المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل كرة القدم عقبة أمام التغيير؟
هل كرة القدم عقبة أمام التغيير؟
09-19-2012 03:53 PM

هل كرة القدم عقبة أمام التغيير؟

بقلم: عمر الدقير

في سرده لذكريات سنوات سجنه الطويلة، يقول نلسون مانديلا إن كرة القدم كانت هي البهجة الوحيدة التي يحظى بها المسجونون وأنها كانت من العوامل التي ساعدته ورفاقه على الصمود وتحمل قسوة السجن وأبقتهم على قيد الحياة وعلى قيد الأمل، فهي تبعث في المرء "روح المقاومة ورفض فكرة الهزيمة"، تلك الكلمات التي بقيت نشيداً على لسان مانديلا وهو يردد قصيدة "الشخص الذي لا يقبل الهزيمة" حتى بعد أن منعته سلطات السجن من لعب كرة القدم وبنت حائطاً سميكاً لتشديد عزلته في زنزانته الانفرادية عن بقية رفاقه حتى لا يشاهدهم وهم يمارسون هذه اللعبة .. وبعد انتصار شعبه على نظام الفصل العنصري، رأى مانديلا أن كرة القدم يمكن أن تساعد في بناء مجتمع مترابط وخلق شعور وطني يتجاوز الاختلاف الإثني والثقافي ويجمع أمة جنوب أفريقيا التي سماها أمة قوس قزح.

ثمة نواحٍ أخرى إيجابية لكرة القدم، التي تتفوق بشعبيتها على كل الألعاب الرياضية في معظم أنحاء العالم، ومن ذلك ما يتصل بإقامة التوازن الحاذق بين عبقرية الفرد والعمل الجماعي وبين التنافس والتعاون بحيث لا يتعارض أداء الفريق بكامله مع تنافس أفراده على النجومية، كما أنها تتيح فرصاً متكافئة للأفراد الذين يمارسونها ليحصدوا مادياً ومعنوياً وفقاً لمهارتهم فيها وعطائهم في ميادينها بغض النظر عن منابتهم الاجتماعية أو الاثنية، مثلما تتيح لدولٍ صغيرة وليست ذات نفوذ سياسي أو اقتصادي أوعسكري، مثل غانا والبارغواي، أن تلقن الدول الكبرى دروساً في المهارة والبراعة والخطط الهجومية والدفاعية وتنزل بها الهزيمة وكأنها تنتقم من تهميشها على أرض الواقع.

غير أن المفكر البريطاني تيري إيجلتون له رأيٌ آخر في هذه اللعبة الأكثر انتشاراً في العالم، إذ يعتبرها مؤامرة رأسمالية تجب محاربتها .. يرى إيجلتون أن كرة القدم هي وسيلة فعالة لتشتيت انتباه الناس عبر أوقات فرح زائف ونشوة مختلسة عن واقع الظلم والفوارق الاجتماعية والاقتصادية وكل المشاكل التي تسببها سياسات النظام الرأسمالي، كما أنها تُوهم كل فردٍ من المشجعين بأنه أصبح خبيراً في خطط هذه اللعبة واستراجياتها ويستطيع أن يمارس حق التقييم والنقد ويتعرض لأداء ألمع نجومها من اللاعبين والمدربين بالقدح أو الثناء .. لهذه الأسباب وغيرها، يدعو إيجلتون إلى إلغاء كرة القدم أو "أفيون الشعوب"، كما يصفها، ويعتقد أن دعاة التغيير السياسي لا بدّ أن يشعروا بالمرارة وهو يرونها تساهم في إبعاد الناس عن العمل من أجل من تحقيقه.

رغم أن هذا الرأي قد لا يُعجب مئات الملايين من الذين يدمنون عشق هذه اللعبة، إلّا أن هناك شواهد تجعله جديراً بالاحترام .. فكثيرٌ من الحكومات تحاول أن تجد في كرة القدم تعويضاً عن افتقارها لأي مشروع تلتف حوله الجماهير بعد سقوط مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في امتحان الواقع وتستخدمها لإلهاء الجماهير عن همومها وقضاياها الأساسية وعن المطالبة بحقوقها المهضومة، ولهذا السبب تحديداً فإن الحكومات المستبدة التي تضيق ذرعاً بأقل مساحة لحرية الرأي، تحرص على توفيرهذه المساحة بكرم حاتمي لأجهزة الإعلام الرياضي لحشد أعداد هائلة من المشجعين بولاءٍ أعمى خلف فريقهم ضد عدوٍ وهمي وتبديد طاقاتهم في جدلٍ عقيمٍ لا ينتهي وحماسةٍ هستيرية تتواصل بتواصل المنافسات التي لا تتوقف إلّا لتبدأ من جديد، محلياً وإقليمياً ودولياً، بدلاً من توجيه هذه الطاقات وهذه الحماسة نحو تغيير الواقع الموسوم بأزمات تراوح مكانها ولا تحظى إلّا بهامشٍ محسوبٍ من الحرية لمناقشتها.

لا أحد يستطيع أن يمنع الناس من أن يحتشدوا بأعدادٍ غفيرة في مدرجات الملاعب أو أن يتسمروا أمام أجهزة التلفاز لمتابعة مباريات كرة القدم .. لكن هل لدى السودانيين فائض من الوقت والرفاهية والدموع للانشغال بهذه اللعبة عن قضاياهم الأساسية وأزماتهم المستفحلة، للدرجة التي تحولت فيها متابعة المباريات وردود الفعل على نتائجها إلى بديل عن الحراك السياسي بحيث تخرج المظاهرات الهادرة فرحاً بانتصار هذا الفريق أو ذاك، مثلما تحولت الأندية الرياضية إلى بدائل رمزية عن الأحزاب؟ وهل لدى السودانيين فائض من العملة الصعبة يتم صرفه على أنصاف المواهب و"المواسير" من اللاعبين والمدربين الأجانب؟ وهل خلا القصر الجمهوري من ملفات القضايا الوطنية المستعصية حتى ينشغل بخلافٍ نشب بين لاعب ورئيس ناديه؟

كانت كرة القدم هي البهجة الوحيدة التي حظي بها نلسون مانديلا ورفاقه في سجون النظام العنصري، ويبدو أنها أصبحت البهجة الوحيدة التي يحظى بها السودانيون في سجنهم الكبير .. لكنها بهجةٌ تُحاكي رقصة الطائر الذبيح.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 926

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#473235 [ابو حنين]
2.00/5 (2 صوت)

09-20-2012 01:53 AM
الصديق العزيز المهندس عمر الدقير سلط قلمه الانيق علي موضوع في غاية الأهمية. انها مسألة *شغف متابعة كرة القدم عند الشعب السوداني و ما تتميز به من عصبية تصل لدرجة الهمجية و عذرآ للكلمة. أبدى الأخ عمر استغرابه أن يتوسط رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بين اللاعب الخلوق هيثم مصطفى و رئيس نادي الهلال الأمين البرير وكأن هموم البلاد و أزماتها قد وجدت أنجع الحلول و لم يبقى غير هذا المشكل الذى ظل يؤرق القبيلة الزرقاء طوال شهور مضت. لم يكن ذلك غريبآ عن فخامة المشير فقد رأيناه يقوم بقص الشريط لإفتتاح اول ماكينة لصرف النقد اليآ و يشرف ذلك الاحتفال و أيضاً شاهدناه في مناسبات عديدة لا تتجاوز أهميتها أن يقوم ياوره بتمثيله فيها أو فلنقل أن يقوم احد مساعديه الثلاثة بهذه المهمة و عذرأ معالي المساعدين فانا اعلم أن مرتبتكم الدستورية تاتي بعد نائب رئيس الجمهورية وانتم تمثلون الرئيس تماماً و يعزف لكم السلام الجمهوري رغم انف الرئيس محمد مرسي وتعمده الإساءة اليكم ليترك لمدير مطار القاهرة مهمة استقبالكم وليس حتي عرفا ودستورا نائبه لان ليس له مساعدين مثل رئيسنا او في أسوأ الفروض وزير خارجيته.
*نرجع للب الموضوع فعصبية تشجيع فريقي الهلال و المريخ و ليس كرة القدم الجميلة وصلت حدآ عندنا أن يقوم بعض من مشجعي فريق المريخ الغلابى بالسفر من ام درمان الي شندي مسافة تصل الي 200 كيلو متر سيرآ على الاقدام لتشجيعم فريق المريخ في مباراته ضد أهلي شندي في البطولة الأفريقية الثانية من حيث الأهمية بالنسبة للأندية. و لا أنسي تلك الايام التي كان الهلال ينافس فيها فريق الاهلي المصري في نفس المجموعة للتأهل لنصف نهائي دوري أبطال افريقيا حيث انتهت مباراة الذهاب بخسارة الهلال في القاهرة بهدفين و الاستفزاز الذي تعرض له كابتن فريق الهلال من حارس الاهلي آنذاك عصام الحضري فما كان من جماهير الهلال الا اعلان الحرب و الوعيد للاعبي الاهلي منذ وصولهم الخرطوم فكان ان وضعوا تحت الحراسة المشددة طوال فترة بقائهم في السودان و كانت تقفل كل الطرق و المنافذ المؤدية لإستاد الهلال لحظة أدائهم لتمارين قبل المبارة فمن حرض هذه الجماهير غير الاعلام المحسوب علي الحكومة لافتعال هذه الحرب. و لا ننسي كيف لعب نظام مبارك و إبنيه و زبانيتهم اروع الأدوار لشغل كل الشعب المصري لتداعيات مباراة مصر و الجزائر للتاهل لكأس العالم 2010 *و لماذا اختارت مصر السودان لإقامة المباراة اذا كنا غير مؤهلين امنيا لذلك رغم ان الحكومة لعبت الدورين دور المغفل النافع فسخرت كل الإمكانيات البشرية و الاحتياطات الأمنية و يعلمون اننا ناجحون بدرجة امتياز في حشد قوات الاحتياطي بخوذاتهم وهراواتهم والياتهم و أيضاً لعبت الدور الاخر بجعلها حدثا شغل كل الشعب فكان ان اعطيت إجازة رسمية هبة من الدولة لأحكام القبضة الأمنية من جهة و التمادي في شغل الجماهير بقضية لا ناقة لهم فيها ولاجمل و العجيب في الامر و باستغراب المصريين احتشاد الجمهور السوداني باكرا وملأه لمدرجات استاد المريخ. النظام البائد في مصر استغل خسارة المنتخب المصري فخلق قضية أوقع في فخها الشعب المصري عن بكرة ابيه ولم يسلم من ذلك حتي المثقفين و النخب و خاض الاعلام المصري حربا شعواء على السودان وحملنا خسارة مصر للمباراة رغم تشجيع معظم السودانيين لهم.
أليس من العجب ان يشتري نادي المريخ لاعبا لم نشاهده غير في دكة بدلاء الفريق الأحمر بمبلغ مليون دولار كان من الاولي إنفاقها لدعم الف اسرة و مساعدتها علي الانتاج خصوصا انه ليس هناك مردود من شراء هذا اللاعب النصف ماسورة كما أشار اليه الكاتب. أليس من العبط ان تحتشد جماهيرالناديين الكبيرة قبل زوال الشمس الي الليل لمشاهدة هرج كروي. أليس من المضحك ان تمنح الجنسية السودانية في يوم بدون ليلة لكل من أتي به الهلال او المريخ للسودان و من اجل ماذا؟ لم نكسب بطولة واحدة ولكنها سياسة شغل الشارع بصراع الدوري المحلي الذي صنع ليكون (صاعودآ) للشعب التعيس لانه لايعرف الأفيون وان عرفه لن يستطيع شراءه. بالأمس استمتع العالم المترف بمباراة ريال مدريد و مانشستر سيتي و لعلم السيد رئيس الجمهورية فان جمهورية ريال مدريد قارب دخلها السنوي العام الماضي ميزانية جمهورية السودان بعد خصم البترول منتجا او عابرا وإسبانيا رغم البطالة و رغم أزمة الاعتماد التي تشكو منها لاتعاني كما يعاني السودان فناتجها المحلي يفوق الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة بما فيها السعودية اكبر بلد منتج و مصدر للنفط في العالم وانسانها يعيش مترفا حرآ مالكا مسكنه و مأكله ومؤمنا لتعليم وصحة ابنائه. نحن مستعدون في السودان ان نستمر لسنوات في مغالطات من هو الزعيم الهلال ام المريخ من يملك قاعدة جماهيرية اكبر أمن هو اقدم تاريخيا و انتهز السانحة لاعطي لقب الزعيم للهلال ولقب العميد للمريخ للأسباب نفسها.
و أخيرا ماذا ترانا فاعلون فغدا يتجدد لقاء قطبا فشل الكرة السودانية الهلال و المريخ و سؤال برئ جدًا لماذا لم تخصخص الأندية السودانية و تعطي لمستثمرين برغم إدراكنا بان الأندية أهلية وغير مملوكة للدولة لكن تبقي سياسية الذراع الطويلة هي السائدة و الصراع علي الاخضر واليابس مستمرآ.


#473178 [almagnificoo]
1.00/5 (1 صوت)

09-19-2012 11:31 PM
لا فض فوك . هكذا يكون التحليل و هكذا توضع الامور في نصابها . و اود ان أذكرك ان مشجعي نادي المريخ مشوا علي الأقدام مسافة (160 كلم والعهدة علي الراوي) لتشجيع الفريق في مباراته مع أهلي شندي . لا اعتقد انهم مستعدين ليمشوا عشرها من اجل الوطن


عمر الدقير
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة