد نائبي الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان. هذه النقاط الخمس تبرهن عدم ممارسة الديمقراطية حينما تكون هناك سانحة في السودان لممارستها، فيعني أن النظم الديمقراطية في السودان كانت إسمية فقط عند الممارسة.
9- نخلص ... ونأمل:
في ختام هذا المقال نخلص بأن الأمور السياسية في السودان قد أصبحت معقدة جداً، خاصة في ظل إنفصال جنوب البلاد وتعاظم المعارضة المسلحة، ولا تلوح في الأفق بوادر حقيقية للحل السلمي مما توحي إلى مزيد من تفكك البلاد – لا قدر الله – في مثل هذه الظروف الحرجة، السودانيون اليوم في أشد الحاجة من أي وقت مضى إلى إبرام عقد اجتماعي بين كل شعوب السودان، لوضع اللبنات الأساسية للدستور القومي الدائم. إذ نأمل أن يتم من بين أمور وطنية أخرى، إعادة تكوين الأحزاب السياسية بل أيضاً منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية على أسس الدستور الوطني الجديد، فتصبح أية ممارسة لهذه المنظمات السياسية والمهنية والمدنية غير دستورية ما لم تقم على الدستور الوطني.
إضافة إلى الدستور القومي الذي يعالج أسس تكوين الأحزاب، هناك عدة إجراءات يجب على الأحزاب السياسية السودانية أن تعتنقها وتمارسها بكل جرأة وشجاعة وشفافية لتتمكن من تطوير أنفسها – فالتجديد سنة الحياة. أولى هذه التوصيات، هي ما ورد سابقاً بأن الدول والمنظمات العالمية المتقدمة ديمقراطياً، تقدم منحاً لأحزاب الدول النامية من أجل تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد، هذه فرص متوفرة، فعلى الأحزاب أن تستغلها بصورة جيدة، على أقل تقدير لتدريب كوادرها. ثانياً، نجاح الديمقراطيات الليبرالية التي عايشناها في المجتمع الغربي، تكمن في تجديد قياداتها وبرامجها على الدوام، على سبيل المثال، منذ أن أستقر بي المقام في بريطانيا في العام 1990م، مر على حزب المحافظين البريطاني، ستة (6) زعماء هم، مارقريت تاتشر (المرأة الحديدية)، جون ميجر، وليام هيج، إيان دانكان إسميث، مايكل هاوارد، وديفد كامرون رئيس الوزراء الحالي. كلهم بالطبع تولوا زعامة الحزب عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة في المؤتمرات العامة للحزب. في السودان هذه ممارسة غير موجودة البتة، لذا يجب العمل بها، فعملية التداول السلمي للسلطة على مستوى الوطن تبدأ من ممارسة التجربة الحزبية لتداول الرئاسة سلمياً. فلا يعقل أن تنادي الأحزاب باستعادة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عندما تكون في المعارضة في الوقت الذي تفتقر فيه لتجربتي الديمقراطية والتداول السلمي في أنفسها – فهي مناداة حق أريد بها باطل. ثالثاً، وجود هيئة للمفكرين، مستقلة عن الهيئة التنفيذية، مهمتها إجراء دراسات علمية في كل مجالات الحياة، تهتدي بها القيادة للتجديد ولإدارة شئون الحزب الداخلية وكذا شئون البلد عندما يكون الحزب في السلطة. ففي هذا يقول الإمام محمد عبده "أن العقل من أجل القوى، بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها" ويزيد ويقول "ولا تقوم حضارة بدون فلسفة وفكر مستنير قادر على إثارة الجدل وتحريك العقول الراكدة المستسلمة لقدرها ... العقول القدرية لا تصنع حضارة، والتقدم يأتي من الجدل والتجربة والأسئلة المشتبكة مع الواقع، القادرة على إشعال الفكر ليتولد أفضل ما يرجو الإنسان من حضارة وتقدم". إذاً وجود مفكرين مستقلين مسألة ضرورية وحتمية إن أردنا لبلدنا أن يتقدم ويزدهر. رابعاً، يجب على الأحزاب أن تنشط في إقامة المؤتمرات الدورية سنوياً، فهذه المؤتمرات تهدف للتجديد الفكري المطلوب، فعلى سبيل المثال، لم يعقد الحزب الشيوعي مؤتمره العام منذ العام 1967م إلا قبل عامين فقط. فكلنا حيرة في أمر أحزابنا عندما نقارنها بالأحزاب في الدول الغربية التي تعقد مؤتمراتها سنوياً. لذا مهم جداً أمر المؤتمرات، ليس فقط من أجل تجديد الفكر والأهداف، بل أيضاً لمحاسبة القيادات ومن ثمّ تجديدها أو إعادة الثقة فيها. خامساً، كثرة الأحزاب السياسية لا تخدم أي غرض وطني، على هذا الأساس يجب على الأحزاب التي لها فكر سياسي مشترك أو متقارب – كما ورد سابقاً 14 حزب إسلامي - أن تهتدي بتجربة الأحزاب الإتحادية في العام 1952م وتتوحد في حزب واحد. ففي الوحدة تكمن تقوية الأفكار السياسية وتوسيع القاعدة الجماهيرية، كما أنه تتوفر فرص أكبر للوصول للسلطة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2331

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أبكر محمد أبوالبشر
أبكر محمد أبوالبشر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة