المقالات
منوعات
أيام الورق ( قصة )
أيام الورق ( قصة )
09-20-2012 01:40 PM

أيام الورق ( قصة )

خالد بابكر ابوعاقلة
[email protected]

ذهب عمي بساقيه المثقلتين لبيقطف وردة المساء , فوجدها مازالت تتفتح فتركها , كانت الشمس تشرق من جهة والمساء يحل من الجهة الاخرى وكانت النجوم تغمز بعيونها المكسحة بينما تظهر اسنان الشمس وشفتاها المتضخمة من افق ورقي ابيض . قال لوالدتي اياكم ودفني , انا اخاف الدفن , واخاف من الذين سيجيئون ليسألوا عن حياتي , وعن عدد الخطوات التي مشيتها , وعن تلك الطاقة التي ستفتح لأرى الجنة او النار , كانت الحياة ستكون رائعة لولا هذه الخزعبلات الشيطانية , فأنت كلما تقدم بك العمر كنت وجها لوجه مع القلق , افعلوا بي مثلما يفعل الهنود بموتاهم , اجمعوا حطبا واشعلوا النيران وانثروا رمادي فوق نهر النيل , ذلك النهر قرب إذاعة امدرمان . كانت الدموع تنهمر من عيني والدتي , و أنفها يسيل , ووجهها يتعرق , وشفتاها المتيبسة ترتجف , والموت يرفرف امامها كالملاءة , وكنا في ظهيرة احد الايام من سنة 1970 حينما هبط عمي في الحوش بطائرته الورقيه واصطدم ديل الطائرة بشجرة الورد الوحيدة التي تخرج وردة واحدة كل صياح وتموت في المساء . كنا ننام معلقين كالخفافيش في الغرفة وتصطدم رؤوسنا بالنوافد ونتحرك مع هواء الليل دات اليمين ودات الشمال في ارجوحة ابدية لا تنتهي الا بشروق الشمس .
كان عمي يخفي عنا شيئا نحن الصغار لانه يختفي في نسيج الدار ومتاهته الكثيرة ليغسل ملابسه الورقيه بجاز ابيض يصفيه من تنكر الطائرة ثم يكويها وحيدا وغريبا وهو يبكي بقطعة ثلج يشتريها بجبنيهين من ثلاجة الدكان الملاصق لدارنا
كانت حياتنا هادئة ورتيبة الى ان سمعنا ازيز طائرة هليكوبتر ترمي المناشير التي تحدر السكان من موجات باعوض كثيفة ستأتي من البحر الاحمر وبعدها خلعنا ملابسنا الثقيلة التي ادخرناها من الشتاء المنصرم وعلقناها على الجدران في انتظار سحب الظلام الاتية من الشرق . وفي احد الايام سمعت باعوضة تدور حول شجرة الورد كأنها تائهة ثم رأيتها من التعب الشديد تنهار في الماء وتغرق وحيدة وكنت كل يوم انحني فوقها الى ان رأيت الماء يجف واليبوسة تنتشر ورأيت الباعوضة مهترئة وبلا اجنحة فأدركت ان الايام الكثيرة مرت بي دون ان اشعر واحسست بان هناك اشياء كثيرة ستتبدد كورق في العواصف .
وبما ان الورق كان مسيطرا على حياتنا فقد كان التهديد والخوف المستمر من فقدان هده الحياة ايضا يسيطر على خيالاتنا واحاديثنا الليلية , كان عمي يحب السمر والسهر وشرب الشاي بعد كل قصة ممتعة ويتذكر ايامه الخوالي حينما كان ملاحا في البحر الاحمر يبحر الى جدة وباب المندب ويتذكر زوجته التي غرقت في حمام البيت وكيف انقذها باعجوبة حينما صرخ في وجهها وهي تلفظ انفاسها الاخيرة " الموت الموت " ففتحت عينيها وابتسمت في وجهه وقالت له " الحياة الحياة " فما كان منه من شدة فرحه الا ان علقها في الهواء واطلقها كطائرة ورقية .

في الايام التي قضاها معنا قبل ان يتحول الى رماد كان يتجول في البيت كأنه نائم ولا يعيش حياة طبيعية الا حينما يحس انه في البيت بلا شريك ولارقيب , فكان يخرج السجائر من حقيبته ويدخن وهو يغني كأنه على ظهر سفينة ثم يخرج شبكة صيد الاسماك الكبيرة وينشرها في الافق مع رجال اخرين ويصطاد النجوم والمذنبات ويقول " لنستعد لصيد القمر " ويجاوبه صوت اخر " الامريكيون يمنعون ذلك " فيقول عمي ضاحكا " الامريكيون الان نيام " وتسمع الشبكة تتعلق بالقمر وتحس بالضوء الباهر في البيت وتري انت البعيد حوريات البحر يسبحن في الضوء ويتراشقن بالقواقع وتسمع عمي يصيح " هؤلاء الحوريات من افريقيا , ما اجمل اجسادهن السوداء . " وتسمع صوتا يقول له " مرحبا بك في غانا " وصوتا اخر من جهة اخرى يقول له كأنه صوت في موبايل " مرحبا بك في ممبسا " .

في نهاية سنة 1971 اقنعته والدتي بحركات من يديها وبتقلبها المستمر في فراشها بان يفكك الطائرة ويخزنها في صندوق ولكنه قال لنا غاضبا بعد ان خلع ذيلها واجنحتها وطبقها امامنا كأنها بطانية " انا لنا ابقى هنا طويلا " وقطف وردة ووضعها في انفه الى ان تبددت وذهب رحيقها في الافق . قالت له والدتي بأنه يجب ان يتزوج فقال سأفعل ذلك يوما ما حتى ولو بلغت الف سنة من العمر وبحثت له عن زوجة ولكنه قال انها اطول منه وبحثت عن اخرى فقال انها اقصر منه ثم قال عن طالبة علوم نفس انها اذكى منه وعن امرأة في وزارة المالية انها محتالة وعن صاحبة متجر انها غشاشة تتهرب من الضرائب وعن معلمة في مدرسة انها جاهلة وقاسية , وعندما تعبا من البحث عن زوجة مناسبة قال لوالدتي وكتب لها في ورقة بردي مصرية عندما اموت احرقوا جثتي كما يفعل الهنود , وارموا بعظامي في بحيرة تانا , فضحكت والدتي وقالت له هل سنسافر الى هناك كي نرمي بعظامك ؟ قال لها نعم , هذا واجبكم , هذا اقل شيء يمكن ان تفعلوه من اجلي , ثم قال لها متأثرا ألم اعش معكم , لقد تركت البحار كلها كي ابقى معكم هنا اكراما لأخي ادريس وجئت بشباكي واحلامي وذكرياتي قالت له والدتي ممتعضة هذا كله ورق , انت تضع اهمية للورق ولا تضع اهمية للنساء لو تزوجت سيمتلىء جسدك لحما .

هذه هي السفينة التي ابحر بها من بورتسودان الى جدة , في مقدمتها علم السودان , في الصورة التي اهترأت كانت السفينة تتأرجح بين ا لامواج , وطيور النورس تحلق فوقها , والسحب الداكنة تصطدم بها وصوت يقول من اين أتت هذه الطيور ؟ وهذه هي السفينة التي ابحر بها الى اليمن والى الصومال والى ممبسا والى مواني جنوب افريقيا والى بومبي وهناك امرأة افريقية طويلة الساقين شديدة السواد نصف متعرية تتكىء على جانب السفينة , لابد ان اليوم كان حارا , ها هو يتحرك نحوها بساقين من ورق وينظر اليها بعينين من ورق ويحس بذراعيها المتعرقين وبشعر ابطيها الخشن بقلب من ورق , كانت الدماء التي تجري في عروقه من ورق ولفته عاصفتها العنيفة وحملته الى افق الصواعق والرعد , وبرق البرق , قالت له والدتي من هذه ؟ قال لها انها رئيسة الطباخين , وهذه هي صورته عندما كان يتغدي على شاطىء الصومال حين جاء اليه خبر الاطاحة بسياد بري وهذه هي صناديق الذخيرة التي ارجعوها الى السفينة حينما علموا ان سياد بري اخلى العاصمة مقديشو تحت ضغط الثوار وكانت صورته وهو يتكلم ويحرك ساعديه الورقيين كأنه مراسل قناة فضائية كان يقول انا من ورق احييكم بتحية الورق سأريكم الاوراق في الشوارع وهي تذروها الرياح وهي تصطدم بالجدران والاشجار وهي تحترق في جمرات الفول وتتحول الى رماد كرماد المحارق الهندية , من عاصمة الورق , انا ورق
شكرا لكم , المحطة كلها ورق .
هذه هي السفينة التي رست في شواطىء الهند قبل قليل من اغتيال انديرا غاندي , الصورة جديدة , والامواج هادئة , وطيور النورس فوق اعلامها وفوق اطرافها , لقد اغتيلت برصاص من ورق , وقيل ان سحبا ورقية غطت السماء , وقال احد الناس في يمين الصورة لقد كنا داخل المطبخ نقلب السمك في النار حين انطلقت الرصاصات , وكان الاخرون يضعون ساقا على ساق وهم حول المائدة الورقية , لقد انطلق ا لورق اخيرا واصاب الورق وذرفت دموع من ورق وكان اكثر الباكين في شمال الصورة رجلا يضع سيجارة مارلبورو على شفتيه وكان يقول لاحد المراسلين انا ابكي لمنظر الشيب على رأسها ولجفونها المتورمة ولأن القدر لا يسامح كبار السن , وانتظروا الى ان تحول جثمانها الى رماد ورسا الرماد في نهر الجانج وابتلع بعضه السمك وطيور الشاطىء ثم رفعوا المرساة ويمموا غربا . كانت الصور كثيرة , كان العالم كله في غرفتنا , وكانت الصور الجامدة تتكلم , وتتحرك بلغة ورقية , وتضحك وتبكي , وتأتيك من الماضي والمستقبل , وتأتيك من المسافات البعيدة والقريبة , وكانت الاقدار تتحدث باصوات مسموعة واحيانا تهمس همسا كالقواقع وتزأر كالصواعق , وكان يخرج صورا امامنا ليتحدث معها ولكن الاصوات كانت تتأخر قليلا بعد ان يتكلم , احيانا تأتيه الاصوات بعد ثوان واحيانا بعد دقائق واحيانا بعد ايام وفي مرة جاءته بعد شهور فقال هذه الاصوات كانت تتكلم قبل ان نولد , كان ماضيه مخزنا في صور وليس في اسطوانات , وكان قادرا بخياله ان يسترجع كل شيء بلحمه ودمه , وفي ليلة مقمرة طبخ لحم عجل بالتوابل والفلفل لان عمال السفن يحبون ذلك , وحرك جدران بيتنا ليصير واسعا يسع ركاب سفينة كاملة , وعلق لمبات وزينة مضيئة , ونادى من صوره الكثيرة رجالا ونساء من اعمار مختلفة فخرجوا اليه فأكلوا وشربوا وضحكوا وبكوا ورقصوا كل الليل .

في الصباح قال لوالدتي .
" انا جئت هنا كي اموت , انا اعرف انني انتهيت من الهمس في قلبي . "
قالت له .
" اذن تزوج ."
نظر اليها مؤنبا ومغتاظا .
قالت له .
" المرأة ستحييك . "
رفع حاجبيه في جبهة من ورق ونظر اليها بعينين من ورق .
" معها ستولد من جديد . العمل المتواصل دمرك . "
قال لها بصوت من ورق .
" انا دمرني الحنين " كنا نبكي لبكائها , نحن الذين ولدوا في ليالي الورق والارق قبل ان يرحل والدي , قبل ان يرحل مع الكراكي الى السماء , رحل دون ان يقول لنا وداعا , ترك زوجة وثلاثة اطفال , وبعد عدد من ا لسنوات الضوئية وصل لمجرة بيضاء حيث الملائكة يحاسبون الناس فيدخلون بعضهم جنة عرضها السموات والارض ويرسلون بعضهم مرة اخرى لجحيم الارضٍٍٍٍٍ وانتظر والدي مع الكراكي التي ارته الطريق وانتظر الف سنة من سنوات المجرات وكان الدور دائما يخطئه , كانوا يقولون له الملوك اولا او الرؤساء اولا او الجنرالات او المغنيات او الممثلات او يقولون له من انت ؟ فيقول محنقا ومغيظا انا ادريس الحداد فيقولون له الحداد ؟ من الذي جاء بك الى هنا ؟ نحن لا نحاسب امثالك , فيقول والدي ان لا اريد الحساب , ارجعوني الى اهلي , ارجعوني الى جحيم الارض , الى الرماد , فيقولون له انتظر .
كان يموت ويحيا واجيال الكراكي تحيا وتموت وتتلون بالاسود والابيض والاجداد يرجعون ويتلونون بامكانيات الوراثة فيحل القاتل محل المقتول والمرأة محل الرجل والابن محل الاب وادريس يصرخ لقد شبعت من تحولات الكراكي , من الوانها الكثيرة , متى ارجع ؟ ابيض , اسود , اسود , ابيض , اسود ابيض , ابيض اسود , اسوابيض , ابياسود , الى متى ؟ فيقولون له الى يوم يبعثون , فيقول ألم يبعثوا بعد ؟
كانت الملائكة في تلك الازمان الاينشتاينية تترحل بين البرازخ بطائرات ورقية كبيرة وبعضها بطائرات صغيرة من الكرتون تسافر بسرعة الضوء وبعض الطائرات بدون طيار تراقب الرؤساء والملوك وعلاقاتهم ببنات الملائكة وجواريهن وتراقب الجنرالات خوفا من ثورات وتمردات وتجنيد لإدريس وامثاله من الحالمين والمنادين بالرجوع والمنادين بالاحتراق والتحول الى رماد واكبر طائرة ورقية لكبير الملائكة واسمه موزرائيل ومساعده بوزرائيل فكانا يقولان لها حلقي فتحلق ويقولان لها اسرعي فتسرع او اهبطي فتهبط , وكان يقذفان احيانا صواريخ من جوانبها عندما يزداد الزحام ويفلت الامن فيهدأ الناس قليلا وماهي الا ايام قلائل حتى يعاودوا الضجة والتدافع .
أبي يكبر عمي بعامين , ولكنهما يتشابهان تماما كأنهما نسخة من بعضهما البعض , يتشابهان كأنهما صفحة فلسكاب , ترك أبي الدراسة مبكرا , ولكنه كان عاشقا للكتب , وكان يشتريها من امام الجامع الكبير , ومن تحت جدران السينما الوطنية , ومن تحت جدران مبنى البوسطة بامدرمان , وذات يوم سمع عمي يترنم بأبيات التجاني يوسف بشير من قصيدته توتي في الصباح فصاح ما اجمل هذا الورق ! من صنعه ؟ المصريون ؟ الصينيون ؟ وصار يلقنه القول , وابي يطرب لسماع صوته الذي يحاول ان يجعله رخيما , وعمي واعماقه تتفتح على مآسيه القادمة كان يطرب ايضا , وعندما ينتهي والدي من قراءة القصائد كان يتكئ على الفراش متعبا وساهما وحائرا وكان يقول نحن متشابهان , متشابهان جدا , اكثر من تؤام , كيف حدث ذلك ؟ وفي صباح احد الايام حينما حدثت انفجارات في الشمس وصل لهبها الى سقف الدار فتح والدي غرفة واسعة كانت ممتلئة بالورق والقصائد والشعراء ا لضاحكين على الاغلفة واسماء دور النشر والتواريخ ومسك والدي كتابا وقال هذا اول كتاب ينشر في العالم وهذا اخر كتاب ينشر في الدنيا وهذه الكتب هي التي سيقرأها الناس في الجنة وهذه هي كتب اهل النار وهذا كتاب يعلمك كيف تعيش ثلاثمئة سنة بصحة جيدة وهذا يعلمك كيف تصبح رجلا خفيا او غنيا وهذا يعلمك كيف تضاجع عشر نساء في وقت واحد كأنهن امرأة واحدة وهذا كتاب المعشوقات الزنجيات في التاريخ مع افتتاحية من اشعار شارل بودلير ورفع والدي عقيرته بالترنم وقال
حينما تنامين يا حبيبتي السوداء الجميلة .......
في قاع مقبرة مشيدة من الرخام الاسود ...
وحينما لا تملكين في مخدعك الترابي ...
غير نفق رطب وحفرة عميقة ..
وعندما تضغط الحجارة على صدرك الخائف
وعلى فخذيك الطريين المجهدين
ويصمت قلبك عن الخفقان والرغبات ..
وقدماك تمسكان عن الجري وراء المغامرات
فان مقبرة احلامي التي لا تنقضي ..
حيث ينعدم النوم في الليالي الطويلة
ستقول لك ماذا يفيدك ايتها الفتاة اللعوب
بأن لا تعرفي ما يبكي الموتى ...
إنه الدود .. الذي سيقضم لحمك كما تنهش الحسرات .
ربما كانت والدتي تري فيه كل الذكريات التي تختزنها من ايام شبابها حينما التقت بوالدي ولهذا السبب كانت تعتني بصوره , فاشترت البوم صور ورصتها مرقمة , وكانت تسقي له الورود عشر مرات حتى يزداد رحيقها ويزداد انتاجها من الورود , فهو يقطف كل مساء وردة , وفي كل مساء تتفتح وردة اخرى , وكانت تغسل ملابسه الورقية بالغبار حتى لا تتلاشى اذا غسلتها بالصابون , فهي قد لاحظت انه عندما يغسلها بالجاز او الماء تنكمش وتصير ضيقة مما يضطره الى احضار جرائد ليصنع منها ملابس اخرى , ومجلات مصورة ليصنع منها الجيوب والاكمام والحواف , ويحضر الكرتون ليصنع منه احذيته الغالية المبهرة تلك التي لبسها ليقابل الامبراطور هيلاسلاسي قبل مقتله بقليل " سمعت اطلاق الورق عليه , فتطايرت الرؤوس , ورأيت الورود الحمراء تتدفق فوق عتبة القصر , ورأيت الجنود يفرون والقناصة يصطادونهم كأنهم اوز , ورأيت الامبراطور يطعم النعام في حظيرته كأنه لا يسمع ازيز السحب وهي تتكاثف وتتجمع وتحاصر قصره , وحيث ينعدم النوم في الليالي الطويلة كانت والدتي تجلس في فراشه وهي تلبس ملابس من ورق شفاف لتسمع له وهو يحكي لها عن قصص موزرائيل ومساعده بوزرائيل , كانت الملابس معلقة في الحبل وهواء الليل يدخل من النوافذ , وكان يشعر انه يرتخي وانه يريد ان ينام في ليل اطول وأعمق من هذا , ووالدتي تنزلق شيئا فشيئا الى الجحيم ,وتشعر بان هناك من فتح لها بابا لترى والدي وهو بين الحشود والكراكي تتبعه , صغيرها وكبيرها , وان اللون الاسود تلاشى من اجيالها الجديدة تماما وان اعناقها صارت طويلة واجنحتها اكثر قوة , وان ابناء بوزرائيل يحاولون اصطيادها وهم على طائرة ورقية تحلق على علو منخفض , وكانت الكراكي الجميلة ترفرف فوقهم وهي سعيدة بهذا الطائر الاسطوري العملاق الذي يلفه الدخان ويغرق في بحر الريش المنهمر فوقه , وفجأة رأت والدي يولد في زمن يعيش فيه الناس في الكهوف وكانت الكهوف مظلمة وباردة وموحشة , ورأت بعينين كعيني قطة إمرأة عارية الا من رداء جلدي حول خصرها وتاج شوكي حول رأسها وعقد خرزاته من اسنان الذئاب وساعة اكترونية متوقفة منذ عشرين سنة سقطت من طبق طائر اختطف صبيا وصبية وترك في الكهف ضجيجا كضجيج الطائرات , وكانت الساعة قرب رأس والدي تعد نبضات دماغه وترسل اشارات عن احلام طفولته وتسابق عمره وتقتحم مستقبله وتسجل من نبضات الشعيرات الصغيرة كل الآتي في الغيب فيظهر اسم ارسطو ويختفي واسم افلاطون ويختفي وتظهر آلاف الاسماء وآلاف الكتب الدنيوية والسماوية وتظهر في شاشة الساعة ناطحات السحاب وشوارع نيويورك ونساء يتجولن وهن يحملن حقائب جلدية وينتعلن احذية عالية ويلبسن اردية حريرية ضيقة ثم فجأة يظهر بوزرائيل يسبح في الفضاء ومعه تسبح آلاف الاطباق الطائرة وهي تسير بسرعة تكون معها سرعة الضوء كسرعة سلحفاة عجوز وكانت وجهتهم الى الكوكب الازرق في المجموعة الشمسية , هذه آخر المعارك , فإما نهاية اكيدة او بداية جديدة , ولكن والدتي كانت تعلم في قرارة نفسها ان هذه المعارك كلها من ورق وان السيوف من ورق فلو استمرت المعركة يوما فانها ستكون في الورق شهرا ولو استمرت سنة فستكون ثلاثين سنة , فالورق نصير الشر , واخو الحروب , ومزين الدمار , وصانع الخوف , كان بوزرائيل يظن أنه سيصل الى ذلك الكوكب في غضون أيام , وكانت في يده خريطة تشبه خريطة بطليموس الا انها اكثر تعقيدا واكثر ابهاما وبها اسماء كثيرة ومجرات معلقة بخيوط مذهبة وبراكين تفور وبحار تتفجر وسموات تطوى بنجومها وشموسها واقمارها وبعض الكائنات التعيسة تصرخ وتولول وتتفجع وبعضها يتناثر في الفراغ الذي كانت تعبره الاطباق الطائرة , وفي احد الاطباق كان ادريس الحداد قابعا ويداه مقيدتان وعينان معصوبتان وكان يقول متحسرا اريد ان ارى الكون وكان احيانا يشهق ويبكي ويقول قتلتم كل الكراكي , ازهقتم ارواح الملايين , ثم اغلق الباب , وساد ظلام ورقي , وتنهدت والدتي ثم غرقت في نوم تلفه اوراق كثيرة وكانت في نومها تحادث والدي , هل وصلتم ؟ فكان يقول لها " بوزرائيل هذا مخلوق ساذج , انه لن يصل , انه يظن ان سرعته ستحسم المعركة ويظن انه سيهاجم مخلوقات خرجت لتوها من الكهوف " , فكانت تقول له نحن مازلنا نيام ومازال اخوك يلبس ملابس من ورق ويأكل خبزا ورقيا ويحلم بقصور من ورق وكان يقول لها هذا كله بؤس , بوزرائيل يريد امثاله .
ذر قرن الشمس , وكانت الأشعة تنتعل احذية صفراء , وكان النائمون يسمعون وقع خطواتها وهي تترنح في النافذة , وهي تصطدم بدواوين الشعر وبالكتب جيدة التغليف التي كان يرسلها الاتحاد السوفيتي لدول العالم الثالث , استيقظ عمي مذهولا , وجرى نحو النافذة و حدق في الأحذية الصفراء , ثم عاد وأحس ان طنين الورق يعصر فؤاده , وقال انه رأى ادريس في المنام ورأى الكراكي تقاتل اطباقا طائرة وكانت الكركي تلفظ نارا كالتنانين .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 671

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد بابكر ابوعاقلة
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة