التربية الوطنية
09-15-2012 09:33 PM

التربية الوطنية

بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
[email protected]
جامعة الجزيرة

الأمين العام للاتحادى الديموقراطى الأصل بالانابة

السودان بحدوده الحالية وخارطته المعروفة لدى الجميع، خاصة لكل من هو سودانى، يعتبر عشق لا يدانيه عشق لأجيالنا نحن والأجيال السابقة لنا حيث كنا نتنافس ونحن بالمدارس الأولية والوسطى والثانوية فى رسم تلك الخارطة الفريدة فى جمالها (فى نظرنا طبعا) من حلفا حتى نيمولى ومن بورتسودان حتى الجنينة. كان من النادر أن نخطئ فى رسم هذه الخارطة الغالية خاصة تلك التعاريج التى توجد بالغرب وبالجنوب والجنوب الشرقى. ان سألنا أنفسنا ما هو سبب عشقنا لهذا الوطن ولتلك الخارطة شبه المقدسة؟ سنجد اجابات وأسباب لاحصر لها، وهى ذات الاجابات والأسباب التى جعلت الشعب السودانى فى فترة عزيزة من الزمان شعبا محترما ومحبوبا بين كل شعوب دول العالم خاصة الأفارقة والعرب.

لقد عاصرنا كجيل ولد فى نهاية أربعينات القرن الماضى محب لهذا الوطن وعاشق لكل ذرة من ذرات ترابه، عاصرنا قيادات الثوار السودانيين الأوائل الذين نلنا على أيديهم الاستقلال وشهدنا بدايات بناء الدولة السودانية والسودنة، كما عاصرنا بدايات تحقيق الخطوات التنموية بالبلاد التى غرست فينا الفخر بمقدراتنا كسودانيين وكأحفاد ملوك الزمان والممالك التاريخية الشهيرة وأساس الحضارة البشرية التى دون شك نشأت فى بلادنا ونيلنا.

غسلت أرواحنا أغانى وأناشيد الحقيبة وخليل فرح والكاشف وأحمد المصطفى والعطبراوى وعثمان حسين وعثمان الشفيع ومحمد عثمان وردى التى تهز وجدان كل السودانيين حتى الآن. تشربنا بمناهج السلم التعليمى القديم الذى وضع السودان كأول أولوياتنا بعد الاسلام وكأعلى طموحاتنا وطن لانبدله ولانقبل أن يمس بواسطة سودانى أو أجنبى قولا أو فعلا والا ناله منا ما لا يحمد عقباه ، وطن نفديه بالغالى والتفيس. آباؤنا لم يقصروا فى زرع حب الوطن فينا مع الاعتزار بالفبلية وبالقبائل السودانية الأخرى. أما الصحف والمجلات الأسبوعية فى ذلك الزمان فقد كانت تذخر بالآدبيات من مقالات نثرية وأشعار تتغنى بحب الوطن وتتغزل فيه (عزة فى هواك، نشيد العلم، أنا سودانى، وطن الجدود، جدودنا زمان، أنا أم درمان). وكان الكتاب يتنافسون على حبه وعشقه. تربينا على عشق ترابه ونيله وزرعه وضرعه، غاباته وصحاريه، وديانه وجباله، شماله وجنوبه وشرقه وغربه، قبائله وتراثها، نعشق الدينكا كما نعشق المحس والدناقلة، نفاخر بالنوير والشلك كما نفاخر بالجعليين والشايقية، نعتز بالهدندوة والبنى عامر كما نعتز بالفور والمساليت. نحفظ أغانيهم وأشعارهم كما نحفظ أشعار وأغانى قبائلنا. فنحن وطن واحد لانقبل تجزئته أو التفرقة بين كياناته وقبائله وأفراده. كانت المدارس والجامعات تجمعنا وتصهرنا (خاصة بالداخليات) فى قالب، واحد يسمى السودانيين الذين لهم أهداف واحدة وآمال متفق عليها وطموحات لاحدود لها.

ماذا حدث بعد ذلك؟

بدأنا نسمع ونرى أشياء غريبة لاتمت للسودان والسودانيين بصلة من سودانيين وبالميلاد. منهم من يقول أنه قد كره السودان وطنا وشعبا. ومنهم من يصف السودان بالحفرة، والسودانيين بشعب كرتون، ومنهم من يتجنب أو يخجل أن يذكر أنه سودانى فى المجتمعات الدولية. بل أن بعضهم يتمنى الحصول على جنسية أخرى والتخلص من هذه الجنسية المخجلة!!! لايعجبهم كل ماهو سودانى. لا يفخر بالانتماء لهذا الوطن العزيز الذى بحبه نجاهر. متى بدأ هذا؟

لاحظت بدايات هذه الظاهرة فى منتصف العقد الثامن من القرن الماضى، خاصة بعد العام 1977م وبدايات التدهور الاقتصادى فى عهد مايو، مصحوبا بالسلم التعليمى الجديد الذى وضعه

د.محى الدين صابر رحمه الله، مصحوبا بهجرة الكفاءات العلمية والعملية الى الدول الخليجية بحثا عن حياة أفضل لهم ولأبنائهم. بل أن بعضهم انقطع نهائيا عن زيارة السودان بما فى ذلك أثناء الاجازات السنوية ويفضلون قضائها بدول جنوب شرق آسيا. أبناؤهم أصبحوا لايحسون بالانتماء لهذا الوطن، وتغيرت لهجاتهم وعاداتهم بحيث أصبحوا غرباء عن ديار الآباءوالأجداد. لايعرفون خارطته وترابه ونيله، وبالتالى لم يعشقونها كما عشقناها ولم يتنافسوا فى رسمها. أما الذين هم بالداخل فقد فقدوا كل ما هو وطنى من مشاعر وأحاسيس جياشة تجاه أغلى ما نملك. قد يكون ذلك راجعا الى أسباب سياسية أو بسبب العطالة أو بسبب ضعف الرواتب وغيرها من العوامل المنفرة والمحبطة. لكننى أرى أن الأسباب الحقيقية هى انعدام التربية الوطنية سواء بالمدارس أو الجامعات. من المعروف أن الشعب المصرى هو أكثر الشعوب حبا لبلده، ما أن تذكر مصر فى وجود أى مصرى أو مصرية فسيكون رده المباشر "أم الدنيا" علما بأننا حقيقة الأحق بهذه الصفة حيث أن السودان تاريخيا هو أم الدنيا (ودى ما ديره ليها غلاط). فنحن النوبيون أصل الحضارة البشرية.

لماذا يفتخر المصريون كل هذا الفخر بمصر؟ الاجابة تكمن فى أن ثورة يوليه ومنذ قيامها أدخلت فى مناهج كل المراحل مواد التربية الوطنية التى تتدرج بمفاهيم الطالب وتعمق من حبه لوطنه عام بعد آخر. كما قامت بمراجعة كتب التاريخ التى ورثتها الثورة من عهد الملكية واعادة صياغتها بطريقة تجعل المصرى يفخر بمصريته وتاريخه أمام كل الأمم والشعوب بل يفدى وطنه بروحه ودمه دون تردد فى أى وقت من الأوقات ومتى ماتطلب الأمر أو متى مادعى الداعى والأحداث الأخيرة خير دليل على ذلك.

المطلوب:

من هنا نطالب وزارة التربية والتعليم بادخال مناهج التربية الوطنية فى كل سنوات المرحلة ماقيل الجامعية، كما نطالب الجامعات بادخال مثل هذه المناهج المتقدمة التى تعمق فى الطالب حب الوطن والتأدب فى حضرته والحفاظ على كرامته وسمعته داخليا وخارجيا والتضحية بالغالى والنفيس من أجل ذرة من تراب الوطن.

كما نطالب باعادة صياغة كتابة التاريخ الحقيقى لبلادنا وبالطريقة التى تقود الى الافتخار بالانتساب لتراب هذا الوطن وتراثه وتاريخه الضارب فى أعماق التاريخ.

طلبنا الأخير أن تهتم الدولة بتاريختا والمحافظة عليه وتوفير الميزانيات التى تطلبها الجهات المسؤولة عن التنقيب عن آثارنا التى دفنت تحت المدن القديمة وفى أماكن أخرى يسهل تحديدها مع بذل أقصى جهد ممكن لفك طلاسم اللغات القديمة والتى ستؤكد أننا أقدم الحضارات فى العالم ومنبعها الرئيسى الذى تشربت من نبعها كل الحضارات التالية لها.

يجب أن نفخر بأننا من شعب وأمة تعمر الأرض أين ماقطنت. ودون التربية الوطنية الصحيحة سيتفتت هذا السودان ويتشظى الى عدة دويلات، تتفرق القبائل ويتشتت الشمل. فنحن ولعلم الجميع أمة الأمجاد والماضى العريق.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 524

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة