المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
" ياهو دا السودان: موت بالكوم "
" ياهو دا السودان: موت بالكوم "
09-22-2012 08:31 PM

"ياهو دا السودان: موت بالكوم"

سيف اليزل سعد عمر / استوكهولم ـ السويد
[email protected]

لكم تألمت وتوجعت لوفاة الشاب الذى زُهقت روحَهُ فى زحمةِ الحصولِِِ على تأشيرة دخولٍ إلى ليبيا. أللهم أغفر لهُ وارحمهُ وألهِم أهلَهُ الصبرَ والسُلوان. وهو شهيدًٌّ آخر يضافُ لسلسلةِ كل الشهداء الذين سالت دِماؤُهم فى السفاراتِ والمطارتِ والمعتقلاتِ والسُفُن فى دولةٍ صارت فيه قيمة الإنسان لاتُساوى "ضُبانة". وهذا الحادِث لأكبر دليلٌ على معاناةِ الشاب السودانى بسبب تفشى العطالةِ وإنعدام مِساحة الحرية للشباب للإبداعِ والتطور. فهى حالة مشابهة "للبوعزيزية" التى اشعلت نار التغيير فى العالم العربى. ولقد حاولتُ الرجوعَ بالزمن للعام 1991 عندما طرقتُ باب القنصلية السويدية للحصول على تأشيرة "مُخارجة" فى محاولة لتفهُم أوضاع المئاتِ الذين تدافعوا للسفارة الليبية بعد ما "ليبيا فتحتْ". فى ذات الوقت أستحضرتُ شريطاً من الحوادثِ التى تعرض لها الشباب وهم فى طريق رحلتِهم البرية إلى ليبيا عبر الصحراء الكُبرى أو مغامرتِهم البحرية بعد الخروج من ليبيا صوب الشؤاطى الإيطالية. عندها كنت أعملُ مترجماً فى السفارةِ الليبية بإستوكهولم. ولايمرُ أُسبوعاً دون أن يأتى أحدُ الأشخاص للسؤال عن قريبه الذى انقطعت أخباره وهو فى طريقه من أو إلى ليبيا.
لقد أتاحت لنا الغربة متابعة معاناة ومشاكل السودان من منظورٍ لا يراه أهلُنا فى الداخل. ولقد أكسبنا التِرحالُ المتواصل فى بلاد الله فرصة لمقارنة بلدى السودان ببلدانٍ كثيرة خاصة فى الجِوار الأفريقى. حصيلة هذه التجربة أننا بعيدنا كل البُعد عن المدنية والتحضر وأننا بأيدنا دمرنا وحطمنا بلدا كان أسمُه السودان، وأننا شعب مخدوع يتباهى بسودانية كاذبة فارغة وأن الوطنية التى تدعيها أحزابنا وقادتنا وساستنا ماهى إلى صورة مقلوبة للخيانة والتدجيل. فلقد دمرنا مواردَ السودان الأقتصادية وبنيته التحتية التى وضعها لنا "الإستعمار". نعتز بأننا شعبا ذو حضارة وتأريخ ولكننا أخفقنا فى بناء السودان فوق ساس تللك الحضارة وذلك التأريخ. فأصبح السودانُ دولة ممسوخة مشوهة. دولة طاردة لأبنائها تدُوسهم الأقدام والسيارات أمام السفارات. وأصبح السودان "البنحلم بيهو يوماتى" بلداً متخلفاً بكل المقاييس المتعارف عليها عالمياً. فلقد تصدرنا قائمة الدول الفاسدة فى العالم وقائمة الدول الفاشلة وقائمة الدول تحت النزاعات وقائمة الدول الفقيرة. ودمرنا مؤسسات البلد التعليمية والبحثية حتى صارت جامعاتنا لاتساوى مدرسة ثانوية من مدارس بعض بلدان الجوار الإفريقى. وإن كان الموت "الواحد ده" مقياسا للتطور فمعدلات الموت فى السودان قد وضعت السودان فى قائمة الدول التى "يموت فيها الناس بالكوم" وبالتالى الأكثر تخلُفا. فقد حصدت حوادث الطائرات ارواح الناس وقادة الإنقاذ، حتى حاول البعض مقارنتها بالحوادث المرورية والتى حصدت أيضاً أرواح قادة الإنقاذ وأرواح أهلنا المغلوب على أمرهم.
لقد وصل الحال فى السودان مرحلة متأخرة ومتأزمةً جداً. مرحلة تعدت مرحلة الامبالاة، عدم المسؤلية ، وعدم الإكتراث للمصائب والكوراث التى إبتلى بها السودان تحت عهد الإنقاذ. وأصبحت كل مشكلة أهون من مشكلة أخرى وكل مصيبة أهون من مصيبة أخرى. لقد إنطبق علينا المثل القائل: الضرب على الميت حرام. والسودانى أصبح لايطيق سماع تجارب الآخرين عندما يقارن السودان بدول العالم ولا يقبل النقد لتجربته التى لا يراها فاشلة. لذلك فموت هذا الشاب، للأسف ، لا يعنى شيئاً لدى قادة الإنقاذ أو أي مسؤل آخر، مثلما لا يعنى أيضا موت الآلاف من الشباب الذين سالت دماؤهم فى دارفور وفى كردفان والنيل الأزرق والجنوب.
قضية التدافع والزحام صارت لها حلول بسيطة طبقتها العديد من الدول وأصبحت مقياساً للتحضر والمدنية فى عالم تقُصر فيه المسافات بسسب التطور التكنولوجى والتقنى المتسارع. وهى جزء مهم لتقوية إجراءت السلامة فى المعاملات المرورية والجوية والصحية والمالية وقطاعات خدمية أخرى. وهى تكنولوجيا رخيصة يمكن شراؤها أو تصنعيها محلياً. لكن فشل السودان والسودانيين فى تعميم إستخدامها وتسخيرها لترويض وتنظيم المواطنيين الذين لم يتعودوا على إحترام الصف وكل من أتى من قبلهم فى أى قطاع خدمى. فى كثير من الاحيان يكون هذا الزحام والتدافع مفتعلاً فهو يحدث تحت سمع وبصر السلطات المسؤلة، إن كانت هناك مسؤلية من أساسه. والأمثلة كثيرة ولا تحصى نذكر منها مكاتب الإحصاء، الجوازات والهجرة، المطارت، مراكز بيع المواد التموينية، المواصلات العامة، السفارات، مكاتب التوثيق بوزارة الخارجية إلخ. ونذكر هنا للأمانة أن بعض البنوك قد أدخلت نظام الصف الاليكترونى. لكن الكل يعلم "المرمطة" والزحمة التى يعانيها الضيوف و أبناء السودان العائدون عبر بوابة مطار الخرطوم عند نقطة الجمارك التى تعيث فساداً فى ممتلكاتهم الشخصية فى ظل الزحمة المفتعلة.
كنت قد سافرت الى إنجمينا وجوبا العام الماضى فى رحلة عمل ولم يكن هناك خيار آخر أمامى سوى السفر بالخطوط "السودانية". حرصت على الحضور مبكرا حتى لا يتم بيع مقعدى لشخص آخر وكنت امام شباك إجراءت السفر قبل ثلاث ساعات من مواعيد إقلاع الطائرة إلى مدينة كانو عن طريق إنجمينا. بمجرد فتح الشباك لتكملة إجراءات السفر تدافع المسافرون بمساعدة الموظفين والحمالين فى المطار. وتكدست أكوام الحقائب والشولات والعفش وإمتزج صراخ المسافرين ببكاء الأطفال وتصبب عرق موظفى سودانير وهم يجمعون الجنيهات دون إيصال إستلام مالى كثمن للوزن الزائد. ظللت واقفا أتابع هذا الوضع حتى لم يتبقى على إقلاع الطائرة سوى 25 دقيقة دون أن يأتى دورى لعمل إجراءات الحجز. لم ينقذنى من هذا الموقف سوى أحد المسافرين والذى فطن إلا أننى ليس لدى حقيبة سوى حقيبة صغيرة بها جهاز الكمبوتروبعض الملابس وأراد أن يستفيد من الوزن لشحن حقائبه. سألنى إن كنت لوحدى وعرض مساعدته لى بالمدافرة للحصول على بطاقة ركوب الطائرة. عندها عرفت حقيقة المثل السودانى "إنت قايلنى أنا جاااى من كانو؟". أما سفرية جوبا فقد بدأ التدافع والمدافرة والزحام من خارج صالة المغادرة وحتى الخروج من صالة الوصول فى مطار جوبا. وهو نفس الوضع فى مطار بورسودان وكادوقلى والفاشر والابيض. وأى محاولة للنقد تسمع الإجابة الجاهزة المغلفة والمعلبة: " ياهودا السودان". اما الذين سافروا عن طريق مطار بولى فى اديس أبابا وجومو كنياتا فى نيروبى وعنتبى يعلمون مدى التخلف الذى نعيشه فى مطار الخرطوم.
نحن شعب تربى على التدافع والتذاحم والمدافرة وهى قد تكون ثقافة او عادة متأصلة فى أهلنا السودانيين. فنحن نفتقد ثقافة النظام والترتيب فى حياتنا اليومية وانعكس ذلك على تصرفاتنا فى التعامل مع العامة. فذكريات الطفولة والواقع الحالى يحوى العديد من تجاربنا مع المدافرة حتى تحصل على مانريد دون وجه حق بعدم احترامنا لحق الآخرين.فالعديد منا لديهم تجارب مع "صف الرغيف" و"فطور الصباح" فى المدرسة أو العمل و"زحمة المواصلات" و "شباك السينما" و "صف البنزين"و "سفر الحُجاج". انظر الى واقع الحركة المرورية فى السودان وعدم مقدرة شرطة حركة المرور ووزارة الطرق والكباري على تنظيم حركة السير وعلى إلزام المواطن بإحترام قوانين المرور المتعارف عليها عالميا. لقد اصبح التزاحم جزاء من ثقافتنا، للأسف.
قوله تعالى : ( كَّلا إذا دُكتِ الأرضُ دَكا دَكا وجآء ربُك والملكُ صفاً صفاً وجِيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكرُ الإنسانُ وأنى لهُ الذكرى)


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1689

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#475795 [Osama Kshoma]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2012 11:58 AM
You are right welcome to hell named Sudan..


#475466 [كرنكي]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2012 12:04 AM
مقالك رائع لك الشكر ونتمنى أن نرتقي بمستوانا ونتمسك بتعاليم ديننا الذي يقوم على الترتيب والنظام في كل شيء في الصلاة ومواقيتها وكذلك الدقة في الزكاة وانصبتها بل قل في جميع العبادات وفي النظافة سوى كانت شخصية أو نظافة مكان عام والجر المترتب على اماطة الذى من الطريق والرفع من شأن الإنسان والنفس حتى أن حرمة الكعبة دون حرمة المسلم وغير ذلك مما يطول فيه المقام


#475443 [عبدالله صالح]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2012 11:17 PM
يا سلااااام عليك يا سيف - والله مقالك في الصميم - ولكن أسأل من هو السبب - السبب حكوماتنا المتعاقبة منذُ الإستقلال - لك ترك لنا الإنجليز - الشلن والتعريفة والمليم - والسكة حديد - ومشروع الجزيرة - ومطار الخرطوم الحالي - ومساكن الموظفين والعمال - ومستشفى الخرطوم التعليمي وكلية غوردون (جامعة الخرطوم حالياً) والطرق الداخلية (أو طرق الموت التي بسببها مات الكثيرين حتى الوزراء لم يسلمو من الموت على هذه الطرق) أنظر للدمار الذي أصاب هذه المؤسسات ولم نقم حتى بتطويرها وتنميتها ولم نقم حتى بفعل شىء يفيد الإنسان السوداني بل ظلت الحكومات تُفرغ الشعب لدول المهجر واصبح هناك عشره ملايين سوداني ربع الشعب بالخارج وهُم يعانون الهم والغم - وكل حكامنا من العسكريين الحمقاء الذين دمروا هذا الوطن وخيراته - وحتى أصحاب العقول لم يجدوا فرصتهم لخدمة هذا الشعب المقهور المظلوم الصابر - فأنا ألتمس العذر لهذا الشعب وأسوق اللوم للحكام الذين نهبوا وعاثوا فساداً ولم يقدموا ما يشفع لهم ببناء هذا الإنسان المظلوم ..


ردود على عبدالله صالح
Sweden [سيف اليزل سعد عمر] 09-23-2012 02:30 AM
كتر خيرك كتير أخ عبدالله. حقيقة ما تركه الإستعمار من بنية تحية "أساسية" لا توجد فى أية دولة من دول الجوار بإستثناء مصر. ولقد تفضلت أنت بذكر جزء يسير من هذه البنية. ولكن دُمرت هذه البنية بأيدى السودانيين أنفسهم وبإسم الوطنية. آنظر لحال الخطوط الجوية السودانية مقارنة بالخطوط الأثيوبية والكينية. أين كانوا هم وأين كنا نحن؟ اتفق معك على أن واحداً من هذه الاسباب هو فشل القادة ولكننا أيضاً فى حوجة لتغير أسلوبنا على مستوى للفرد إذا كنا نريد النهوض بالسودان "من الحُفرة الواقع فيها دى". ولك التحايا


سيف اليزل سعد عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة