الله يصرف الشينة
10-04-2012 01:31 PM

الله يصرف الشينة

عبدالله علقم
[email protected]

نشرت قبل أيام قليلة مقالا بعنوان "العودة للكلام القديم" أشرت فيه إلى المقدمات التي جاءت في تصريح أمين ديون الزكاة وأمين جهاز المغتربين لفرض ضريبة جديدة على المغتربين باسم الزكاة وأوضحت فيه أن الزكاة غير واجبة شرعا على الموظف الذي لا يمكنه راتبه من توفير نصاب الزكاة وهو مبلغ 17,000 ريال سعودي تنقضي عليه سنة كاملة وهو في حيازة الموظف لم ينقص منه شيئا، ولهذا أجمع الفقهاء، باستثناء صوت نشاز هو الشيخ يوسف القرضاوي، على عدم وجوب الزكاة على الموظف الذي يعيش على الراتب، ولهذا لا تفرض الدولة السعودية الزكاة على الموظفين، ولكن الغرض هو جباية ضريبة وليس اقامة شعيرة. وقلت أنه سيقام تجمع بهذه المناسبة يضم ممثلين للمغتربين غير مفوضين وغير منتخبين – بالطبع - من المغتربين لتدشين الإتاوة الجديدة.
وبعد بضع ساعات من ظهور المقال على المواقع الاسفيرية اطلعت على نشرة اخبارية صادرة من الادارة الاعلامية في جهاز المغنربين تحت عنوان (تحت رعاية وزيرة الرعاية الاجتماعية، أول مؤتمر من نوعه لمناقشة قضايا زكاة المغتربين بين ديوان الزكاة وجهاز المغتربين) تقول أنه في أول مؤتمر من نوعه ينظم ديوان الزكاة بالتعاون مع جهاز تنظيم شئون السودانيين بالخارج المؤتمر الأول لقضايا زكاة المغتربين في الثالث عشر من نوفمبر من العام الجاري ذلك تحت رعاية الأستاذة أميرة الفاضل وزيرة الرعاية الاجتماعية، وذكرت النشرة الاخبارية أن الأستاذ علي محمد علي بديوي رئيس اللجنة العليا للمؤتمر مدير عام (خطاب) الزكاة أوضح أن المؤتمر الذي تشارك فيه وزارات المالية والاقتصاد الوطني، والخارجية، وبنك السودان، والإدارة العامة للأراضي والاستثمار، والإدارة العامة للجمارك، وديوان الضرائب، والإعلام الخارجي، إلي جانب جهاز المغتربين، ووفود المغتربين السودانيين من الدول العربية، والأوربية، سيناقش أربعة أوراق عمل، الأولي بعنوان "واقع المغتربين من حيث أعدادهم وتصنيفاتهم وخبراتهم ومهنهم وأماكن (تواجدهم)" والورقة الثانية "عن جباية زكاة المغتربين وتأميمها شرعياً ومستوي الأداء فيها ودور المغتربين في جباية الزكاة وجمعها في مناطق (تواجدهم)" وتتناول الورقة الثالثة "مصارف وقضايا المغتربين بهدف صرف زكاة المغتربين في دول المهجر لمعالجة مشاكلهم المختلفة وتوزيعها علي المحتاجين من السودانيين في مناطق (تواجدهم)" ثم "ورقة خطاب الزكاة تجاه المغتربين بهدف تبصيرهم بما يجب عليهم والاستفادة من الخبراء في توصيل تجربة الزكاة من خلال علاقاتهم بالمنظمات الوطنية والخبراء والكفاءات العالمية".
حلّت المصيبة بأسرع مما كنا ننتظر، ويبدو أن كل السيناريوهات كانت جاهزة ومدروسة بعناية، وعلى هامش هذا الخبر(الكعب) نقول:
(1) مسألة فرض الإتاوة الجديدة مسألة وقت وإجراءات، بمعنى أن حجم وتوقيت وآلية تحصيل الإتاوة كلها محددة سلفا وأن المؤتمر ما هو إلا إجراء شكلي لإضفاء شكل التشاور والتدارس على الإتاوة. هناك قاعدة فقهية في زكاة الأموال تحدد الحد الأدني من المال الذي تجب عليه الزكاة مع الوفاء بشرط أساسي هو أن يكون ذلك المال في حيازة المُزكِّي لسنة كاملة لم ينقص منه شيئا، وهو شرط لا يتوفر في حالة المغترب السوداني، وهو شرط لم يتوفر في الموظف السعودي ولهذا لا تفرض الدولة السعودية زكاة على الموظفين، والشرط الذي لا يتوفر في الموظف السعودي من باب أولى ألاّ يتوفر في المغترب السوداني الذي يعمل في السعودية بحكم أن متوسط دخل الموظف السعودي أكبر بكثير من متوسط دخل المغترب السوداني مما ينفي إمكانية المقارنة خصوصا وأن التزامات المغترب السوداني أكبر من التزامات الموظف السعودي فضلا عن أن الدولة السعودية خالية من الضرائب وتوفر لمواطنها خدمات عديدة مجانية لا تقف عند حد العلاج والتعليم وحدهما.
(2) سيحضر المؤتمر التدشيني المذكور ممثلون للمغتربين السودانيين من عدة مهاجر، وبما أن أكبر مهجر يضم السودانيين الذين تستهدفهم الإتاوة الجديدة هو المملكة العربية السعودية، فإن الكيان الرسمي المتعارف عليه الذي يمثل السودانيين هو الجالية، وهذه الجالية غائبة في منطقة مكة المكرمة التي تضم مكة المكرمة وجدة والطائف وما حولها، بسبب خلافات نجمت عن التدخلات والاستقطاب السياسي الذي شاركت فيه السفارة بقدر كبير، فلا توجد حاليا آلية شرعية لاختيار ممثلين للمغتربين، ونفس الشيء ينطبق على منطقة الرياض، ومنطقة حائل، وفي طريق التشرذم والتشظي جالية المنطقة الشرقية. وهذه الجاليات تمثل معظم جماهير المغتربين السودانيين في السعودية، وبغيابها تُرى من هم (تمومة الجرتق) الذين تم انتقاؤهم بهذه السرعة لتمثيل المغتربين السودانيين في السعودية بلا تفويض من هؤلاء المغتربين؟
(3) نجيء إلى بيت القصيد، وهو مصرف العاملين عليها (وهو في حده الأقصى لا يتجاوز نسبة 12,5% من مال الزكاة) الذي يستاثر بارونات ديوان الزكاة ورهطهم بأكثر منه قياسا بسجل ديوان الزكاة في هذا الشأن. فقد أشار أمين ديوان الزكاة في تصريح سابق إلى أن الديوان سيعيِّن ملحقي زكاة في السفارات السودانية، بمعنى أن كل سفارة سودانية في المهاجر المعنية ستقام فيها ملحقية للزكاة مثل الملحقيات العسكرية والثقافية والتجارية، وهذه الملحقية لن تقتصر على موظف واحد فقط ولكنها ستضم بإذن الله ملحقا للزكاة ونائبا له وإداريا ومحاسبا ومسئولا إعلاميا ومفتيا وهلمجرا، وستتوزع هذه الملحقيات على السفارات السودانية في المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ودولة قطر وسلطنة عمان ودولة الكويت وليبيا وقنصليات جدة ودبي وبنغازي، ثم قد تقام ملحقيات ولكن بعدد أقل من الموظفين في اليمن ولبنان ومصر وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وجميع هؤلاء الموظفين لا بد أن يكونوا من فئة المتمكنين من داخل وخارج ديوان الزكاة، وسيتقاتلون على هذه الوظائف قتالا ضاريا، الغلبة فيه للأكثر تمكُّنا وأقوى ظهرا. فشاغلي هذه الوظائف سينعمون حتماً بكل ما هو مخصص لها من رواتب وبدلات ونثريات وسكن وتأثيث وسيارات وعلاج وتذاكر طيران لهم ولأسرهم مرة أو مرتين في السنة، بالإضافة للمكافآت والحوافز والإعفاءات الجمركية لسياراتهم وأثاث منازلهم..إلخ؛ وهذا كله سيتجاوز لا محالة مخصص مصرف "العاملين عليها". وما دامت المسألة في جوهرها ضريبة جديدة ليست في حاجة لفتاوى أو اجتهادات فقهية، وفئاتها ومبالغها محددة سلفا، فلماذا لا يكتفى بأطقم السفارات الموجودة لتتحصل هذه الإتاوة من كل صاحب معاملة أو طالب تجديد جواز في السفارة في الخارج وطالب تأشيرة خروج في مكاتب جهاز المغتربين في الداخل وبذلك يوفر بند العاملين عليها ومنصرفات جيوش هذه الملحقيات؟
(4) من سيصدق أن الإتاوة الجديدة ستصرف في مكان جبايتها، أي أن ما يجبي من أموال من المغتربين في السعودية مثلا تحت مسمى الزكاة سيصرف على المحتاجين في نفس مكان الجباية، مع أنه لا يخفي على أحد أن هذه الجباية فرضها غياب عائدات نفط الجنوب؟ أي أن الدولة في حاجة فعلا لهذه العائدات!!(والحال كذلك، ألن تغني عودة عائدات نفط الجنوب بعد اتفاق أديس أبابا وهي حوالي مائتي مليون دولار شهريا حسب افادة وزير الدولة في وزارة المالية، ألن تغني، ولو مؤقتاً، عن هذه الإتاوة الجديدة؟ مجرد خاطرة أعترف أنها لا تخلو من السذاجة!)
(5) هل توجد فعلا تجربة سودانية مشرِّفة في مجال الزكاة لنقلها للعالم كما يروّج بعضهم؟
(6) هل سيخرق المألوف ويتم تقديم كشف حساب لدافعي الجباية من جماهير المغتربين يوضح المبالغ المتحصلة وأوجه صرفها حتى لو كان كشف الحساب هذا يصدر مرة واحدة كل سنتين(إذا قدّر الله سبحانه وتعالى أن يتواصل هذا الأذى كل هذه المدة)؟
(7) ثم، أوليس أجدى للمغتربين وأكثر خدمة لهم ورعاية لمصالحهم إنشاء ملحقيات عمالية في السفارات بدلاً من ملحقيات الزكاة في دول المهجر ذات كثافة المغتربين العالية أسوة ببلدان أخرى لها ملحقيات عمالية في دول الخليج (فمن هذه الدول على سبيل المثال لا الحصر مصر، الفلبين، الهند، اندونيسيا، كينيا، اريتريا، سيريلانكا، نيبال وغيرها)؟ فذلك أجدى للمغتربين من ملحقي الزكاة ويساعد على الوقوف بشكل مباشر على مشاكلهم العمالية والعمل على علاجها.
(8) نحن نعلم أن وزارة المالية وديوان الزكاة وغيرهما من السلطات الحكومية هي التي تفرض هذه الإتاوات وتعود إليها عائداتها، وأن جهاز المغتربين، مثل السفارات - مجرد جهات متحصلة بالوكالة - ونعلم قبل ذلك أن الهدف الأساسي من إنشاء جهاز المغتربين هو تمكين الدولة من وضع يدها على أكبر قدر ممكن من أموال المغتربين، ولهذا ربطت كل معاملات المغترب القنصلية، بما في ذلك تجديد جواز السفر ومنح تأشيرة الخروج، بسداد ما هو مفروض علي المغترب من جبايات، وتم تخفيض عمر جواز السفر المغترب إلى سنتين، ليكون أقصر جوازات الدنيا عمرا وهو تميُّز معيب للجواز السوداني، لإحكام الخناق على المغترب ولضمان إجباره على دفع الإتاوات في فترة زمنية قصيرة أو في كل مرة يحتاج فيها لإجراء معاملة قنصلية، ثم تطورت مهمة جهاز المغتربين في العقدين الأخيرين إلى العمل على استقطاب تأييد المغتربين السياسي للنظام فانغمس جهاز المغتربين مع السفارات في شئون الجاليات والكيانات الطوعية الأهلية السودانية في الخارج بكل ما يتبع ذلك من آثار سيئة، وتتبين هذه الآثار السيئة في غياب جاليات مكة والرياض وحائل. كل هذه الاعتبارات والخلفيات لا تعفي جهاز المغتربين من التزامه الأخلاقي،أو هكذا يجب، برعاية مصالح المغتربين، وأول بنود هذه الرعاية هو تجنيب المغتربين مثل هذه الأتاوي خصوصا في ظل تغير سوق العمل في المهاجر وانكماش فرص التوظيف وانخفاض دخول المغتربين مع تزايد التزاماتهم نحو أهليهم في السودان بعد أن تخلت الدولة السودانية عن أي التزام نحو مواطنيها. إن إعادة فرض (الزكاة) رغم عدم وجوبها على المغتربين، ودخول جهاز المغتربين طرفا فاعلا في الترويج والترتيب لهذه الإتاوة الجديدة، تحلل صريح من التزام جهاز المغتربين الأخلاقي المفترض نحو جماهير المغتربين، ونكوص على وعود طيبة سابقة، وهو حال أسِيف سيجهز تماما على القدر القليل من الثقة المتبقية لدى بعض المغتربين في جهاز المغتربين والقائمين عليه.
(9) درج المغتربون في مهاجرهم على تغطية احتياجات بعضهم المالية لمعالجة حالات إنسانية ويقومون بذلك بروح من التكاتف والتراحم بطريقة منظمة، سواء بالعون المباشر أو العون الجماعي بطريقة "الكشف" المعروفة،و في صمت يحفظ للمحتاج ماء وجهه وينقي الصدقة من شر المنّ والأذى، وبالتالي فهم ليسوا في حاجة لمبشرين جدد يعرفونهم بفضائل التراحم والتكاتف ولا لوسطاء يعبثون بهذه الصدقات.
في النهاية وفي البداية، لا نملك، وقد بلغ سفرهم الضحى وما زالوا عند الفجر، إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله تعالى اللطف في قضائه، وأن يصرف عنا البلاء والعربدة في قوت عيالنا.
واستغفر الله لي ولكم.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1048

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#483247 [مفجوع]
0.00/5 (0 صوت)

10-04-2012 04:41 PM
واجب كل المغتربين التكاتف في رفض الظلم فكلنا نحتاج للزكاة لِتُصرف علينا لا لتُجبى منّا ...
حسبي الله في الكيزان وعلماء السلطان الذين يحرفون الفتاوى للسلطان ليتمادى في ظلمه للرعية ...


عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة