المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مسؤولية انفصال جنوب السودان 3-3
مسؤولية انفصال جنوب السودان 3-3
09-16-2012 08:09 AM


مسؤولية انفصال جنوب السودان 3-3

علي عسكوري
[email protected]

أشرنا في مقالنا الاول للجهد الكبير الذي بذله الكاتب للتوثيق لقضية انفصال الجنوب والافراد والمنظمات المشاركه فيها، وقلنا إن المقالات تكتسب أهميتها ومصداقيتها لان شهودها والمشاركون فيها أحياء يرزقون. قلنا أبضا أن إنفصال الجنوب هو أهم حدث بعد الاحتلال التركي المصري، كما أشرنا الي أن السودان ليس دوله قوميه بالمعني المفهوم وقلنا إنه قطر يوجد به سكان وليس مواطنون كما أشرنا لإنعدام ردة فعل المواطنيين لإنفصال ثلث بلادهم وقلنا أن مثل هذا الحدث في أي دوله أخري كان كافيا ليس فقط لإسقاط الحكومه بل كافيا لاعادة تركيب الدوله من أساسها ، ولكن خلافا لكل المعهود لم تكن في السودان ردة فعل وهو أمر يثير الحيره ويحتاج لدراسه متعمقه. قلنا أيضا أن أحداث توريت كانت جرس إنذار مبكر للقوي الحاكمه بأن الجنوب لن يقبل البقاء في الدوله بتلك الشروط المجحفه التي عرضت عليه، ولكن مع إصرار الحكومات الشماليه في إتباع سياسة البطش والقمع عن طريق الجيش لإخضاع الجنوب بالقوه عمّقت من الجرح الوطني وغورته وزادت من المرارات الأمر الذي جعل من قضية الوحده أمرا صعب المنال.
اشرنا في المقال الثاني في لمحه تاريخيه مختصره الي عجز المجموعات المسلمه التي دخلت السودان عن التوحد وقلنا أنها أمضت أكثر من الف ومئتا عام قبل أن تشارك في حراك سياسي فعّال.
أشرنا أيضا لاتفاق الفونج والعبدلاب لوضع النهايه لحكم دولة النوبه المسيحيه. وركزنا تحديدا علي تفويض السلطات الذي تم الاتفاق عليه ومنح بموجبه العبدلاب من الصلاحيات ما يشبه الحكم الذاتي لادارة شؤونئهم والمناطق التابعه لهم. ووصفنا ذلك بالحكم الفدرالي الموسع وقلنا أن أسلافنا إنتبهوا لقضية تفويض السلطات قبل أكثر من خمسمائة عام، ووضعوا الأسس لحكم البلاد ، لكن أحفادهم تركوا إرث أجدادهم وتبنوا هياكل الشموليه التي أسسها وتركها المستعمرون خلفهم.
أوردنا تفصيل كثير عن تنظيم الأخوان المسلمين وتفرعاته وحملناه المسؤولية بصوره مباشره عن إنفصال الجنوب. كما ذكرنا أن التنظيم سمم الحياه السياسيه وصرف الناس عن قضايا البناء والتعمير بتبنيه لجدل بيزنطي عن الدستور الإسلامي وعلاقة الدين بالدوله. أشرنا أيضا لتورط التنظيم منذ بواكير أيامه في تسيس الجيش ومحاولة الوصول للسلطه عن طريقه.
نتناول في هذا المقال الأخير موقف ما أسماهم الكاتب ( بشماليو الحركه) ونحاول أن نوضح وجهة نظرنا في موقف هذه المجموعه من قضية الانفصال و الوحده. نتناول هذا الأمر في نقطتين:
1) تاثير سقوط نظام منقستو علي موقف الحركه من قضية الوحده
2) دوافع إنضمام أعضاء من خارج الجنوب للحركه الشعبيه

1)تاثير سقوط نظام منقستو علي موقف الحركه من الوحده
الحركه الشعبيه حركة تحرر وطني، وهي علي المستوي القاري جزء من البان افريكانيزمPan-Africanism أما علي المستوي القومي فهي تدعوا الي إعادة هيكلة الدوله السودانيه من جذورها وإعادة تركيبها لتصبح دولة مواطنه يتساوي فيها المواطنون بصرف النظر عن عرقياتهم أو جهوياتهم أو دينهم.
يعلم أعضاء الحركه الشعبيه أن وحدة السودان لم تكن لتتحقق دون إعادة هيكلة الدوله بكاملها، فيما عدا ذلك لن ينفصل الجنوب فحسب، بل إن أقاليم أخري ستلحقه ولو بعد حين. لقد تيبّست مفاصل دولة السودان القديم وأصبحت عاجزه حتي عن إستيعاب المسملين والعرب الذين تدعي أنهم يؤيدونها ويدعمونها. هجرة أبناء السودان – حتي اؤلئك الذين يشاركوا المجموعه الحاكمه العرق والدين – تؤكد ضمور وتيبس وموات هياكل الدوله القديمه وفشلها في إستيعاب مواطنيها.
إذن وبهذا الفهم لم يكن النضال الثوري أو السياسي من أجل وحده سياسيه مصطنعه، إنما كان من أجل إعادة هيكلة الدوله بأسرها لتتسع لمواطنيها ولتصبح دولة مواطنه حقيقيه. ولو تحقق هذا الهدف لما احتاج الناس لإجراء مثل تقرير المصير للجنوب أو خلافه. فعندما تتحقق المساواه في الحقوق والواجبات بين المواطنيين ويتحقق التقسيم العادل للثروات بين الأقاليم يكون تقرير المصير قد تحقق فعليا. ولو تحقق ذلك، لسقطت كل دعاوي الإنفصال الموضوعيه.
للأسف ما تزال بعض القوي التقليديه تعتقد أن بإمكانها ممارسة الألاعيب والحيل علي سكان الجنوب وخداعهم، يحدث هذا في عصر أصبحت فيه المعلومات متاحه للجميع علي قدر المساواه، كما أن إتفاقات نيفاشا أثبتت بما لايدع مجالا للشك أن القوي المسيطره علي الدوله ليست علي إستعداد للعيش مع مواطني الجنوب علي قدر المساواه واختارت فرض دينها وثقافتها علي الجنوب ولم تقبل قط بدولة المواطنه الكامله.
هنالك سؤال مهم يجب أن يسأله كل شخص لنفسه، خاصة المثقفين والمستنيرين ( ولا اعني كاتب المقالات هنا): ماذا قدم لكي يبقي السودان موحدا! لقد إستشهد الكثيرون من أعضاء الحركه الشعبيه من أجل تحقيق هدفهم لتغيير بنية الدوله لتستوعب كل مواطنيها كي تظل موحده، إلا إن القوي المسيطره ( المؤتمر الوطني) إختارت القبول بتقرير المصير علي تغيير هياكل الدوله ( راجع : إطلاق السلام في السودان؛ هيلدا جونسون؛ سيسكس اكاديمك برس 2011 – ترجمة اسم الكتاب من الكاتب). غير أن القوي التقليديه الأخري إختارت الصمت علي هذا النهج الذي كانت نتائجه معلومه مسبقا. ويمكن لنا أن نتسآل لماذا لم تحول هذه القوي - التي تدعي انها أحزاب كبيره وذات وزن - ليل الخرطوم الي نهار لتحرم المؤتمر الوطني من التحدث بإسمها في قضيه مصيريه تهم كافة أهل السودان؟ الغريب أن هذه القوي تتحجج بأن المؤتمر الوطني رفض مشاركتها في المفاوضات !!! من الطبيعي أن يرفض المؤتمر الوطني مشاركتها لانها في حقيقة الامر عجزت عن تهديد سلطته ربما عن عجز زاتي او تواطوء، ولكن هل تستجداء المشاركه في مثل هذه القضايا أم تفرضا فرضا..!
في حقيقة الامر إنفصل جنوب السودان في 9 يناير 2005م. ولأن المؤتمر الوطني كان علي علم تام بذلك، قام بإطلاق منبر الطيب مصطفي ورهطه للتمهيد للتك الخطوه عن طريق تسميم مشاعر عامة المواطنيين بقضايا العرق والعنصريه، والادعاء بأن الجنوب كان عبئا علي الشمال، بل إن البشير نفسه قال ذلك أكثر من مره ثم مضي ليصف أهل الجنوب بالحشرات! ومن نافلة القول وكما أثبتت الأحداث وكما أشرنا في المقال السابق لم يكن تنظيم الاخوان المسلمين وجناحهم الحاكم المؤتمر الوطني في أي يوم وحدويون ولم تكن وحدة البلاد من إهتمامهم أو أولياتهم، لذلك أصروا علي التمسك بهياكل الدوله القديمه التي لا تتيح لمواطني الجنوب المساواه، لذلك لم يكن أمام مواطني الجنوب سوي الانفصال. وكما يقول الافرنج فالمؤتمر الوطني والاخوان المسلمين كانوا يحاولون ( أكل الكيكه والاحتفاظ بها في آن واحد) وهو أمر مستحيل! لكل ذلك فإن ما أورده الدكتور سلمان عن الاحباط الذي أصابه وأصاب الكثيرين بعد حديث الرئيس سلفا في ندوة واشنطن أمر مفهوم، لكن ما يجب أن يفهمه الناس أن الرئيس سلفا لم يكن ليبيع الأماني الخلب للناس وإنما كان يتحدث عن واقع غالبه لعقود طويله ولمفاوضات شارك فيها وإقتنع من خلالها رفض القوي المسيطره لمبداء المواطنه المتساويه، وإنها تفضل الانفصال علي المساواه والوحده.
وليسمح لي الكاتب بالاختلاف معه فيما أورده عن موقف الحركه من قضية تقرير المصير بعد إجتماع توريت في عام 1991 واجتماع المكتب السياسي والقرار رقم (3) " النظام المركزي للحكم في السودان والذي يستند على دعائم العروبة والإسلام مع إتاحة الحق بإقامة نظمٍ لحكمٍ محليٍ ذاتي أو دولٍ فيدرالية في الجنوب (أو أي أقاليم أخرى) تمّت تجربته ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، لذلك تأرجح السودان بين الحرب والسلام منذ الاستقلال، وأخذت الحرب 25 من 36 عاماً من هذه الفترة. في أية مبادرةٍ للسلام مستقبلاً سيكون موقف الحركة الشعبية من نظام الحكم هو وقف الحرب باعتماد نظامٍ موحّدٍ وعلمانيٍ وديمقراطي، أو نظامٍ كونفيدرالي أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة أو تقرير المصير"
لم تكن الحركه الشعبيه في اي يوم حركه انفصاليه. بل حتي الاقتباس أعلاه يوضح أن تقرير المصير جاء آخر الخيارات. وبالطبع لم يكن صعبا علي المكتب السياسي للحركه أن يعتمد في إجتماعه ذلك ـ خاصة بعد سقوط نظام منقستو - نصا مخالفا ينص علي تقرير المصير فقط في حالة قيام مفاوضات. ولكن الفقره أعلاه طرحت عدة خيارات قبل أن تشير الي تقرير المصير. وهذا الأمر وحده كافيا كدليل علي أن الحركه – حتي في اسواء ظروفها – لم تكن ترجح الانفصال مباشرة.
نعم لقد كانت تأثيرات إنهيار نظام منقستو علي الحركه الشعبيه مجلجله. فقد فقدت الحركه معسكرات التجنيد والتدريب، كما إنشقت مجموعة الناصر، ثم تبع ذلك دخول الجيش لاول مره مدينة توريت في عام 1992 وهو الأمر الذي دفع البشير لتسمية عام 1993 بصيف العبور وعام 1994 بمسك الختام. وبالفعل صدق الأخوان المسلمين أكاذيبهم بأن عام 1994 هو اخر عام للحرب وقد قال البشير هذا الامر صراحة، لكن الأيام أثبتت أنهم لاعبروا ولا ختموا.. بل إستطاعت الحركه وفي قلب تلك التصدعات والعواصف أن تشن هجوما مشهورا علي مدينة جوبا التي ( كانت) توجد بها أكبر قياده للجيش، وهو الأمر الذي خلط تاكتيكات الحكومه، وفي نفس العام أيضا استطاعت الحركه إرسال قادتها الراحل بولاد وعبد العزيز الحلو الي دارفور لفتح جبهه جديده كما فشلت حملة الجيش في بلوغ مدينة نمولي التي ظلت تحت الحركه حتي توقيع اتفاقات نيفاشا. لكل ذلك يمكن القول أن سقوط نظام منقستو أربك دون شك خطط الحركه وقاد الي كثير من خلط الاوراق واحتاجت الحركه لفتره لإعادة ترتيب صفوفها وهو الأمر الذي مكّن الحكومه من شن حملات شعواء إعتقدت أنها كافيه للقضاء وبصوره نهائيه علي الحركه الشعبيه. لقد كشفت تلك التجربه سلوك ثابت للاخوان المسلمين إتسمت به كل سياساتهم وهو الزهو الفارغ بالنفس والاستخفاف بقدرة خصومهم علي الرد، وهذا السلوك العنجهي هو ما اوردهم واورد معهم السودان المهالك، وما يحدث في دارفور وجبال النوبه والنيل الازرق ما هو إلا انعكاس لذلك الزهو الفارغ والاستخفاف بقدرة الخصوم علي الرد.

في تلك الاحداث التي زعموا انها نهاية الحركه الشعبيه سرعان ما تمكنت الحركه من استعادة ترتيب صفوفها وكانت قيادتها قدر التحدي فأعادت ترتيب أوراقها ومواصلة النضال المسلح واستمر الكفاح حتي جاءت الحكومه مضطره لتقبل بالسلام. لكل ذلك يمكن القول أن سقوط نظام منقستو وما تبعه من ضربات قويه وجهتها الحكومه للحركه لم يكن ليمثل سببا كافيا لتغير الحركه برنامجها وتختار الانفصال لانها استطاعت أن تصمد في وجه تلك الضربات، ولم تفقد عزيمتها أو بوصلتها السياسيه.
من ناحيه أخري الثابت أيضا أن الحركه قدمت الكثير من التنازلات من أجل فتح الطريق للوحده. فقد قبلت الحركه بتطبيق الشريعه في الشمال وهو مطلب اساسي للاخوان المسلمين، وطلبت إستثناء الخرطوم كعاصمه قوميه لتعكس تنوع السودان. رفض المؤتمر الوطني الاقتراح، تنازلت الحركه وطلبت إستثناء منطقه يتفق عليها داخل الخرطوم لتعكس التنوع. حتي هذه رفضها المؤتمر الوطني. ومن نافلة القول أن الحركه لو لم تكن راغبه في الوحده ، أو كانت تضمر الانفصال لما تقدمت بمثل تلك المقترحات إبتداء. تري من يرفض الوحده متزرعا بالدين!
الغريبه أن فقهاء المؤتمر الوطني يجتهدوا ليبرروا القروض الربويه بالرغم من النص القطعي فيه، ويعجزون عن إيجاد تبرير لصالح الوحده بالرغم من عدم وجود نص قطعي..!
2) دوافع انضمام أعضاء من خارج الجنوب للحركه
نبداء فنقول ان الحركه الشعبيه ( قبل 11 يونيو 2011) لا يوجد بها شماليون وجنوبيون إبتداء. أعضاء الحركه الشعبيه كانوا ولا زالوا ينظرون الي أنفسهم كسودانيين فقط ورفاق يتساوون في الحقوق والواجبات.
مصطلح ( شماليو الحركه الشعبيه) ، أطلقه الصحفي ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة السوداني حاليا وكاتب بصحيفة الراي العام سابقا ( ضياء الدين بلال شخص مقرب جدا من جهاز الامن والمخابرات الوطني إن لم يكن عضوا فيه ولم يسمع به أحد قبل الانقاذ وظهر نجمه ولمع في هذا العهد). وكان الغرض من إطلاق المصطلح – وهو مصلح متخم بالعنصريه - تقسيم الحركه الشعبيه لجهويات لكسر تماسكها إلا أن الحركه الشعبيه صمدت في وجه هذه المحاوله المفضوحه.
إنضم الالاف من مناطق السودان المختلفه - للحركه الشعبيه في الشمال الان جيش يفوق تعداده الثمانون الف) - للحركه الشعبيه وقاتلوا في صفوفها . كما إنضم آلاف آخرون من مثقفين ومفكرين وناشطين للحركه وساهموا بدرجات مختلفه في مجهود الحركه السياسي ونشر أهدافها وبرامجها.
أحدث هؤلاء – سواء من شاركوا في النضال الثوري أو السياسي - حراكا غير مسبوق في الحياه السياسيه السودانيه وغيّروها الي الأبد. ووجدت القوي السياسيه المختلفه - خاصة المؤتمر الوطني الحاكم – نفسها مضطره الي إعادة ترتيب أولوياتها السياسيه، بل في حالة المؤتمر الوطني تغيير أهدافه والإزورار والتراجع وأجبر علي الحديث عن الديمقراطيه والتعدديه التي لا يؤمن بها.
خلافا للنظره النمطيه لبعض الناس، فأعضاء الحركه الشعبيه من أقاليم السودان المختلفه إنضموا لمواطنيهم في الجنوب لقناعتهم الراسخه بأن الدوله وعبر جيشها تحاول فرض دينها وثقافتها عليهم بقوة السلاح. دمرت حياتهم وشتت مجتمعاتهم ولم تبق ولم تذر، لقد كانت مؤازره أهل الجنوب والقتال معهم أو دعمهم سياسيا ( من منطلق المواطنه المتساويه) واجب علي كل وطني يؤمن بحقهم في الحياه وبعدالة قضيتهم. فالثابت أنهم اختاروا السلام في عام 1972، ثم عاد نفس الرجل الذي وقع معهم السلام ( المرحوم جعفر نميري) وتنكر لإتفاقه معهم ومزقه وقذف به في سلة المهملات وقال – كما يتواتر - إن الاتفاق (ليس قرآن) ( راجع : نقض العهود للاستاذ أبل ألير)، لذلك كانوا محقين في الخروج علي الدوله وكان الواجب يتقضي نصرتهم بشتي السبل الممكنه.
أيضا هنالك مفهوم خاطيء يردده البعض وربما ألمح له الكاتب في مقاله بأن أعضاء الحركه الشعبيه من المناطق خارج الجنوب شاركوا في القتال أو إنضموا للحركه الشعبيه من أجل أن يظل السودان موحدا. هذا المفهوم غير سليم وغير صحيح علي إطلاقه. وفيما أعلم فقد إنضم أعضاء الحركه الشعبيه من خارج الجنوب من أجل نصرة الجنوبيين والدفاع عن حقهم في الحياه والكرامه الانسانيه بصرف النظر عن خياراتهم المستقبليه. لقد عاني مواطنو الجنوب ولعقود طويله من عنف دوله مفرط ومتصاعد دمر حياتهم ومجتمعهم، كما عانوا من إضطهاد ديني وثقافي وسياسي واقتصادي عبر عقود طويله وكان عجز السياسيين بائنا في حل قضيتهم واستمرؤوا الحرب والقتل، لذلك كان علي أحرار السودانيين من مختلف الاقاليم الوقوف مع مواطني الجنوب لرد الظلم والعدوان عنهم. فقضية مقاومة الاضطهاد والظلم من أي جهة جاء ليست قضيه خاضعه للشروط بمعني ( نقاتل معكم أو ندعمكم سياسيا بشرط أن تضمنوا لنا الوحده والبقاء كجزء من السودان)، ولو فعل أعضاء الحركه الشعبيه هذا لكانوا قد خانوا مبادئهم. وليس مثل هذا الموقف حكرا علي السودانيين اعضاء الحركه الشعبيه. فالوقوف في وجهه الظلم مبداء كوني يتفهمه وينفعل به الأشخاص كل حسب مفهومه للعداله كمبداء ديني وإنساني مطلق. فمثلا في جنوب افريقيا العنصريه وقف الكثير من البيض وغيرهم من الاسيويين ضد حكومة البيض وناصروا الافارقه، بعضهم قاتل معهم وبعضهم دعمهم سياسيا بطرق مختلفه منهم علي سبيل المثال لا الحصر، دينس قولدبيرج، باربارا هوجن، يوسف دادو، برام فيشر، جون سلوفو، روث فيرست ومنهم بالطبع أحمد كثرادا. ولاحمد كثرادا هذا قول مشهور بعد إطلاق سراحه من جزيرة (ربون ايلاند) التي اعتقل فيها مع نلسون ماندلا
“ While we will not forget the brutality of apartheid we will not want Robben Island to be a monument of our hardship and suffering. We would want it to be a triumph of the human spirit against the forces of evil; a triumph of wisdom and largeness of spirit against small minds and pettiness; a triumph of courage and determination over human ferality and weakness”
ومن نافلة القول لن يجد اي منقب شيئا في أدبيات الاخوان المسلمين عن نضال أهلنا في الجنوب الأفريقي بالرغم من أنه من أطول النضالات وأعنفها وأقساها. فبالنسبه للاخوان المسلمين في السودان فالنضال الذي لا تشارك فيه القرود وتتجمع فيه السحب لتحجب الرؤيه ويضوح المسك من رائحة الدماء ليس نضالا، ومعرفتهم بكونية العداله وكرامة النفس البشريه وحقها في الحياه الحره منعدمه. ولو علموا أن الكرامه الانسانيه والحريه قيم كونيه لما فعلوا ما فعلوه في الجنوب ودارفور وغيرها. ولكنهم للاسف ينظرون لهذه الحقوق التي منحها الله للبشر بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم، بمنظور تنظيمهم العقيم. فحتي المسلمين الذين يشاركونهم الدين والعرق لم يوفروا لهم لا الحريه ولا الكرامه. لذلك سيصعب عليهم وربما لعقود قادمه فهم إنضمام أعضاء من خارج الجنوب للحركه الشعبيه.
إن موقف أعضاء الحركه الشعبيه من خارج الجنوب فيما أعلم، كان واضحا ويتمثل في " أن الدوله التي لا تهتم بمظالم من يجأرون من قسوتها وظلمها وعنفها لن توفر العداله حتي للذين يعتقدون أنهم في مأمن من ظلمها بحكم الدين والعرق. وهذا تحديدا ما حدث بعد إنقلاب الجبهه القوميه في عام1989 حيث سام أعضاء الجبهه القوميه الناس خسفا في جميع أقاليم السودان، ولم توفر العقيده والدين حماية لاي مجموعه وسالت دماء ( المسليمن) أنهارا في كل أقاليم السودان.
بالطبع، كان سيكون رائعا لو تحققت هيلكة الدوله بكاملها وهو الضمانه الوحيده للوحده، أما في ظل بقاء القوي المتطرفه دينيا وعرقيا في سدة الحكم فلن يجرؤ أحدا للقول لمواطني الجنوب ( اقبلوا بعض الاضطهاد من أجل الوحده). لذلك فما أورده الكاتب عن ان ( الشماليين) بالحركه لم يناقشوا قضية الوحده والانفصال قول ليس ذا مغزي هنا، فقد كان من المستحيل مطالبة الجنوبيين بمواصله القتال الي ما لا نهايه او حتي تتم إعادة هيكلة الدوله وهو الهدف الاساسي للحركه الشعبيه. وطالما رفضت القوي المتطرفه دينيا وعرقيا إعادة هيكلة الدوله بما يحقق المواطنه المتكامله، فلم يكن أمام الجنوبيين سوي إختيار حريتهم وكرامتهم الانسانيه، وهو الهدف الذي تحقق. لقد نجح الجنوبيين في تخليص أنفسهم بعد نضال مرير من ربقة الاضطهاد ومن حقهم أن ينالوا قدرا من السلام لبناء دولتهم وإعادة بناء مجتمعهم . لكن النضال لم يتوقف، والكره في ملعب القوي التي لها مصلحه حقيقيه في التغيير، وعندما تتم إعادة تركيب الدوله في الشمال لتصبح دولة مواطنه حقيقيه وتسقط دولة الاخوان المسلمين سيتم دون شك نوعا من الوحده لمصلحة الشعبين يصعب التنبؤ بكنهه الان.
أرجو أن اتقدم في نهاية هذه المقالات بالشكر للدكتور سلمان علي جرءته في تناول هذا الموضوع الهام، وهو مجهود يستحق الإشاده من الجميع، فالتوثيق لمثل هذه الأحداث التاريخيه بالغة الأهميه لن يضطلع به إلا ألوا العزم من الباحثين ولقد وفر الدكتور سلمان بمجهوده قدرا وافرا من الزمن للباحثين في هذه القضيه فقد غطت مقالاته الاحداث وأوردتها بصوره دقيقه. آمل ان أكون قد اثرت شيئا مفيدا في هذه المقالات الموجزه وإن ما يزال في النفس الكثير من حتي، لان الحقيقه في سودان اليوم دونها حجب وحجب...!


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 830

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#470401 [محتار شديد]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2012 09:08 PM
سلام علي عسكوري
حاربت الحركة الشعبية انظمة الحكم السودانية من العام ١٩٨٣
نظام مايو والفترة الانتقالية سوار الدهب والنظام الديمقراطي
واخيرا نظام الانقاذ
ربما لعوامل وظروف لا نعلمها اري مقالك الذي رجع الي
ما قبل التاريخ الميلادي يفشل بتحليل فترة ما قبل الانقاذ
فالكل يعلم ان الانقاذ او الاسلامويون سطو علي السلطة بليل
واراك تعطيهم مشروعية وهم ليس الا فصيل ليقررو في مصير بلد
وتعطي الحركة الشعبية كذلك تلك المشروعية
فعيب نيفاشا الذي لا تخطئه عين طالب علوم سياسية
هو انها اتفاق ثنائي وقع عليه طرفان دولة وحركة ضعيفتان
بمباركة وعصاة وجزرة المجتمع الدولي لوقف الحرب وسفك الدماء
واطلق عليه دكتور منصور خالد في احد كتاباته
اتفاق طرفان فشل كلاهما في حسم الحرب لصالحه
ويعلم الكثيرون ان الحركة الشعبية عضو اصيل في التجمع الوطني
وفشل التجمع في اقتلاع نظام الانقاذ تتحمل الحركة الشعبية نصيب من هذا الفشل كما الاخرين
لانه لو تمكن التجمع من اسقاط الانقاذ وصوت اهل الجنوب للانفصال
لكفانا ذلك شرور كثيرة وحبر كثير يكتب
ولذا حجة الاسلاميون لا تشتري اليوم في السوق بمليم
لو نجحت الحركة في ظل التجمع باسقاط الانقاذ
وفشل الحركة في منظومة التجمع هو دليل بين علي ضعف الحركة
وانكفائها على الاستقلال وترك مسؤلية اسقاط النظام للاخرين
فلا اعتقد ان الحركة تنصلت من دورها في اسقاط النظام بقرار اداري
بل كان ذلك لاسباب وظروف محيطة اقل ما توصف بانها معقدة جدا
وتوقيع الحركة ومشاركتها في الحكومة خاصة بعد فقدها للقائد الراحل
دكتور جون كشف ان من كانوا يقولون ان الحركة ضعيفة كانوا يجاملون

وايضا اراك اخ علي تستغرب صمت سكان السودان وهم ينظرون
لثلث بلدهم يذهب منفصلا
وانا لا ادري سبب لعجبك عندما تكون انت نفسك من يكتب السطور ادناها

خاضعه للشروط بمعني ( نقاتل معكم أو ندعمكم سياسيا بشرط أن تضمنوا لنا الوحده والبقاء كجزء من السودان)
وايضا كتبت

بالطبع، كان سيكون رائعا لو تحققت هيلكة الدوله بكاملها وهو الضمانه الوحيده للوحده، أما في ظل بقاء القوي المتطرفه دينيا وعرقيا في سدة الحكم فلن يجرؤ أحدا للقول لمواطني الجنوب ( اقبلوا بعض الاضطهاد من أجل الوحده). لذلك فما أورده الكاتب عن ان ( الشماليين) بالحركه لم يناقشوا قضية الوحده والانفصال قول ليس ذا مغزي هنا، فقد كان من المستحيل مطالبة الجنوبيين بمواصله القتال الي ما لا نهايه او حتي تتم إعادة هيكلة الدوله وهو الهدف الاساسي للحركه الشعبيه. وطالما رفضت القوي المتطرفه دينيا وعرقيا إعادة هيكلة الدوله بما يحقق المواطنه المتكامله، فلم يكن أمام الجنوبيين سوي إختيار حريتهم وكرامتهم الانسانيه، وهو الهدف الذي تحقق. لقد نجح الجنوبيين في تخليص أنفسهم بعد نضال مرير من ربقة الاضطهاد ومن حقهم أن ينالوا قدرا من السلام لبناء دولتهم وإعادة بناء مجتمعهم . لكن النضال لم يتوقف، والكره في ملعب القوي التي لها مصلحه حقيقيه في التغيير، وعندما تتم إعادة تركيب الدوله في الشمال لتصبح دولة مواطنه حقيقيه وتسقط دولة الاخوان المسلمين سيتم دون شك نوعا من الوحده لمصلحة الشعبين يصعب التنبؤ بكنهه الان


لماذا تتعجب من السكان لقطر السودان وتطالب بدراسة
فهل تعني كلمة سكان خرفان وضان لا يفهمون
فاذا كنت انت القيادي بالحركة ومن حمل السلاح من السودانيين
تري ان حق الانفصال شان متروك لاهل الجنوب ليقرروه
وانا هنا اوافقك الراي وان كنت اختلف معك فقط في جذئية صغيرة
وهي لو كان من الممكن ان يتم ذلك بين اطراف تملك شرعية تمثيل الشمال والجنوب
لان احد حججك بهذا المقال هم الاسلاميين
وموسف ان يكونوا هم احد الاطراف الموقعة علي اتفاقية السلام
لذا اخي يجب وضع الحصان امام العربة
وان وضع خلف العربة وقبل الجميع فليس ذلك الا دليل ضعفنا جميعا
فلذا يلزم كل من يتصدي للكتابة بعد الصدق ان تكون اهدافه ومقاصده واضحة وتجنب حسن التعليل علنا نتميبز عن اهل الانقاذ
وشكرا


#469857 [عبدالله يس]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2012 10:05 AM
لاتبكي علي ما قتله الانغاز


#469804 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2012 09:31 AM
شكرا استاذ عسكوري فقد ابنت الكثير من النقاط وبكل شجاعة.

ياخي الدكتور سلمان كان مصر على أن الحركة الشعبية كانت تخادع الناس

بموضوع السودان الجديد وكرر أكثر من مرة في مقالاته التسع بأن السبب الرئيس

أن الحركة أدرجت مفهوم السودان الجديد هو رغبتها في عدم إغضاب منقستو ومواصلة

دعمه لها. ولا أنت ولا طلحة لم تتطرقوا لهذه النقطة المركزية في حوار د.سلمان. وكأن

نضال الشعوب يمكن أن يختزل في سطر كهذا . وقلنا للدكتور سلمان إذا كنت ترى بأنك قد

وضعت هذا الشرط "المعجزة" فسوف ننسفه لك "بمعجزة بسيطة". إذا كان منقستو كان يصر على عدم

إدراج تقرير المصير للشعوب كلها فلماذا قبل بفتح مكتب للبلوساريو في اديس بينما هي

تطالب صراحة بالإنفصال عن المغرب؟ لماذا كان عبد العزيز رئيس البلوسياريو في زيارات

متكررة لأثيوبيا ؟ هل بهذه البساطة يقتنع الدكتور بأن "معجزته " قد إنتهت؟ لا أظن هكذا

تدار النقاشات في مثل هذه الأمور.

والنقطة الجيدة التي ذكرتها في مقالك بأن الشماليين في الحركة لم ينضموا

للحركة بشرط الوحدة. صحيح من الصعب أن يتصور البعض الآن بأن هذه الأمور كانت تحدث في

السابق ،وبكثافة، في مناطق كثيرة في العالم .. شارك في الثورة الكوبية ،امريكان وارجنتنيون

ومن كولمبيا (عين جيفارا الأرجنتيني وزيرا للإقتصاد وجارسيا الكولمبي وزيرا للثقافة ) ، بورقيبة

الليبي كان بطل إستقلال تونس ، وكاوندا لم يكن بالأصل زامبيا لكنه ايضا بطل إستقلالها، إنضم

الكثير من الإسلاميين للجهاد في أفغانستان ... الخ ما الذي يمنع الشماليين من الإنضمام الى

الجنوبيين لدرء الموت الجماعي الذي تربص بهم منذ الإستقلال فقتل الملايين دون رحمة؟


علي عسكوري
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة