المقالات
السياسة
العَميْــد يوْسُـف بــدرِي: رائـدٌ فـي الدِبـلـومَاسِـيّـةِ التعليـمِــيـّة ..
العَميْــد يوْسُـف بــدرِي: رائـدٌ فـي الدِبـلـومَاسِـيّـةِ التعليـمِــيـّة ..
01-01-2016 11:53 PM


1- مُفتـتـَح. .
كان جَـدّيّ الأمدرماني، أحمد الشقليني مِن الذين أثروا في أم درمان، أواخر أيام المهدية، وأوائل أيّام الحكم الثنائي. أشار إليه الراحل بابكر بدري في كتابه "حياتي" في جُزئه الأوّل صفحة 163. كان الرجل بمثابة مصرف للتسليف يدعم معظم تجار أم درمان، وبينهم إبراهيم مالك، عم الشيخ بابكر بدري. ما فتيءَ صديقنا شوقي بدري يشير إلى القِصّة، وكأنّهُ يذكّرنا بأنّ أحفاد ذلك الثريّ الأمدرمانيّ القديم، وَمنهُم السّفير جمَال والمُهندس عبد الله الشقليني، لَـم يرَ الناسُ لهُما حظاً في ذلك الثراء. .
غير أنّي لا أملك إلا قلماً متواضعاً، جئتُ أقدّم به قولاً مُستحقاً عن جيلِ آل بدري، أولئكَ الذين كان لهم السّهم المُعتبر في تأسيس التعليمِ الأهليّ في البلاد، أوّلهم الرّاحل الشيخ بابكر، وثانيهم ابنه الرّاحل العميد البروف يوسف بدري، وثالثهم الحفيد الأوّل البروف قاســم يوســـف بدري، أطال الله عمره عامراً في سدانة إرثٍ خالد. لعلّ حديثي المُنصب على كتــــاب "قدر جيل"، يُحيلني على الفور لتأكيد أنّ آل بدري هم بلا مُراء مِن المبادرين الأوّل في التعليم الأهلي للبنين والبنات، في المدارس وفي الجامعات، ثمّ هم الذين عزّزوا ثقافة الخروج من المشافهة إلى المكتوب في رصد التجارب الحياتية، التي توصف بـ"السيرة الذاتية"، فأخرج الشيخ المؤسّس كتاب "حياتي" في أجزاءٍ ثلاثة، ثم العميد يوسف في كتابه "قدر جيل"، موضوع حديثنا الليلة . .
2 - بداية الحُلم . .
استوقفتني في سيرةِ العميد الرّاحل يوسف بابكر بدري "قدر جيل"، سعيه الدؤوب لبناء مشروع حياته الذي محوره رفع قدرات بنات وأبناء وطنه. وَثَـقَ الشيخ الجليل في همّة أبناء بلده في التداعي للإسهام في مشروع تعليم البنات، من مرحلة رياضِ الأطفال إلى المرحلة الجامعية، والتي فوق الجامعية. ومضى إلى أبعد من ذلك في كسب ثقة الإرادة الإقليمية والدولية، للنظر في مصداقية مشروعاته الطموحة، فجادتْ بعونٍ مُقدّر ..
أتذكّر العمّ العميـد يوسف حينَ زار تونس بداية ثمانينات القرن الماضي وزار سفارة بلاده، والسفير فيها هو الرّاحل موسى عوض بلال، وأنا فيها السكرتير الثاني. في تونس كانت المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم، وعلى رأسها الرّاحل الدكتور مُحيّ الدين صابر، قد فتحت أبوابها تنتظر زيارة العميد. أطلّ علينا في السفارة بطلعته المميزة وشعره الأبيض المُنسدل إلى أسفل عنقه، باسماً حييّا. في حقيبته أوراق كلية الأحفاد للبنات. .
ما كان ظنّي أن يوماً سيأتي لأكتب فيه أسطراً عن ذلك العظيم، وأتناول طرفاً من ذلك النشاط الدبلوماسي الدؤوب، الذي أنجز عبره العميد يوسف بابكر بدري، مشروع إنشاءِ أوّل جامعة تخصّص للمرأة بجهدٍ أهليّ، ربّما الأوّل من نوعه في كاملِ القارة الأفريقية وفي الشرق الأوسط. إنْ كانت دبلوماسية التنمية هي في مبدأها جُهد رسمي تقوم به الحكومات الوطنية، فإنّ للمجتمع المدني الذي يتداعَى بزخم التدافع الأهلي لدعم بعضِ مشروعات التنمية، الدّور المحمود الذي يُعدّ أيضاً جهداً دبلوماسياً شعبياً مُثمراً، ومُكمّلاً للجهد الرسمي، قصدَ إشاعة الوعي وبسطِ الاستنارة. في بذلهِ الذي تواصل بعد رحيل الشيخ المؤسّس، لم تلن قناته وهو يجابه عنتاً لإخراج حلمه بإنشاء الجامعة النسوية، من طرف متشكّكين قابعين في الجهات الرسمية، التي تردّدتْ في منح الموافقة على إنشائها. الذهنية الاستعمارية وهي تمهّد لخروجها بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، عَمَـدتْ على تنشئة جيلٍ لا يرى مجالاً لدور تلعبه العناصر الوطنية الأهلية في دعم جهود التعليم، فافتعلوا عداءاً صادروا عبره روح المبادرة من كياناتٍ هي بلغةِ اليوم، كيانات وجهود يبادر بها "المجتمع المدني". لولا الإرادة الحديدية للعميد يوسف بدري لما تجاوزتْ مشروعاته ذلك التناقض الزائف الذي اصطنعوه وقتذاك بين الرسميّ والأهليّ.
حمَلَ العميدُ حُلمَ الجامعة معه بعد أن عاد من بعثته في بيروت، وعمل صيدلانياً لسنوات قليلة، نقل خلالها خبراته في تأسيس العمل الصيدلاني في البلاد، وبعدها تفرّغ لإنجاز حلمه، مُستلهماً إرث الشيخ المؤسّس. لنـا قبل ذلك، أن نقف عند سنواته الجامعية في بيروت من عام 1932 إلى عام 1937، وقفة تأمّل لازمة.
انضم الشاب يوسف بدري إلى فئة قليلة من السودانيين، كانوا قد سبقوه في الانخراط للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. مثّل هؤلاء الطلاب أوّل فوجٍ مِن السودانيين يلتحقون للدراسة في لبنان. لقد كان للبنان في تلك السنوات ميزة لم تغب عن نظر الشباب العربي الذي قدم للدراسة في ذلك البلد، وهي ميزة التنوّع العقائدي والثقافي والطائفي فيه. وأحسب أن احتكاك النخبة القليلة من السودانيين الذين التحقوا للدراسة في بلدٍ تميّز بذلك التنوّعٍ الفسيفسائي في تركيبة مجتمعه، قد منحهم كسباً إضافياً، أعمق من دروسهم التي تلقوها في مقاعد الجامعة اللبنانية.
أسهمَ خريجو تلك الجامعة، وَمنذ تلك السنوات القديمة، في إحداث أثرٍ لا تخطئهُ عينٌ في مسار التنوير العام، وتحديداً في مسيرة الحركة الوطنية التي انتظمت البلاد، حتى مشارف الاستقلال عام 1956. رجالٌ مثل عبيد عبد النور وعبد الفتاح المغربي ومحجوب الضوي وإسماعيل الأزهري ومحمد عثمان ميرغني والنصري حمزة ومكي شبيكة ونصر الحاج علي، كانوا رأس رمح تلك المرحلة. أغلب هؤلاء الطلاب المبعوثين جاءوا من مصلحة المعارف وقتذاك، أما يوسف فالتحق طالباً بجامعة بيروت على النفقة الخاصة.
ظنّي أنّ تلك الحقبة في الإقامة في لبنان والدراسة في جامعتها الأقدم في منطقة الشرق الأوسط: الجامعة الأمريكية في بيروت، هيَ التي أسهمتْ في صياغة أدوارٍ سيلعبها أولئك الرجال في أيامٍ قادمات، وفي تشكيل مسيرة بناء الوطن. لعلّ حُلم إنشاء جامعة بجهدٍ أهليّ، قد تشكّل في ذهن واحدٍ ممّن كانوا ضمن تلك الفئة النابهة خلال تلك السنوات الباكرة. وهو طالب الصيدلة: يوسف بابكر بدري. .
تلك خلفيّة مهمّة نمت فيها بذرة التوجّهِ اللاحق نحو مبادرات أهلية، أرسى دعائمها الشيخ المؤسّس، فشكلت إرثاً ما حاد عنه أبناؤه. كان العميد يوسف أكثرهم وفاءاً لذلك الإرث الباذخ.
3 – العميد ودبلوماسية التعليـم . .
لأضرب مثلاً وليس حصراً ببعض أنشطة العميد يوسف من أجل دعم مؤسسات الأحفاد الأهلية:
- بعد اتصالات أجراها العميد يوسف بدري مع قيادات في الأزهر الشريف، تمّ الحصول عام 1954 من الأزهر على معلمين لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي في مؤسسات الأحفاد التعليمية. .
- أجرى العميد اتصالات في بيروت عام 1955، وحصل على ثلاثة معلمين للتدريس بمدارس الأحفاد.. أشار العميد يوسف في مذكراته أنه قصد تعيينهم من بين الفلسطينيين قصد إبداء التعاطف مع القضية الفلسطينية (ص358).
- قدمت الأحفاد ثلاثة منح لأبناء من جنوب السودان بمدرسة الأحفاد..(ص 374)
- في عام 1961، وعلى سبيل توطيد الصلات الشخصية مع بعض كبار العلماء البريطانيين، زار عالم التاريخ "توماس هودجكن" وعالمة الكيمياء زوجته السيدة "دوروثي كروفوت" من جامعة أوكسفورد وابنتهم "اليزابيث" ،وأقاموا ضيوفاً وسط حفاوة عائلة بدري .
- عام 1966 حصلتْ كلية الأحفاد على دعم مقدّر من دولة الكويت، بعد تقديم شرح من طرف العميد يوسف بدري يبيّن.. (أن المرأة العربية أهملتْ في الثقافة والفلسفة الاسلامية، وذلك بقصد خلق وعي نسوي للتنمية الاجتماعية ورفع مستوى الريف السوداني.) . (ص 397)
- لقاء العميد يوسف مع مسئول المعونة الأمريكية لمساعدة كلية الأحفاد وصدور توصية إيجابية. (ص398)
- أجرى العميد مباحثات مع مسئولي المجلس البريطاني بالخرطوم عام 1975، كما أجرى مباحثات مع جامعة لندن لضمان فرص لدراسات عليا لخريجات الأحفاد.
- أجرى اتصالات خلال عام 1976 مع عدد من البعثات الأجنبية بينها سفارة هولندا قصد تقديم دعم ومنح دراسية لكلية الأحفاد للبنات. (ص 418)
- تعاونت الأحفاد وتلقت دعما من المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الالكسو). .
- في عام 1976قررت الأحفاد تقديم منح لبعض الدول الأفريقية والعربية الشقيقة مثل سلطنة عمان والصومال واليمن الشمالي والجنوبي..
- تم في عام 1984 وتقديرا لإنجازات كلية الاحفاد تقرر قبولها عضوا باتحاد الجامعات الأفريقية..(ص442)
- شارك العميد يوسف في مؤتمر مديري الجامعات الافريقية في هراري وذلك في فبراير من عام 1987. (ص446 )
- شهد عام 1987 اتصالات مع الاتحاد الاوروبي وكندا وفرنسا واليونسكو لتقديم الدعم لكلية الأحفاد للبنات. (ص 450-452)
- حينَ تمّ النظر والبت عام 1992 في ترفيع الكلية الى جامعة، فقد اكتسى الحلم واقعاً وكيانا ونجاحات. . وحققت تلك الكلية طفرات في التآخي والتوأمة مع جامعات عربية وأجنبية، ورسخت مصداقيتها فصارت مثلاً قابلاً للإحتذاء..
4 - العميد: ذهبية الخلود. .
ذلكم هوَ العميد يوسف بدري: شعلة من علاقات عامّة ودبلوماسيّة فاعلة، يحق لنا أن نفخر بذهبية جامعة أنشأها ببذله وبذل ابنه البروف قاسم وكريمته الدكتورة بلقيس، وبذل كبار الأكاديميين الذين شاركوا في بناء هذا الصرح الخــالد. .
إنّ الذي أوردته هنا هو محض أمثلة لنشاط دبلوماسيّ، شعبي، بداياته الجنينية في الحقبة الكولونيالية، ثمّ تواصل عبر مختلف فترات الحكم الوطني، وقام بجلّه ِالعميد يوسف بابكر بدري، وجرّ بعضه شكوكاً ظالمة حول طلبات لدعم مؤسسات الأحفاد، إذ حسبَ بعضُ المسئولين الحكوميين أنه سيكون على حساب الدعم الأجنبيّ المخصّص رسمياً لمؤسسات الحكومة التعليمية. تردّدتْ بعضُ الجهات الأجنبية في تقديم مساعدتها، وإنْ كان تقديرها كبيرا لخدمات الجامعة، ورافق ذلك التردد بتشكيك من طرف جهات رسمية وأمنية حول استقلالية جامعة الأحفاد، واتصل ذلك بتوترات خرجت فيها الجامعة ظافرة.
كتاب "قدر جيل" سيرة وثقتْ لمسيرة جامعة قامت بجهود صادقة قدمها أهل البلد، كما ساهمت أطراف إقليمية وأجنبية في تقديم الدعم لها. إن من الوفاء أن نشير إلى أن العميد يوسف بابكر بدري، قد أدار بنفسه نشاطاً دبلوماسياً أهلياً من أجل مؤسسة تعليمية سامقة، لم تنتظر من الجهات الرسمية أكثر ممّا هو مطلوب.
لفت نظري في الكتاب إشارات عن رغبة البعض وقبيل رحيل العميد يوسف، في طرح مبادرة لبدء حملة لترشيحه لنيل جائزة نوبل. لم تمتد حياته لينال شرف الترشيح والتكريم، لكنه بقيَ شخصاً سامي المقام، أوقف عمره لهدف نبيل، يحمل اسمه خالداً في ذاكرة أجيال جنت ثمار بذله.
رحَلَ العميد في عام 1995، ولكن بقيَ إرثه خالداً، يُحدّث عنهُ. . وما كتاب” قدر جيل"، إلا شهادة ذهبيّة لجامعته في عيدها الذهبي. .
أم درمان -ديسمبر 2015
[email protected]
* جمال محمد إبراهيم سفير متقاعد، روائي وشاعر، وكاتب رأي في الصحف السودانية والعربية ، نشر عدداً من الدراسات والمقالات، وصدرت له في 2008 دراسة عن نشأة وزارة الخارجية السودانية، إلى جانب عدد من الأعمال الروائية والشعرية والأعمال المترجمة التي صدرت في السودان وفي الخارج. .




تعليقات 2 | إهداء 2 | زيارات 3235

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1395054 [sidiqali]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2016 02:04 PM
شكرا جزيلا استاذ جمال على هذه الاضاءات الرائعة في حق استاذالاجيال البروف يوسف بدري ، كل السودان مدين للبروف يوسف بإنشاء هذا الصرح الفخيم المسمى جامعة الاحفاد للبنات و يا لها من جامعة و ما يسعدنا حقا هو ان البروف قاسم و الدكتورة بلقيس و الدكتورة آمنة بدري ما يزالون يسيرون على خطا المؤسس و يحرصون على الجامعة كحرصهم على ابنائهم. آل بدري يستاهلون اكثر مما ذكرتم و مانذكر و لكننا لا نملك إلا ان نشيد بمبادرتك للكتابة عن استاذنا يوسف بدري عليه رحمة الله.

[sidiqali]

#1394886 [سيف الدين خواجه]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2016 09:15 AM
رحم الله العميد يوسف بدري لو كان في غير السودان لنال اكثر مما نال لكنه السودان الذي يظلم بنيه لفقدان الوعي القومي بقيمتهم ودولة لا تهتم بمبدعيها دولة ليس لها حياة واذكر وفاته مثل هذا اليوم واظنها حدثت وهو بتونس لو تخني الذاكرة ويستحق من الدولة تكريمه من هذه الاوسمه التي توزع بقيمة الفساد لا بالعطاء ولماذا لا نرشحهه لنوبل او اي جائزة عربية ولكننا في دولة لا تفهم معني الدولة من بطان تولوا اامرها شكرا سعادة السفير

[سيف الدين خواجه]

جمّـــال مُحمّـــد إبراهيْـــم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة