المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
بروف/ نبيل حامد حسن بشير
الشريعة وحوار الطرشان
الشريعة وحوار الطرشان
09-15-2012 10:37 PM

الشريعة وحوار الطرشان

بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
[email protected]
قسم المبيدات والسميات
جامعة الجزيرة
19/3/ 2001

حقيقة لا أعرف ما هو الجديد في أمر (الشريعة) في السودان منذ دخول الإسلام الى هذه البلاد حتى تاريخه. هل للشريعة علاقة بالسياسة والدساتير؟

أم أن السياسيون الإسلاميون (يستغلون) هذا المصطلح الذى حول الى مصطلح الديني لإرهاب الآخرين من المسلمين وغير المسلمين بحيث لا يستطيعون الرفض المباشر (لحرمته) أو إبداء الراى أو التعليق حول أمر الشريعة خوفا من الاتهامات الجزافية كما حدث لأخينا اللواء حسب الله (الذي كادوا أن يكفروه) وأخيرا فصلوه أو أوقفوه عن العمل،و الذي قادته (ذلة لسانه كما جاء فى البيان) الى الاستجواب أمام لجنة بالمجلس الوطني وهم ، وكل السودان، يعلمون علم اليقين ماذا كان يقصد سيادة اللواء، لكن الكلام يا أخ حسب الله ( ليس المقصود به أنت كما تعرف)، بل الكلام لك يا جارة؟؟!! خلاص فهمنا يا جماعة الخير، ولكننا لن نيأس من أن تفهموا أنتم لأن أجدادنا نحن هم من أدخل الإسلام الى السودان.

هل تريدون توضيح أكثر من ذلك؟ (معليش تحملها أنت المرة دى سيادتك) حيث أنه لابد من انتهاز الفرصة واستغلالها أفضل استغلال وعدم تفويتها (لتخويف) البقية وكل من تسول له نفسه فتح موضوع الشريعة مرة أخرى أو معارضته. ألم تسمع بالمثل الذي يستخدمه الرعاة الذي يتعلق بالماشية المربوطة وتلك الجافلة!! فأنت منهم هؤلاء القوم واليهم ولن تخسر الكثير ، بل هي (خدمة عظيمة) قدمتها أنت بإرادتك أو بغيرها (وأنت رجل أمن وتعرف ذلك جيدا) لمثل هؤلاء الانتهازيين لمنع أي شخص مهما كانت مكانته من التحدث سلبا أو إيجابا في موضوع الشريعة، وسيعتذرون لك فيما بعد (داخل الغرف ويرضونك)، وسترضى عنهم إن شاء الله ، بل ستعتبر بطل من أبطال الشريعة والمؤتمر والوطني والدستور المتوقع!!! يا خبر النهار ده بفلوس بكرة من غير فلوس!!

نعود لموضوعنا. كلمة (تشريع) المشتقة منها كلمة أو مصطلح (شريعة) أى شرع الله لغويا يعنى (وضع قوانين). فالقوانين تسمى تشريعات. أكثر من 95% من القوانين (التشريعات) الحالية في العالم شرعت بواسطة المواطنين، خاصة المفكرين والسياسيين والقانونيين، وبعد الاتفاق عليها (تصاغ) بواسطة القانونيين وترفع الى الجهات المسؤولة من حكومات وبرلمانات..الخ للإجازة. هذه تسمى (تشريعات وضعية)، أي وضعها واتفق عليها (البشر)، وهى قابلة للتغير و بشروط وعبلا آليات متفق عليها أيضا (كل شئ بنظام كم يقول الأخ محمد عبدالماجد الهلالابى العنيد ، يحمدالله).

أما شرع الله (الشريعة كما اتفق على تسميتها) فهو مأخوذ مما جاء صراحة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وكما جاء في القرآن الكريم أنه لابد من أن نحكم شرع (قانون) الله فينا ولا كنا من الفاسقين ومن الكافرين..الخ من الصفات التي يستحقها من يرفض إتباع شرع الله، وهو الرحمن وهو الرحيم وهو اللطيف بعباده كما أنه أيضا القاهر فوق عباده. لكنه سبحانه وتعالى طلب من رسوله الكريم أن يدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. كما أخبره صراحة أنه لا يستطيع أن يهدى من أحب وأن الله يهدى من يشاء.

كل التشريعات التي جاءت في المصادر من قرآن وسنة ارتبطت (بالعلاقات بين البشر) بصفة عامة وبين المسلمين وغير المسلمين، وبين والمسلمين بعضهم ببعض، والعلاقات المجتمعية والعلاقات على مستوى الأسرة وكل طرف من أطراف الأسرة من آباء وأبناء وبنات وزوج وزوجته والجيران والتجارة والربا والزواج والطلاق والميراث وقول الزور والزنا وشرب

الخمر والسرقة وقطع الطريق وأكل المال العام و الفساد بأنواعه ورمى المحصنات والديون والمواثيق، ولعب الميسر..الخ من ما يعرف باسم (قوانين الأحوال الشخصية) في القوانين الوضعية.

طوال حكم المستعمر كان يطبق قوانين أحوال شخصية للمسلمين تختلف عن تلك المطبقة على غير المسلمين وكل على حسب ملته (كاثوليك، أورثودوكس، بروتستانت..الخ). أما بقية القوانين فلا علاقة لها بالدين (أو الشريعة) مثل السياسات العامة للدولة و سياسات وزارة الخارجية ووزارة المالية ووزارة الصحة..الخ على أن لا تتعارض مع مبادئنا المستمدة من شرع الله. القضاة أنفسهم كانوا ينقسمون الى قضاة شرعيين وقضاة للأحكام الأخرى التي لا علاقة لها بالتشريعات الدينية (تخصص يعنى). ينطبق ذات الشئ على المحاميين.

جاء الخلاف في النظام المصرفي في عهد المرحوم نميرى مع تنامي الفكر والاسلامى والحملات التي قامت بها بعض الأحزاب وبعض الضغوط من خارج السودان لمحاربة ما سمى (بالبنوك الربوية) وضرورة قيام بنوك إسلامية تمنع نظام الفوائد البنكية، وأتت بأسماء للمعاملات البنكية عفا عليها الزمن مثل السلم والمرابحة وإزالة الغبن..الخ. وكانت تكلفة السلفيات (المعاملات) تصل أحيانا الى 48% في حين أنها في تلك التي تسمى ربوية لا تتعدى في كل دول العالم 10-12% في العام. أدى هذا الى ظهور أنواع من الفساد المالي و(التحايل) على المسميات والقوانين البنكية والشرعية بل الدين ككل ومغالطات وهى التي (هزمت كل السياسات الاقتصادية) في السودان واحدة بعد الأخرى حتى أصبح الاقتصاد علم تجريبى ومنها الكسر والبيع الوهمي لأشياء غير موجودة في الأصل، وبيع أشياء مخزنة لدى ذات البنك وللبنك. وبيع (شيكات) مرتدة بإضعاف ثمنها مقابل تمديد فترة السداد لأسبوعين أو شهر. النتيجة كانت إعسار أكبر التجار وأكبر أبناء العائلات المعروفة بالبلاد وإعلان إفلاسهم ودخولهم للسجون والبقاء حتى السداد!! أين الشريعة من ذلك؟

من قال أن الشريعة تتسم بمثل هذا الغباء؟ عدم سداد ، والبقاء بالسجن تحت حراسة تكلف الدولة مبالغ لا طائل لها بها، ونوم وأكل وشراب الى أمد غير معروف لمصلحة من؟ هل لمصلحة شرع الله؟ بالطبع لا. هل لمصلحة المجتمع؟ أين المصلحة فى ذلك؟. قد يستطيع الأهل توفير المطلوب لإخراج مسجونهم لكن بعد حدوث دمار اقتصادي لعدد من الأسر التي قامت بجمع كل ما تملكه أو تدخره للأيام السود!! أين الشريعة من ذلك (يعنى ميتة وخراب ديار).

هل يرضى الله ذلك؟ أم يريدون إرضاء جهات أخرى غير الله؟ ومن هى تلك الجهات التى نيل رضائها أهم من نيل رضاء الله ورسوله والمؤمنين. سؤال مشروع يحتاج الى إجابة عاجلة نظرا لتضرر آلاف الأسر من هذا الأمر. كما لا بد من إيقاف ما يعرف بتعاملات الكرين و(السلفيات الوهمية) التي دمرت ما تبقى من شرفاء التجار وأسرهم ومصادرة منازلهم وممتلكاتهم لمصلحة محتالين تسيدوا السوق مما أدى الى ظهور طبقة طفيلية تملك المليارات من الأموال (السائلة) التى تريد تشغيلها، كما أصبحت تملك أغلب المنازل والعمارات والأراضي بالعاصمة والمدن الكبرى . هؤلاء القوم لا يدفعون ما عليهم من ضرائب لأنهم يعرفون من أين تؤكل الكتف، كما يعرفون أن (لكل رجل أو مسؤول ثمن) ولا يوجد مسؤول لا يمكن شراؤه. أين الشريعة من ذلك؟

شرع الله فى الأصل يطبق في (قوانين الأحوال الشخصية) ولن يرفضها أحد أن كان تطبيقنا للأصل (و هو الإسلام) سليما. هل نحن حقا مسلمون. نعم نقول لا الاه الا الله ونشهد أن محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونصلى ونصوم ، ويمكن نكون من الدافعين للزكاة ، ومنا من يحج كل عام. لكن الاسلام فى الأصل حدد أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده!! وهنا بيت القصيد. لسانه ويده (يعنى بما فى ذلك استغلال السلطة والأجهزة اياها) ولحس الكوع، ومن بيت أبوك..الخ. أما الأيمان يأخوة الاسلام فهو ما وقر فى القلب و (صدقه العمل). يعنى نضم ساكت ما بينفع مدعى الايكمان حتى وان كون له حزبا سياسيا.

في كل ركعة من ركعات صلاتنا اليومية نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم. بل نحدده (الصراط) : صراط الذين أنعمت عليهم. ونرفض الصراطين الآخرين: المغضوب عليهم والضالين.

هل هذا مجرد كلام نطلقه على عواهنه حتى في مقابلاتنا اليومية مع ربنا (الصلاة)؟ علما بأنها عماد الدين. فان صلحت صلح الدين. هل نخادع أنفسنا؟ نطلب من من خلقنا سبحانه وتعالى (صراط الذين أنعم عليهم) وبعد أن نسلم بنهاية مراسم الصلاة نخرج لنكمل ما كنا نقوم به قبل الصلاة من منكرات ومحرمات ونأكل مال هذا ونخادع ذاك ونتآمر على غيره، ونهتك عرض تلك الفتاة وأسرتها، ونهدد ذلك السياسي في حياته وماله وأسرته ومكانته الحزبية، ونزور صناديق انتخابات وشهادات بحث وشهادات دراسية ونتآمر مع قبيلة ضد أخرى، ونقتل ونسرق ونشرب الخمر (يوميا) ونبذر ونأكل مال الدولة ونهربه بالحقائب الضخمة ويوميا عبر المطارات والموانئ (وسيادة الوزير يقل أنه ليس بمفسدة!!) ونتخذ قرارات مدمرة وخاطئة ونحن نعرف ذلك، ثم نأتي للصلاة التي تليها محملين بالأوزار ونحن لا نشعر بذلك نتيجة موت ضمائرنا واسوداد قلوبنا . الصلاة التى كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال (أرحنا بها يا بلال!!). هل نرتاح بالفعل بعد كل صلاة؟ أين هذا من شرع الله؟

يستمر يومنا هكذا ونتحول من موبقة الى أخرى ، بل (نفجر) كل يوم عن اليوم الذي قبله وندافع عن تطبيق الشريعة؟ سؤالى هو: أين إسلامك ، أى أين أنت من الاسلام وهل أنت راض عن نفسك يا أخي المواطن وأخي المسؤول وأخي السياسي والحزبي وأخى التاجر حتى تطالب بتطبيق شرع الله. طبقه على نفسك أولا، و على أسرتك ثانيا، ثم فكر فى بقية المجتمع. وفر أيها المسؤول مهما كان موقعك لرعاياك سبل العيش الكريم حتى لا يلجأون الى السرقة والنهب أو تصنيع الخمور أو الدعارة لتوفير ما يسد رمقهم ورمق من يعولونهم ويحاسبك الله على تقصيرك معهم.

من هو المستفيد من مليارات الزكاة طوال العشرين عاما الماضية. أين شرع الله من ذلك؟

نحن نقول أن المجتمع الحالي من قمة هرمه حتى قاعدته (مجتمع معيب) يزخر بكل العبر والتناقضات ولا أعتقد أن الإسلام يفخر بإسلامنا هذا، وأن صلى الله عليه وسلم لن يباهى بنا الأمم حيث أن العيب فينا وليس في الإسلام ولا فى شرع الله. مجتمع يزخر بكل الموبقات التي تغضب الله خاصة (الفساد) بكل أنواعه ومسمياته وأكل أموال الدولة والاحتيال وانتشار الأمراض وعلى رأسها السل وسوء التغذية والايدز.

هل يستطيع أحدكم أن يجيبني ماذا تفعل امرأة بالشارع العام بعد الحادية عشرة مساء بكل زينتها في مكان مظلم؟ هل هي تسعى وراء إشباع رغبتها الجنسية؟ بالطبع لا. الإجابة يا من تريدون تطبيق شرع الله على الآخرين ولا تطبقونه على أنفسكم هي: (الفقر) هو السبب يا سادة ونحن نطالب بتطبيق شرع الله. لو كان الأمر بيدي لطبقته (شرع الله جلدا ورجما) على كل مسؤول عن وقوفها هذا الموقف المهين لإنسانيتها وعدم توفير الحماية والعيش الكريم لها حتى لا يحاسبنا ربنا على تقصيرنا الذي أدى الى انتشار الفواحش ما ظهر منها وما بطن. أوصانا صلى الله عليه وسلم بهن وقال (رفقا بالقوارير) فاسألوا أنفسكم ماذا فعلتم بهن.

في نهاية الأمر نقول: وفروا القوت الحياة الكريمة لكل فرد من أفراد هذا الشعب، ووفروا فرص العمل الشريف للجميع وطبقوا الإسلام الذي نعرفه وأخذناه عنه صلى الله عليه وسلم (دون لف أو دوران) على أنفسكم يا من تتمسكون بالحكم أولا وتهددون الآخرين بأن وسيلتكم هي تطبيق الشريعة، أي أن تطبيقها أصبح من أنواع (التهديد والوعيد). أرجو أن يكون السيد اللواء قد فهم الهدف من وراء هذهه المسرحية السخيفة وسيئة الاخراج.،

بعد أن تصلحوا اسلامكم وتوفرون كل شئ لهذا الشعب الجائع الضائع يمكننا ( نجبركم ) على أن تطبقوا علينا (الشريعة السمحاء) وان لم تفعلوا سنقاتلكم عليها. سؤالى الآخير هو: هل أنتم أفضل من عمر بن الخطاب عندما علق الحدود في عام الرماد.

اتقوا الله فينا يا أولى الأمر ( طبعا غصب عنا) حتى يرحمكم الله في الدنيا والآخرة، واعصموا أنفسكم من دعاء المظلوم (الشعب السوداني كله) و لك الله يا سيادة اللواء حسب الله. اللهم نسألك اللطف (أمين).


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 337

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة