المنظور الاستراتيجي للزراعة في السودان
09-16-2012 10:59 PM

المنظور الاستراتيجي للزراعة في السودان

بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
[email protected]
جامعة الجزيرة
24/3/2011

الإستراتيجية هي الخطة العامة the over-all plan التي يضعها كل منا لانجاز أمر ما أو تضعها الدولة لتنفيذ برنامج ما أو عدة برامج أو مشاريع في كل مناحي الحياة في ذات الوقت. الإستراتيجية قد تكون سنوية أو خمسيه أو عشرية..الخ. فهي توضح ماذا نريد أن نفعل ؟ وكيف سنفعله؟ مع توضيح أسباب أخذنا أو اختيارنا هذه الآلية للتنفيذ. فلكل خطة أو برنامج أهداف objectives ينشد واضع ومطبق الإستراتيجية الوصول إليها.

كمثال: ما هي إستراتيجية السودان الزراعية؟ وما هي استراتيجته الصناعية؟ وما هي استراتيجته بالنسبة لقطاع السكك الحديدية أو النقل الجوى أو النهري أو الاتصالات....الخ و ماذا (يهدف) السودان من وضعها ؟

الإجابة قد تكون كالآتي بالنسبة للقطاع الزراعي:

1) توفير الغذاء للإنسان والحيوان (الاكتفاء الذاتي).

2) توفير مواد خام للصناعات التحويلية

3) التصدير للحصول على العملات الصعبة.

4) توفير مخزون استراتيجي.

5) استغلال الموارد الطبيعية (التربة والمياه..الخ) استغلالا أمثلا.

6) تشغيل الكوادر المختلفة

7) تشجيع الإنتاج المحلى (التصنيع) والاستثمار في المدخلات الزراعية من أسمدة ومبيدات وخيش وجرارات..الخ مما يوفر فرص عمالة وعملات صعبة.

أما الصناعات فلها استراتيجياتها وأهدافها وهكذا.

قد تكون الأولويات priorities الزراعية كما جاء في الترتيب أعلاه، أو قد تتغير الأوليات طبقا للظروف والسياسات العامة للوزارة أو للدولة.

كما قد يكون (لكل هدف) من الأهداف أعلاه إستراتيجية خاصة به وقد (تتفق) مع بقية الأهداف أو قد (تختلف) اختلافا جوهريا وأحيانا قد( تتناقض) مع البعض أو مع الكل (أما هذا أو ذاك). كمثال: إنتاج الوقود الأحيائى قد يتضارب مع توفير الحبوب اللازمة لتغذية الإنسان و الحيوان أو قد يؤدى الى ارتفاع سعر المنتج بالنسبة للمواطن البسيط نتيجة المنافسة.

الإستراتيجية يجب أن تأخذ في حسبانها ما يحدث في (الواقع) من توفر الإمكانيات (مال ومدخلات) ، الكمية المنتجة المتوقعة، الأسعار المحلية، الأسعار العالمية، الشحن، التأمين، المنافسة والقدرة عليها ، الأصناف، الجودة، تكلفة الإنتاج، العمالة خاصة المدربة منها، الخبرة بالعملية الإنتاجية، توفر المعلومات والبيانات البحثية، توفر المال، البدائل، وجود سياسات وعلاقات إنتاج وتشريعات وقوانين ولوائح واضحة وشفافة..الخ.

فلنأخذ من المجال الزراعي قضية الذرة الرفيعة في السودان كمحصول زراعي هام. هل توجد استراتيجيات معروفة لإنتاجها أم هي تترك للمزارع وآليات السوق؟

حاليا حسب علمي يترك الأمر للمزارع يزرع الصنف الذي يريد حسب خبرته ورأيه وتوفر التقاوي وبالمساحة التي يستطيع أن يتحمل منصرفاتها ثم يتفاعل السوق فيما بعد بما هو منتج بالفعل (كلعبة الشطرنج).

هذا المحصول يستهلك في كل السودان الشمالي (حوالي 33 مليون فرد)، كما يشاركنا فيه كل من إثيوبيا واريتريا وتشاد وإفريقيا الوسطى (كغذاء للإنسان)، بينما يشاركنا كل من مصر والمملكة العربية السعودية و العديد من دول الخليج كمكون رئيسي لخلطه مع (الأعلاف الحيوانية).

للذرة استخدامات أخرى في (الصناعات التحويلية) مثل إنتاج النشا والجلوكوز، والأعلاف المركزة والمتبقي من عملية التصنيع يدخل في تصنيع الأعلاف المركزة أيضا، ومتبقي المحصول يستغل كعلف أخضر وعلف جاف للحيوانات المنتجة للبن وللحم.

هنالك تفكير جاد في استغلال نسبة من إنتاج الذرة في إنتاج الايثانول كوقود أحيائي صديق للبيئة.

وقد يفكر فيه البعض (كمحصول للصادر) وهنالك شركات متخصصة في ذلك ولن تتخلى عن هذه الممارسة التي أسست منذ قبل الاستقلال. غيرهم يفكر في تصديره مقابل واستيراد القمح كمثال. كل هذه سيناريوهات محتملة الحدوث ومشروعة، لكن كل منها يتطلب استراتيجيات محددة وواضحة. أما تنفيذها كلها بالضرورة يتطلب استراتيجة أوسع وأشمل وأدق يقوم بها (فريق ) مكون من عديد من التخصصات من العلماء والتجار والمنتجين ومتخذي القرار.

في حالة الذرة هذه ، هل سنرتب الأهداف كما جاء ت أعلاه، أم سنغير الأولويات طبقا (للأهمية) السياسية والإستراتيجية والاقتصادية أم (طبقا للعائد المادي) إذا قمنا ببيعها كما هي مقارنة مع بيعها مصنعة أو شبه مصنعة؟ المطلوب دراسات جدوى لكل حوار.

فلا بد من عدة سيناريوهات (حوارات) لكل احتمال من الاحتمالات. كمثال: إذا ما وضعنا هدف (توفير الغذاء لكل من الإنسان والحيوان) في السودان فقط كأولوية قصوى، فلابد من أن نوضح احتياجاتنا الفعلية من أنواع / أصناف الذرة المختلفة (فتريته، صفراء، هجين، ود أحمد، كوراكولو..الخ) لكل فرد في العام ، علما بأن إنتاجنا الحالي في حدود (ثلاثة ملايين طن = 30 مليون جوال، فقط ولم يتعدى 4 مليون طن) رغم كبر المساحات المزروعة ريا مستديما ومطريا، تقليديا وتحديثا (لا تقل عن 15 مليون فدان هذا يعنى أن نصيب كا منا جوال واحد فى العام من الذرة). أم نزرعها على حسب ذوق المستهلك (تفضيل) في بقاع السودان المختلفة وطريقة تصنيعها (طبخها) كسرة أم عصيدة أم مديدة ولا ننسى احتياجات شهر رمضان المعظم من أبرى (حلومر أو أبيض) ..الخ.

لدينا حوالي 100 مليون رأس من الحيوانات. كم منها يستهلك علائق مركزة ولأي غرض (لبن أم لحم). كم رأس منها يجهز للتسمين للصادر وكم للاستهلاك المحلى..الخ. عليه سنحدد الكميات والأصناف مع المساحة التي ستزرع بالمشاريع المروية ولماذا؟ وكم فدان سيزرع بالمشاريع المطرية ولماذا؟

لدينا و الحمدلله العديد من المحطات البحثية وتغطى أغلب مناطق السودان الجغرافية والمناخية: مدني، الرهد، القضارف، كسلا، حلفا، شمبات، شندى، الحديبة، دنقلا، أبنعامة، السوكى، الأبيض، كاد قلى إضافة إلى كليات علوم زراعية في كل ولايات السودان تقريبا. إذن ليس لدينا إشكالية في معرفة أنسب الأصناف لكل منطقة جغرافية ومناخية. عليه يمكننا توزيع محاصيلنا على خارطة السودان حسب الأفضلية كما يحدث في كل دول العالم. كما أن كل هذه المحاصيل وأصنافها تم تحديد عائدها الاقتصادي من ناحية التكلفة/ الربحية و المدخلات التي تحتاجها حتى تعطى إنتاجية للمطري مقاربة لإنتاجية المروى علما بأن (الماء هو أغلى المخلات) على مستوى العالم ونحن عادة نهتم بتضمين قيمته عند حساب تكلفة الإنتاج!!!.

أما إن كنا (سنصدر لدول الجوار) التي ستستهلكها للإنسان أو الحيوان أو الاثنان معا فلابد من وضع سيناريو آخر (ثالث) بما في ذلك (الأصناف المرغوبة) لدى كل دولة ، وأين نزرعها طبقا للخارطة أعلاه، وعلى حساب أي من المحصولات؟ وهل الأمر بالفعل يستحق ذلك أم لا (من ناحية السعر وغيره)، وما هي المدخلات المطلوبة لإنتاجيتها؟ وما هي تكلفة إنتاجها مع ضرورة متابعة السعر العالمي؟ كما يجب(سيناريو رابع) مقارنة زراعة محصول آخر من الممكن أن يحل محل الذرة المصدرة وعائده مقارنة بإنتاج هذه الذرة وعائدها خاصة في المناطق المروية.

هل من المجدي زراعة ذرة للصادر أم زراعة محصول آخر للصادر في نفس المساحة الجغرافية والزمنية. أو ننتجها للسوق المحلى تحت ظروف محدودية الموسم الزراعي بشمال السودان، خاصة المطري منه. (سيناريو خامس) قد يدرس إمكانية استغلال ذرة الصادر في إنتاج الايثانول كوقود أحيائي، وجدواه الاقتصادية مع مراعاة عنصر العمالة فيه. لابد من معرفة إنتاجية الفدان من لترات الايثانول وسعر اللتر عالميا وتكلفة إنتاج اللتر الواحد محليا.

أما إن كنا نريد تحقيق كل الأهداف أعلاه فلا بد من وضع (سيناريو سادس).

إذن فان وضع أي إستراتيجية زراعية كانت أو غيرها يتطلب وضع عدة سيناريوهات زراعية وإحيائية واقتصادية وسياسية وبيئية مع عدم إغفال بعض (التفاصيل الدقيقة) التي قد تكون هي السبب الرئيسي في (إفشالها) أو على الأقل (إضعافها) كما يحدث في العديد من الاستراتيجيات السابقة مركزيا أو ولائيا مهما صغر أو كبر حجم المشاريع وأمامنا مثالي النفرة والنهضة الزراعية!!. والحصاد المر لما حدث بالرهد هذا الموسم بواسطة إدارة كنانة لهذا المشروع العملاق.

مثل هذه السيناريوهات (لا يمكن تطبيقها كلها في نفس الوقت) في دول العالم الثالث لأسباب متعددة أهما التمويل والبنيات التحتية وتوفر الكوادر المؤهلة للتنفيذ. لذا يجب أن تنفذ على عدة (مراحل) أقلها ثلاثة مراحل بين كل منها والأخرى عدة مواسم ، لكن نفضل أن تكون ثلاث سنوات بين كل مرحلة والأخرى حتى نقيم كل مرحلة على حده وبكل حيدة مع التمحيص الشديد بواسطة كل من له علاقة بالنشاط المعنى ودراسة الايجابيات والسلبيات حتى نقوى مقدراتنا في الايجابيات و نتجنب السلبيات في المراحل الأخرى.

أما إذا أردنا إدخال محصول زراعي آخر مثل القمح ليغطى احتياجات السودان كما طلب السيد نائب رئيس الجمهورية والمسؤول عن النهضة الزراعية الذي طلب منهم وضع إستراتيجية للقمح تكفى لإنتاج 6-9 مليون طن خلال ثلاث سنوات، فيتطلب هذا على الأقل ثلاثة ملايين فدان مروية بالولايات الشمالية (على أن يتراوح الإنتاج مابين 2-3 طن / فدان!!) مع توفير الماء اللازم والأسمدة من يوريا وسوبر فوسفات وان أمكن أسمدة ورقية ومبيدات للعسلة وآليات لتحضير التربة بطريقة تناسب القمح وهى تختلف عن تلك المناسبة للذرة مع التركيز على الجزيرة والرهد وحلفا والولايات الشمالية. بالتأكيد سيتطلب هذا سيناريو (سابع) سيؤثر على كل السيناريوهات أعلاه الخاصة بالذرة وإنتاجيتها مع إعادة الحسابات، خاصة فيما يختص (بالماء وتخزينه) للعروة الشتوية.

ستتعقد الاستراتيجيات والسيناريوهات بازدياد الأهداف وإدخال المحاصيل الأخرى كالقطن والسمسم والفول المصري والفول السوداني والعدس والكبكبيه (الحمص) والخضروات للاستهلاك المحلى والصادر، ناهيك عن إدخال الحيوان في الدورة الزراعية بالمشاريع المروية وازدياد عدد (مصانع السكر) والمساحات التي ستستغلها والماء الذي قد يكفى بالكاد لقصب السكر. كما سيدخل سيناريو إحلال البنجر مكان القصب أو وجودهما مع، مع ضرورة حجز مساحات للغابات والمنتجات الغابية والأسماك والدواجن بأنواعها ومنتجاتها المختلفة..الخ. بالمناسبة هل فكرنا في أن يكون القطن بالمناطق المطرية فقط ، خاصة قصير التيلة مع إمكانية استغلال المساحات المروية لطويل التيلة والمحاصيل الأخرى ذات العائد المادي الكبير احتراما وتقديرا لأهمية مياه الأنهار والترع والقنوات وتكلفتها العالية. ذات الشئ ينطبق على الذرة الشامية ، خاصة كصادر للدول المجاورة مثل كينيا و يوغندا وتنزانيا (عجزها 4 مليون طن في العام) ودولة الجنوب الوليدة ومصر مع أهمية وجوده في علائق الحيوانات والدواجن. كما لا أرى سبب لزراعة زهرة الشمس في المناطق المروية.

من الضرورة أن لا يغيب عن بالنا (ضرورة) توفير البذور (التقاوي) المناسبة وبواسطة إدارة إكثار البذور أو شركات (محلية وعالمية) على درجة عالية من الكفاءة محليا.

أهم احتياجات أي إستراتيجية توفير المال اللازم (المكون الأجنبي والمكون المحلى) وقت الحوجة إليه، ووضع السياسات الواقعية وإلغاء (القوانين والضرائب) المعيقة للإنتاجية مع

الالتزام بالتقنيات والحزم الموصى بها مع توفير (الدعم للبحوث) سواء تلك إلى تجرى بالجامعات أو الجهات البحثية.

أخيرا لابد من توفير (المرشد الزراعي) المتمكن حتى يستطيع أن يقود العملية الإنتاجية إلى بر الأمان.

من أهم المعيقات للإنتاج الزراعي (سعر المدخلات) من مبيدات بأنواعها وأسمدة والخيش. أما بالنسبة للصادر فالمشكلة الأساسية هي عدم وضوح السياسات وتغيرها خلال نفس العام عدة مرات. أما بالنسبة لتصدير الخضر والفاكهة لابد من تأخذ الاستراتيجيات في اعتبارها عمليات (ضبط الجودة) مع عدم وجود متبقيات للمبيدات بالمنتج وتوفير العبوات المناسبة ووسائل الترحيل المبردة وتوفير الثلاجات بالمطارات (قطاع عام وقطاع خاص ونفضل الأخير فقط) مع التعاقد مع شركات الطيران أو السفن المنضبطة حتى لا تفسد المنتجات علما بأنها منتجات ذات تكلفة إنتاج عالية جدا مقارنة بتلك المخصصة للاستهلاك المحلى وبالتالي قد تؤدى الى خسائر فادحة بالنسبة للمنتج مما يؤدى الى خروجه من سوق الإنتاج.

يجب أن لا ينسى من يضعون الإستراتيجية دور (الغابات ومنتجاتها)، خاصة الصمغ وضرورة (الإحلال) للغابات التي تقطع سنويا مع الاستمرار في الحماية والحجز والتقليل بقدر الإمكان من استخدام الفحم والحطب كوقود. أما الغابات الى تزرع بالمشاريع فلا بد من النظر في (تنويعها) وعدم الاقتصار على أشجار ألبان (الكافور) فقط. لابد من إدخال أنواع أخرى ذات جودة خشب عالية. المناطق الساحلية بالبحر الأحمر أعتقد أنه من الممكن استغلالها في زراعة (نخيل الزيت) كما هو الحال في دول شرق أفريقيا.

المراعى الطبيعية من أهم المدخلات الى تميز اللحوم السودانية حيث تعتبر ماشيتنا خالية من الكيماويات وعليه لابد من تتبنى الاستراتيجة تطوير المراعى والمحافظة على تلك المتميزة منها خاصة بولايات الغرب والبطانة والنيل الأزرق.

أخيرا أهنئ أخي البروفيسر / صديق المدير المستقيل من مشروع الجزيرة (المرحوم) و لا أعرف ماذا أقول لآخى سمساعة الرجل الذي اعتاد على النجاح وهو يتولى إدارة (جنازة بحر) و لا يعرف لها صاحب. أمامك تحد كبير وفرص النجاح ضئيلة في ظروف انعدام التمويل اللازم وقانون 2005م ومشاكل أخرى متراكمة على رأسها الري!! أنصح بالاعتماد في عمله الجديد على قرارات من الرئيس ونائبه مباشرة (خاصة فيما يتعلق بالتمويل) والبعد عن المهاترات وضياع الوقت مع من هم دونهم. أرجو أن تكون قد فهمتني أخي سمساعة ونحن بالجامعة وهيئة البحوث، خاصة أصدقاؤك منهم نقول لك (نحن تحت أمرك من الآن). اللهم نسألك اللطف (أمين).


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2559

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة