مشروع الجزيرة - حلقة 1
09-20-2012 10:58 AM

مشروع الجزيرة :

الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول( 1 )


سلسلة مقالات توثيقية: بقلم صلاح الباشا

[email protected]

غني عن الذكر أن الزراعة في هذا البلد هي عمود الإرتكاز الذي قامت عليه نهضة السودان الحديث بكافة مرافقه وخدماته وبنياته التحتيتة .. وقد كان ذلك واضحاً منذ دخول الإنجليز إلي السودان مع بداية القرن العشرين حين تأسست في لندن ما تسمي بشركة السودان الزراعية وهي شركة قطاع خاص بريطانية لتعمل في الإستثمار الزراعي لزراعة القطن تحديداً بالسودان بعد الفتح الإنجليزي المصري . لكن ما يدعو إلي التعجب أن الشركة لم تضع حصصأً لمشاركة الشريك الثاني في حكم السودان وهي الحكومة المصرية في عهد الملك أحمد فؤاد الأول الذي ورث عرش مصر من آخر خديوي ألباني من سلالة محمد علي .. خاصة وأن محمد علي باشا هو وأبناؤه وأحفاده من بعده يعتبرون حتي اللحظة هم واضعو لبنة بناء مصر الحديثة .

و كانت شركة السودان الزراعية المسجلة في لندن قد إكتشفت بواسطة خبرائها أن بلاد السودان تصلح جداً لزراعة وإنتاج القطن بكافة أصنافه ( طويل التيلة وقصيرها والقطن الأكالا ) .. لذلك فقد بدأوا زراعته بمشروع الزيداب - غرب النيل - في العام1901م ( ولاية نهر النيل حالياً ) وإستخدموا فلاحين وخبراء أمريكان ( زنوج) لتأسيس العمل وإدخال زراعة القطن بالزيداب حيث كانوا يستخدمون الطلمبات التي ترفع المياه من النيل لتصب في الترعة الرئيسية التي تنقل المياه إلي داخل الأراضي الزراعية ، كما أقاموا محلجاً لحلج القطن هناك .. ومن ثم يتم نقل بالات القطن بعد حلجه عن طريق مقطورات نهرية إلي محطة السكة الحديد بالضفة الشرقية للنيل ، ومن ثم بالقطار إلي ميناء التصدير ببورتسودان التعي تم إنشاءها بديلا لسواكن القديمة .

ولكن في الزيداب سرعان ما إكتشفت الشركة أن المساحات هناك لا ترضي طموحها نظراً للتمدد الصحراوي غرباً ( عشرة آلاف فدان فقط ) ، حيث أن الشركة الزراعية في بريطانيا كانت ترغب في كميات كبيرة من الأقٌطان بسبب إرتفاع خام القطن عالمياً في بداية القرن الماضي حتي لايحدث كساد في مصانع النسيج الإنجليزية بلانكشير وهو قطاع له مردوده المالي العالي للشركات والبنوك المساهمة في تأسيس تلك الصناعات ، ما حدا بشركة السودان الزراعية للتفكير في نقل التجربة لمنطقة السهول الفيضية الحالية ذات المساحات الشاسعة ، أو بما يسمي منطقة الجزيرة المروية ( ما بين النيلين) . وقد تم نقل محافظ مشروع الزيداب إلي مشروع مشروع الجزيرة وهو ( مستر ماركنتايل ) الذي خدم بالشركة الزراعية لأكثر من خسمة عشر عاماً بالسودان وقد إكتسب خبرة عالية في هذا المجال ثم عاد إلي لندن ليخلفه (مستر رايت ).

ونحن هنا حين نعود للكتابة في هذا المجال مرة أخري بعد مرور سنوات عديدة في طرقنا لهذا الشأن صحافيا وإليكترونيا حين بدأ الإهمال التنازلي من الدولة للمشرع العملاق ، ثم والتوقف التام لمشروع الجزيرة العريق ، وإمتداد المناقل الذي أسسه الفريق إبراهيم عبود إبان فترة حكمه العسكري البحت للسودان للفترة ( 1958- 1964 م ) وقد كانت فكرة إنشاء إمتداد المناقل علي غرار الجزيرة ( مليون فدان ) هي من بنات أفكار الراحل المهندس ميرغني حمزة وزير الأشغال في فترة حكم رئيس الوزرء عبدالله خليل التي سبقت حكم عبود وخلفت حكم الأزهري بعد الإستقلال . نعود هنا للكتابة في هذا الشأن تارة أخري لأننا قد لاحظنا كثرة التصريحات من الحكومة بالخرطوم عن أهمية إهتمام الدولة بالزراعة وعن ضرورة العودة العجلي لها ، أو ما أطلق عليها بالنهضة الزراعية .. وذلك لإيماننا القوي جداً وربما لإيمان معظم المسؤولين بالدولة بأن الثروة النفطية الحالية أو القادمة لن تكون بديلاً للزراعة ، خاصة وهي مهددة بالنضوب ، وليست مثل بترول السواحل الخليجية التي لا تنضب علي عجل ، فالزراعة هي الأبقي ، بل هي الداعمة للوطن ولتطوره حتي تدخل بلادنا مجال الميكنة الزراعية بالكامل والذي يجلب الإكتفاء في كل شيء .. وحتي لاتصاب بلادنا بمرض هولندا الشهير حين أهملت الدولة الزراعة عند ظهور النفط لديهم في هولندا ، فإذا بها تستورد الغذاء والكساء بأكثر من عائدات النفط ، فأصابها الفقر والحاجة ، فعادت بسرعة البرق إلي الزراعة المتطورة التي يصابحها تطبيقات الحزم التقنية وتوظيف الميكنة الزراعية في كافة مراحل الزراعة ، وبالتالي أصبح الناتج الزراعي والحيواني الآن يدخل لهولندا عائدات سنوية تصل إلي ثلاثمائة مليار دولار في السنة ، برغم أن مساحة هولندا لا تتجاوز نصف مساحة ولاية الجزيرة ... فتأمل !!!!

وهي ذات التطبيقات التي تضمنتها الخطة الخمسية في السنة الأولي لحكم الرئيس جعفر نميري ورفاقه حين طاف الخبراء الروس كل مناطق السودان لإنشاء ما يناسب كل منطقة من حركات تصنيع ، وإدخال الميكنة بالجزيرة ، ولكن الإختلاف السياسي الذي نشب سريعاً بين النظام والشيوعيين السودانيين وما تبع ذلك من حركة إنقلاب ، جعل الرئيس النميري يدير ظهره للتعاون الإقتصادي مع منظومة دول دول المعسكر الإشتراكي كلها بقيادة الإتحاد السوفييتي، ما أدي إلي خروج الفكرة وأصحابها من السودان وإلي غير رجعة ، فتوقفت الخطة الخمسية السودانية التي حددت بالأعوام ( 1970 – 1975م ) وقد كانت تتضمن ميكنة زراعة القطن بمشروع الجزيرة في كامل مراحل زراعته حتي مرحلة جني القطن وحلجه وتجديد المحالج الحالية بأخري حديثة فضلا علي إقامة مصانع للسماد ومشتقاته .

وما يحفزنا أكثر علي طرق هذا الشأن الخاص بمشروع الجزيرة بعد أن تناول أمره العاملون بالمشروع وأهل الصحافة مؤخرا وقد أفردت له ( التيار ) العديد من الإستطلاعات الميدانية الناجحة قبل عدة سنوات ، هو أننا ننتمي جغرافياً وجذوراً لكل مناطق الزراعة المروية رياً صناعياً منتظماً منذ قديم الزمان ، سواء في منطقة الزيداب حيث موطن الآباء والأجداد ، وقد شهد الزيداب ميلاد الوالد الخليفة علي الباشا ونشأته الأولي وعمله بالشركة الزراعية هناك منذ العام 1904م ، ثم إنتقاله مع إدارة الشركة الإنجليزية لزراعة القطن بالجزيرة في الربع الأول من القرن العشرين ( 1907م ) وهو في فورة الشباب الباكر مع آخرين أتوا أيضا من الزيداب التي تعتبر بمثابة القلب لديار الجعليين ، حيث نشأنا وترعرعنا في تلك البلدة الجميلة ( بركات ) ، ويعتبر الوالد عليه الرحمة ( 1890 – 1987م ) هو المؤسس الأول لمشروع الجزيرة قبل تأسيسه بالكامل حين كان العمل عبارة عن تجارب أويلة لزراعة القطن إستمرت لعدة سنوات في التجريب وفي إبتكار وسائل للري من النيل الأزرق قبل إتشاء خزان سنار الحالي الذي تأتي منه الترعةة الرئيسية ( الميجر ) التي تسقي الجزيرة المروية منذ العام 1925م ، وسوف نتطرق إلي فكرة إنشاء الخزان في حلقات قادمة ، وقد إستجلت الشركة الزراعية من الزيداب كل من الأعمام الراحلين حاج أحمد عواض وحاج بابكر احمد وقد كان والدي أصغرهم لكنه كان يكتنز بذاكرة حديدية جلعت من الإنجليز يطلقون عليه ( قاموس الجزيرة ) ، وقد أجرت الشركة الزراعية المذكورة أعلاه عدة بحوث حول جدوي إمكانية نقل تجربة زراعة القطن إلي االجزيرة ، وذلك لعدة أسباب سنذكرها في حلقاتنا القادمة بإذن الله ،،،،،،،،

نواصل


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1269

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#474559 [Ali Alsunni]
0.00/5 (0 صوت)

09-21-2012 08:17 PM
موضوع دسم و مفيد ،،،، بس يا اخي ما وريتنا مصير الفلاحين الأمريكان ، خرجوا مع الأنجليز و لا ذابوا في المجتمع المحلي ؟؟؟ و خاصة أن وزير الزراعة يفكر في استجلاب فلاحين مصريين لتحسين الحرث و النسل !!!!


#474056 [كاسنجرابى]
0.00/5 (0 صوت)

09-21-2012 03:32 AM
اخى صلاح الباشا مالك عايز تقلب علينا المواجع بعد ما نسينا والحمد لله على نعمة النسيان لو ما هى كان طرشقنا عديل كدا


#473911 [أبو أيوب]
0.00/5 (0 صوت)

09-20-2012 10:03 PM
أستاذنا وعمنا صلاح الباشا

الشكر أجزله لهذا السرد الذي سوف نتتبعه بكل الشوق , سؤآلي هل محمد سعيد سيد أحمد (سواق الخزنه)(أو الصراف) قد أتي في نفس الحقبة التي حضر فيها والدكم وأحمد عواض وبابكر أحمد رحمهم الله ؟


#473864 [سيد الحسن]
0.00/5 (0 صوت)

09-20-2012 08:24 PM
أهلا مرحبا بيك صلاح ود الباشا ونحن فى الأنتظار ... ولو سقط منك بحسن نية بعضا من المعلومات سوف تجدنا سندا لك بقدر معرفتنا المتواضعة, لنسهم فى التوثيق عرفانا لفضائل المشروع علينا فى تربيتنا وتعليمنا وصحتنا.ونسأل الله التوفيق حتى ولو على قدر ضئيل مقارنة بما تكرم علينا به المشروع.
عند قيام مشروع الجزيرة حدد الأنجليز المساحة للمشروع بمساحة محددة وافق عليها المصريون واشترطوا عدم زيادتها لتاثيرها على المستغل من حصة مصر من مياه النيل..
تمت زيادة مساحة مشروع الجزيرة بمساحة بمشروع عبد الماجد بابى قوتة فى مقابل موافقة الحكومة السودانية على قيام خزان جيل أولياء مما يضمن لمصر أستغلال حصة أضافية مما كان يصلهامن المياه. على أن توزع المساحة الأضافية على سكان المنطقة من الحسنات والعوامرة والحلاويين ورفاعة, مع تهجير الحسانية الدين سوف يغرق الخزان أراضيهم على النيل الأبيض, أضافة لمشروع الهشابة والفطيسة على التيل الأبيض وهذه المشاريع تروى بالطلبمات من النيل الأبيض. وخير الأنجليز المهجرين ومعظمهم من قبيلة الحسانية أن يختاروا حواشات فى مشاريع النيل الأبيض أو مشروع عبد الماجد.
كثيرين منهم أختاروا مشروع عبد الماجد , وتم تهجيرهم واسكانهم فى قرى مختلطين مع قبائل المنطقة الأصليين , وكان التخطيط بأن لا يمنحوا قرى منفصله بل يدمجوا مع القبائل المحلية حتى يتم الأنصهار فى بوتقة واحدة فى المدى الطويل .. والنتيجة بائنه اليوم فى منطقة أبوقوتة حيث تمت المصاهرات بين القبائل المهجرة والقبائل المحلية ويكاد الجيل الحالى ما بين 30 الى 45 سنة هو الجيل الثالث منذ بداية التهجير.
أمتداد المناقل بمساحته الأضافية الكبيرة لمشروع الجزيرة كانت مقايضة بموافقة الحكومة السودانية على السد العالى , وكان نصيب السودان زيادة رقعة المناقل الكبيرة بالأضافة لقيام مشروع حلفا الزراعى لترحيل المتضررين من السد العالى والذى سوف يغرق أراضيهم وقراهم.
تشدد مصر فى المساحات كان بحجة أن الفاقد بالتبخر فى السودان كبير جدا خاصة فى منطقة جونقلى.
بنفس قطاع الخدمات من صحة ومدارس وأندية ثقافية تم توفيرها بواسطة الأنجليز فى الأمتدادين بمشروع عبد الماجد وأمتداد المناقل , وكانت كل المرافق الخدمية جاهزة للعمل فى أول موسم سواء فى مشروع عبد الماجد أو أمتداد المناقل.
لك الود والأحترام ود الباشا


صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة