العودة للكلام القديم
09-26-2012 04:18 PM


(كلام عابر)

العودة للكلام القديم

عبدالله علقم
[email protected]

ذكرت جريدة "الصحافة" أن الدكتور كرار التهامي أمين عام جهاز شئون السودانيين العاملين بالخارج، أو ما درج على تسميته بجهاز المغتربين، قال لدى لقائه أمين عام ديوان الزكاة الدكتور محمد يوسف علي أن "هجرة العمالة السودانية خلال الأشهر الخمسة المنصرمة فاقت 60 ألف مهاجر مما يتطلب التعاون المستمر لمتابعة قضايا ومشاكل السودانيين العاملين" وأوصى بضرورة وجود لجنة مشتركة بين الجهاز وديوان الزكاة وأنهم بصدد قيام ورشة لزكاة المغتربين خلال الأيام القادمة. أما السيد محمد يوسف، أمين ديوان الزكاة فقد دخل في الموضوع مباشرة بدون محسنات ولباقة الدكتور كرار فقال "إن النصاب الشرعي لزكاة الأموال في الأعوام القادمة سيكون قياسا على المعيار العام للواقع المعاش في كل دولة" ثم أكد السيد محمد يوسف في أسلوب لا يخلو من روح الوصاية والتعالي المقيت على المغتربين على ما أسماه بنشر" ثقافة الزكاة وسط المغتربين وإشاعة روح التكافل والتراحم بينهم وأن تكون زكاة المغتربين لحل قضاياهم بدول المهجر"، وكأن المغتربين في حاجة لهذا المتعالي ليعلمهم التكافل والتراحم. ألا تقف الروابط والجمعيات الجهوية المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها منذ عشرات السنين دليلا على هذا التكافل والترابط؟ أليست تحويلات المغتربين كلها والتي يعيش عليها الملايين من أهلهم هي التكافل في أرقى صوره؟
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الموضوع باختصار أنهم قد أجمعوا بليل على تسليط سيف جباية الزكاة على رقاب المغتربين من جديد، وما هذه الكلمات المنمقة التي تتحدث عن التراحم والتكافل إلا مقدمة غير ذكية لأمر واقع لا محالة. أقرب سيناريو هو اقامة تجمع ما في مناسبة ما في مكان ما، الأرجح أن يكون مباني جهاز المغتربين، لن يعدموا من يحضره، ليطالب الحاضرون المنتقون بتحصيل الزكاة من المغتربين، مثلما حدث في مرة سابقة. أكبر تجمع للمغتربين السودانيين يوجد في المملكة العربية السعودية (وتعريف المغترب أنه ذلك الشخص الذي يدفع الجبايات لخزينة الدولة، وبغير هذا التعريف فإن عدد السودانيين المقيمين في مصر أكبر من عددهم في السعودية، وهم كما وصفهم الراحل المقيم الدكتور عمر نور الدائم أكبر تجمع للسودانيين خارج الخرطوم، ولكنهم لا يدفعون،وبالتالي يبقون خارج "الحسبة"). في السعودية لا يوجد من يدعي أنه مفوض باسم السودانيين ليتحدث اسمهم، فالكيان الجامع للسودانيين (الجالية) في المنطقة الغربية (جدة ومكة المكرمة والطائف) معطل ومتشرذم بسبب الخلافات التي يعيشها السودانيون بفعل التيسييس وتدخل السفارة مناصرة لهذا ومعارضة لذاك بدلا من الانصراف لواجباتها التي يفترض أن تكون كبيرة وكثيرة ، والحال نفسه في الرياض وفي حايل للأسباب نفسها، وستتكرر التجربة عن قريب في المنطقة الشرقية بعد أن طفح الكيل واتسع الفتق على الرتق(وهو شأن تناوله في مرات عديدة قادمة بحول الله).لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمثل المغتربين السودانيين في السعودية، ولكن أتوقع أن يتكرر نفس السيناريو القديم، فيتطوع، بلا قليل أو كثير من ذكاء أو حياء، بعض المتطفلين المتسلقين، الذين لا تخلو منهم المجتمعات مهما بلغت هذه المجتمعات من نظافة، للقيام بدور الممثلين للمغتربين السودانيين والمتحدثين باسمهم، وعلى وجه الخصوص في المملكة العربية السعودية، في تجمع أو مناسبة يحسن اعدادها، ويطالبون بتحصيل الزكاة من المغتربين السودانيين.
إذن سيف الجباية قادم لا محالة.
ولكن، لماذا يصرون على تسميتها بالزكاة ؟ لماذا لا يطلقون عليها أي اسم آخر.. ضريبة الوطن، تعظيم الوطن، درع الوطن، حق الوطن، مستقبل الوطن، المرابطين، السلام، ولن يعدموا اسما يطلقونه عليها غير الزكاة. أما الزكاة فلا. إن العودة إلى الضرائب والجمارك في ظل اختفاء عائدات البترول سياسة متوحشة، كما قال أستاذنا عبدالله علي ابراهيم، ولا تخرج إعادة جباية "الزكاة" عن إطار هذه السياسة المتوحشة.
على من تجب الزكاة من بين المسلمين الذين يتقاضون رواتب شهرية؟ من حيث المبدأ يقول كبار الفقهاء (على سبيل المثال لا الحصر عبدالعزيز بن باز، عبدالله بن جبرين،محمد العثيمين، محمد صالح المنجد وغيرهم) إن زكاة المال تجب على النصاب الذي يمضي عليه عام كامل وهو في حوزة المسلم، شريطة ألا يقل ذلك المال عن 85 جراما من الذهب أو 595 جراما من الفضة، وهو ما يعادل حوالي 4500 دولار أمريكي أو 17,000 ريال سعودي. أي أن الموظف الذي يوفر من راتب شهر محرم مثلا هذا المبلغ، ثم تنقضي سنة كاملة وهذا المبلغ في حوزته كاملا لم ينقص منه شيئا، تجب عليه الزكاة في نهاية محرم من السنة التالية بنسبة ربع العشر أي 2,5%، أي 425 ريال سعودي. ينطبق على وفر راتب الشهر الذي يليه (صفر)، ثم الذي يليه (ربيع أول) وإلى آخر شهور السنة، ما ينطبق على شهر محرم. بكلمات أبسط فإن زكاة كامل السنة على المدخرات لا تجب إلا بانقضاء سنة على آخر راتب في السنة (راتب شهر ذي الحجة)، ولما كان مثل هذا النصاب لا يتوفر للموظف وإذا توفر فنادرا ما تنقضي سنة عليه وهو في حيازة الموظف لم ينقص منه شيئا، فلا تفرض الدولة السعودية زكاة على موظفيها السعوديين والأجانب المسلمين رغم أن الحد الأدنى من الأجور للعامل السعودي الذي أعتمد مؤخرا يزيد عن متوسط الأجر الشهري لأكثر من 75% من المغتربين السودانيين في السعودية، ولا يستطيع ديوان الزكاة في السودان أن يدعي أنه أكثر معرفة بقواعد وضوابط الزكاة من مصلحة الزكاة وضريبة الدخل في السعودية ولا أكثر حرصا منها على تعظيم شعيرة الزكاة. غير أن الشيخ القرضاوي، مفتي السلاطين الذي نشرت الصحف مؤخرا خبر زواجه السري من جزائرية في الجزائر، أفتى بشرعية الزكاة على راتب الموظف بقاعدة أسماها "مراد مصلحة الفقراء" رغم أن كثير من الفقهاء، ومن بينهم الألباني، عارضوا فتوى القرضاوي ولكن نظام الانقاذ فيما يبدو اعتمد على فتوي القرضاوي. لكن ماذا عن النصاب؟ لا بد للقرضاوي من تفصيل فتوى جديدة تنزل بالنصاب إلى الحد الأدنى ويلتف حول حلول الحول، مثل فتوى سابقة له حللت شراب البيرة بنسبة كحول قليلة (ما تضرش). لست فقيها ولا يجوز لي أن أدعي ذلك ولكن كل ما ذكرته هنا سهل متاح للجميع في مواقع الفتاوى الاسفيرية.
لدي قناعة شخصية راسخة، أعلم أنها تثير حفيظة البعض، أن الدكتور كرار التهامي ربما يكون الرجل الوحيد المناسب الذي وجد طريقه للمكان المناسب في ظل نظام الانقاذ، وهو من طينة الرجال الذين يشرفون المناصب ولا تشرفهم المناصب. وهو رجل طاهر اليد تعصمه خلفيته الأسرية ومناعته الأخلاقية من التربح من المنصب العام مثلما يفعل كثيرون غيره ممن يطلق عليهم لفظ الدستوريين، وهو لفظ ناشز قبيح، وقد طرح كرار مبادرات طيبة وهو في منصبه أمينا لجهاز المغتربين مثل مركز دراسات الهجرة، وسعى للتوصية والتوسط لدى الجهات الحكومية الأخرى لمعالجة بعض مشاكل المغتربين مثل التعليم العالي لأبناء المغتربين والاعفاءات الجمركية وغير ذلك لكن جهاز المغتربين، كما لا يعلم الكثيرون، ليست جهة تنفيذية تملك الصلاحية لفرض رؤيتها على الجهات الحكومية المختصة، وهذا العجز صاحب جهاز المغتربين منذ تأسيسه قبل عقود خلت، ربما لأن مصالح المغتربين وهمومهم لم تكن أصلا الدافع وراء قيام جهاز المغتربين، لكن الدكتور كرار من جهة أخرى شخص ملتزم برؤية حزبه وبالإطار العام لسياساته ورؤاه، وبالرغم من هذه المعادلة الصعبة فالمأمول أن يجعل من نفسه عونا للمغتربين، وهو واحد منهم، ولا يكون عوانا عليهم، وأن يعمل على صرف أذى ديوان الزكاة عنهم لينصرف المغتربون إلى باقي أحزانهم.
هذه بعض أولويات أقرب للتقوى من الإتاوة الجديدة، هي أنفع وتنجي من عذاب أليم.. هناك مبالغ هائلة بلغت ملايين الريالات السعودية تراكمت لدى السفارة السودانية في الرياض على مر السنين حصيلة رسم اضافي رمزي يدفعه كل مغترب ضمن رسوم معاملاته التي يدفعها للسفارة. ما هو حجم هذه الأموال؟ وما هي أوجه صرفها؟ ومن هو المتصرف فيها؟ وكم المتبقي منها؟ وما مصيره؟ الوقوف على حجم وأوجه صرف هذه الأموال وتوظيف ما تبقى منها لمعالجة الحالات الانسانية لدافعيها من المغتربين هو الأولى بالاهتمام عوضا عن ملاحقة المغتربين.
تناقلت الصحف أخبارا عن مواطن سوداني في مصر رهينة لدى عصابات بدو سينا التي تشترط دفع فدية كبيرة للافراج عنه. هذه الواقعة وواقعات أخرى كثيرة وظروف مأساوية أشبه بالاسترقاق يعيشها بعض المواطنين السودانيين في مصر وسينا وليبيا ولبنان تستوجب اهتماما خاصا من جهاز المغتربين وغيره ممن يفترض أن يهمهم الأمر. صحيح أن مثل هؤلاء المغتربين لا بواكي لهم ولا يرفدون خزينة الدولة مثلما يفعل مغتربو السعودية والخليج، لكنهم مواطنون سودانيون. من لي بفتح كل الملفات بلا حرج، فقد يكون الجو ملائما بعض الشيء في ظل النظام الجديد في مصر بحكم المرجعية التي كانت مشتركة قبل أن تتشعب الطرق وتتضارب المصالح.
في لندن تعرضت أملاك سودانية للهدر المشبوه ومن بينها ما كان يعرف ببيت السودان الذي كان في أزمنة خلت يوفر للسودانيين الدار والمأوى والذي يقال أنه هدية من السيد عبدالرحمن المهدي لأبناء السودان. قيل أن بيت السودان وعقارات أخرى غيره مملوكة للدولة السودانية تم التصرف فيها بليل ، في وجود سفارة مثيرة للجدل. تري هل في الامكان استرداد بيت السودان مثلما استردت الخطوط الجوية السودانية مثلا؟
هناك كثير من القضايا والهموم التي يجب أن تستأثر باولوية اهتمامات جهاز المغتربين بدلا من الانسياق وراء مشاريع ديوان الزكاة والالتفاف حول القواعد الفقهية لفرض "اتاوة" جديدة على مغتربي السعودية والخليج يستأثر بجل عائدها في نهاية الأمر "بارونات" العاملين عليها وغير العاملين عليها فيهدرونها، بعد تخمة وبشم، أينما وكيفما شاؤوا، حتى لو جاء ذلك بمثل سفه وحمق الانفاق على قناة فضائية وهمية، وهم بمأمن من مراجعة أو مساءلة في الحياة الدنيا. هل مثل أمام العدالة في يوم من الأيام متهم واحد باهدار أموال الزكاة؟
واستغفر الله لي ولكم.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 862

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله علقم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة