باللون الرمادي
09-23-2012 07:52 PM

باللون الرمادي

مروة صديق


"خير الامور أوسطها".. لطالما كانت تؤرقني تلك المساحة بين التطرف و اللامبالاة ، بين العملقة و القزمنة، الأبيض و الأسود. هناك أريد أن أعيش، في ظلال اللون الرمادي، فهناك يكمن الحل. و هو لون لو تعلمون عظيم ! يتسع للجميع، منه الفاتح و الغامق، الشفاف و القاتم، المحمر و المخضر و المزرق ...
"خير الامور أوسطها" ياله من تحد !
كان الرسول صلى الله عليه وسلم وسطاً في كل شئ حتى هيئته فلم يكن بالقصير ولا بشديد الطول بل متوسط القامة، لم يكون شديد البياض ولا السواد بل أسمر البشرة، لم يكن سريع الحديث ولا بطيئه بل معتدل، لم يكن أبيض ولا أسود انما معتدل ثم معتدل ثم معتدل. أرسل في أمة وسط ليعلمهم الاعتدال ففشلوا في ذلك و نجح الأخرون.
امضيت بضعة اعوام و أنا أعيش في الغرب بين الخواجات في مساحة واسعة من الرمادي. قد تختلف درجاته ولكنه يبقى رمادي، لسنوات لم أرى غناء فاحش أو فقر مدقع، لا استطيع وصفهم بحدة الذكاء أو الغباء ولا شدة الإنسانية أو قلتها و لهذا اغبطهم! رأيت ولاد بلدي بينهم يشارلهم بالبنان. لازلت أذكر حينما سألني سائق التاكسي عن جنسيتي فأجبته بأني سودانية فقال بعفوية شديدة "oh you are a doctor" .. و أنا لست طبيبة. كم أثلجت صدري هذه الجملة، كم نحن عظماء !
فما بال عمالقة بلادي يحكمهم أقزام ؟ لا أجد إجابةً لذلك السؤال سوى أن التطرف يولد التطرف. فنحن شعب متطرف في العملقة، متسامح حد السذاجة و قنوع حد الامبالاه. وهو ليس بالأمر الغريب فزيادة المعرفة مقرونة بزيادة الحكمة، والحكيم لا يسعى طوعاً لتحمل عبء الادارة ووطأة المسؤولية بل يكتفي ب-"الحمد لله رضى". فهو يعلم بضرورة الحال ما خلف ستار الزعامة من عذاب و سهر ليالي . انما الغريب الامعان في هذا ال-"أتتيود" حتى تفشى فينا كخلية سرطانية. لازلنا نبحث عن اللون الأبيض الناصع حيث مبلغ همنا أن نخرج من الدنيا كفافا حتى تحولنا إلى كتلة من عديمي اللون و النكهة، نرضع ابناءنا التخاذل و السلبية و نحقنهم ب- "جناً تعرفو ولا جناً ما بتعرفو" و "العايز تهريه أسكت خليه " حتى اهترأت قلوبنا بهذا الترفع الزائف و تركنا الجمل بما حمل تحت رحمة الأقزام.
وكما تطرف أولئك في المعرفة والقناعة تطرف هولاء في الجهل والطمع حتى خيل اليهم أن "طيشة حنتوب" بمقدورهم تسيير جيش جرار من الرقاصين لتحرير أمريكا! فأنا لا اعتب على هؤلاء جهلهم فقد بلغ منهم مبلغه حتى يخيل إلي أنهم يستغيثون بمن ينتشلهم منه. و انما استعجب لذوي العقول البيضاء الذين يصرون على التخاذل ويتركون أمرهم لهذا السواد الدامس.
يسرقنا حكامنا ويجوعونا فنطردهم ثم نستقبلهم إستقبال الأبطال. يدعون التكليف من الله و رسوله فنمجدهم و نسجل كذبهم في كتب التاريخ. يقسمون بلادنا و يقتلون ابناءنا ثم نقول أحسن من غيرم و البديل منو!
البديل لن يقدم لنا على صحن من فضة و انما نقتلعهم إقتلعاً و نصنعه صناعة . البديل فينا نحن رماديو الهوية بجميع أطيافنا الفاتح و الغامق، المحمر و المزرق. أطباء، مهنسون، معلمون، محامون، وعمالاً. اباء وأمهات ، أبناء و بنات ، مشردون و مشردات، مقهورون و مقهورات، حاضرون و غائبات، مجاهدون ومناضلات. نحن من لم يجد سواد الجهل طريقاً إلينا و لم يجهرنا بياض الاستسلام. نحن نملأ هذه الهوة ألان ألان وليس غداً ...


http://monajats.blogspot.ie/2012/09/blog-post_17.html


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1424

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#476825 [wudoof]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2012 01:34 PM
مقال ينم عن عمق في الفكر والفهم، الا ان المنطقة الرمادية تعني الا مبالاة احيانا وهي منطقة امان زائف .؟؟وهي ملجا يحتمي به الكثير من المثقفين الساكتين عن الحق .؟!!


#476640 [ود الجد]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2012 10:33 AM
آما ان يتبع هذا القول الحسن افعال


#476621 [Baboy]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2012 10:19 AM
god bless you, the alternative is well known but, first let us work seriously to change


#476499 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2012 07:12 AM
عن أنس بن مالك يصف النبي صلى الله عليه و سلم قال كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل
اي بين البياض و السمرة و شعره ليس بمجعد و لا مستقيم اى متوسط بينهما

ما ينقصنا في السودان هو الوضوح فينبغي أن نحدد اهدافنا و اتجاهاتنا و كما يقول المصريون" يا ابيض يا اسود"
أما في الشكل وفي اللون و في العرق و في اللغة فان الرمادية هي الحل


#476345 [العراقى]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2012 10:57 PM
ينصر دينك


#476327 [babiker]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2012 10:31 PM
يا اختي اصبت وتحليلك صحيح .الاقتلاع الاقتلاع الاقتلاع ثم الاقتلاع هو الحل.جدودنا ماتوا بغبنهم واباءنا دفناهم بغبنهم.احزاب الطائفيه هي سبب تاخر وتخلف البلد.


#476255 [awad]
5.00/5 (1 صوت)

09-23-2012 09:03 PM
الفاضله مروة أعجبتنى هذه الرمادية الوسط وأطمأنك بأن الغالبية العظمى من أبناء وبنات وطنك من هذه الرمادية ولا غنوط من رحمة الله فتأكدى أن أبناء وطنك الرماديون قد أهتدوا الان فى تكوين حزب رمادى يجمع كل أطياف الرماديين من أبناء وطنك كما جاء فى موقع راكوبتنا هذه والذى أقترحه مولانا سيف الدولة والذى نفخ فينا الروح من جديد لنتحمل مسؤليتنا نحو هذا الوطن الممتحن من أبناء جلدته


#476253 [ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2012 09:02 PM
تسلم البطن الجابتك يا مهيرة

ايوه البديل نخلقو من العدم

نحنا نحدد يحكمنا منو و يحكمنا كيف


مروة صديق
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة