المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ -3-
سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ -3-
10-13-2010 01:59 PM

غرباً باتجاه الشرق

سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ -3-

مصطفى عبد العزيز البطل
[email protected]


(1)
ما نزال نقلب معاً صفحات كتاب "سنوات النميرى: توثيق وتحليل لأحداث ووقائع سنوات حكم 25 مايو فى السودان"، الذى قدمه للمكتبة السودانية، مأجوراً باذن الله، اللواء "م" محمود محمد قلندر. والقيمة الرئيسة لهذا الكتاب فى تقديرنا هى أنه يقدم عرضاً متكاملاً ومتناسقاً لتاريخ تلك الحقبة فى شكل خيط مركزى منتظم، يمتد متسلسلاً عبر السنوات الممهدة لحركة التغيير العسكرى، وصولاً الى الانقلاب نفسه، ثم يتابع بعد ذلك - متابعةً دقيقة - مسار الوقائع الكبرى التى بسطت نفسها عبر السنوات الست عشر من عمر الحقبة النميرية. وفى هذا الصدد يتناول المؤلف، متراوحاً بين الاجمال والتفصيل، مفترقات الطرق والمنعطفات الكبرى التى شهدت التطور الثورى ثم الدستورى لنظام مايو. كما يتناول بالعرض والتحليل الحادثات التى فرضت على مايو "الثورة"، ثم مايو الدولة، نقلاتها - حتى لا نقول قفزاتها الاكروباتية - من اليسار، حيث انطلاقتها الاولى، الى الوسط، ثم الى اليمين الذى شهدت فى كنفه انطفاء جذوتها وافول نجمها. ثم يعرض اللواء قلندر عبر خيطه الناظم للاحداث والوقائع الى المواجهات السياسية والمعارك الدموية التى خاضتها مايو مع خصومها، وخرجت ظافرة منها جميعاً، باستثناء الملحمة الرجبية فى 1985 بطبيعة الحال.
ومع احترامنا الشديد للمؤلف واسهاماته المقدرة على صعيد الوعى العام، وتثميننا الأكيد لهذا السِفْر وقيمته المعرفية، الا اننا وقفنا على جوانب معينة فى متن الكتاب لم تقع من الذهن الموقع الحسن، فلم نرض عنها، ولم نرض للمؤلف - وهو من هو - ان يتورط فى عوارها. لا سيما وانه من زمرة العلماء والعارفين، القادرين على التمام. وكثير من هذه الجوانب يتصل بمنهج الكتابة واسلوبها. ومن عقابيل النقص فى هذا المقام ان بعض النصوص التى يوردها المؤلف تبدو مرتبكة، حتى لا نقول مضللة، أقرب الى التخليط، بحيث انها ربما قادت الى تشويش القارئ وتغبيش وعيه، بتزويده بمفهومات ومعتقدات لا تواف الحقيقة، بل وتزيغ عن سككها. ثم إن المؤلف يتقاصر فى أحيانٍ كثيرة عن تجويد صناعته البحثية، بحيث يورد حيثياتٍ ضعيفة مترددة غير مكتملة التوثيق. مع ان المعلومات حول الوقائع المتصلة بها متوافرة فى متناول اليد، ومتاحة لطالبيها بغير كبير عناء. وسنعرض من خلال هذه الحلقة، ثم الحلقة التى تليها، لشئ من هذا كله فنلقى ببعض الضوء على صورٍ ونماذج للعلل القادحة التى عنيناها.
(2)
لم أقبل من المؤلف قوله، فى الصفحة 41 من الكتاب، فى صدد التعريض بالتجربة الديمقراطية الثانية وقذفها والتشكيك فى شرفها: (أقر الحزبان الكبيران الحائزان على الاغلبية أن يبدءا الفعل السياسى بامتهان الدستور وتقليل شأنه، بتعديله ليصبح اسماعيل الازهرى رئيساً مستديماً لمجلس السيادة. وكان مثل هذا التعديل هو أسوأ البدايات لنظام ديمقراطى ...). وكمحاضر وطالب فى القانون الدستورى والانظمة السياسية - وقد سلخت سنوات عزيزة من عمرى فى تدريس هذه المادة - وكأحد المهتمين بتاريخ السودان المعاصر، فقد شعرت بانزعاجٍ شديد امام الفقرة المتقدمة كما وردت فى الكتاب. ومن يطالع هذا النص ويقبل به يشترى بضاعة مغشوشة بغير ريب، فالضلال فى متنه يكاد ينطق بلسان!
كل من القى السمع وهو شهيد، من معاصرى تلك الحقبة ودارسيها، يعلم تمام العلم ان السودان اعتمد بعد سقوط حكم الفريق ابراهيم عبود عقب انتفاضة اكتوبر، نظاماً دستورياً مرتجلاً لتنظيم مؤسسة رئاسة الدولة، ورد التعبير عنه فى دستور 1964 المؤقت. وقد جاء تشكيل مجلس السيادة فى المادة العاشرة من ذلك الدستور، مطابقاً تماماً وبحذافيره لما ورد فى نص المادة العاشرة أيضاً من دستور السودان المؤقت لعام 1956. ووفقاً لتلك النصوص فقد جرت الممارسة على اختيار خمسة اعضاء يشكلون معاً مجلس السيادة، ثم يكون تقلد الرئاسة وفق نظام دورى يصبح فيه كل واحد من الاعضاء الخمس رئيسا لفترة عام واحد. وقد جرى التواضع على هذا النظام المؤقت فى اطار الترتيبات الدستورية المتعجلة التى كانت طابعاً لمرحلة استقلال السودان، ثم عادت لتطبع الفترة اللاحقة لانتفاضة اكتوبر 1964. والذى لا خلاف عليه هو ان نظام الرئاسة الدورية كان نظاما انتقالياً طارئاً أملته ظروفٌ وعوامل متضافرة. وبالتالى فان تطور هذا النظام الدستورى باتجاه نظام اكثر ثباتاً وفاعلية واتساقاً مع الانظمة الديمقراطية العالمية المتعارفة كان أمراً متوقعاً ومطلوباً. و ربما كان الدافع الاساسى الذى يكمن وراء تكريس نظام الرئاسة الدورية للمجلس، بعد انتفاضة اكتوبر، يتمثل فى ان الشخصيات الوطنية التى وقع عليها الاختيار لعضوية المجلس لم تكن منتخبة، بل مختارة ومعينة، اذ لم تكن الانتخابات النيابية قد اجريت بعد. وبالتالى فان المنطق يقبل بوجود نظام دورى يتداول من خلاله الاعضاء رئاسة المجلس. أما بعد قيام الانتخابات النيابية، وحصول حزب الرئيس اسماعيل الازهرى على اغلبية معينة، فقد كان من الطبيعى والمنطقى ان يخطو السودان بنظامه الدستورى خطوةً جديدةً واثقة الى الامام، بحيث تكون رئاسة مجلس السيادة رئاسة دائمة لا مؤقتة، وذلك من صلب مقتضيات النظام النيابى الديمقراطى كما اسلفنا. النقلة هنا اذن نقلة دستورية، من نظام طارئ مؤقت الى نظام سيادى قانونى اكثر ثباتاً، يمثل التطور الدستورى السليم المعبر عن الارادة الشعبية كما تحققها الممارسة الديمقراطية الرشيدة. والحال كذلك فكيف يجوز وصف مثل هذا التطور بأنه "امتهان للدستور" و "أسوأ استهلال للديمقراطية"؟! سبحان الله. ما هذه التخاليط والخرابيط؟!
(3)
أزعجنى أيضا - من ذات زاوية التحقيق التاريخى - تحليل المؤلف لقضية دوائر الخريجين فى انتخابات الديمقراطية الثانية عام 1968، مقارنةً مع انتخابات الديمقراطية الثالثة التى جرت عقب انتفاضة ابريل 1985. استنكر اللواء قلندر مبادرة الفئة التى درج على نعتها بصفات مثل: "القوى اليمينية"، و "القوى الناهشة للديمقراطية"، على الغاء دوائر الخريجين فى دورة انتخابات 1968. واضاف فى صدد التفسير بأن غرض "القوى اليمينية" من وراء ذلك كان هو صد انطلاقة اليسار. ثم مضى صاحبنا خطوة واحدة الى الامام فكتب دون ان يطرف له جفن: (بيد ان دورة الزمان من بعد ذلك بعقدين جعلت نفس الذين رفضوا دوائر الخريجين، لعدم ديمقراطيتها، يسارعون باعادتها مرة اخرى عام 1985 لتكون النافذة التى دخلت قواهم من خلالها الى البرلمان). وهذا فى تقديرنا زعمٌ معتل، شديد الاختلال، ربما ألفنا صدوره عن المتعبّطين، الذين يتخطفون القول من هنا وهناك بغير علمٍ ولا هدى ولا كتابٍ منير، ولكنه لا يليق بالعلماء والمحققين وأهل التثبت المنهجى. وقد قيل فى التفرقة بين العلم والقول: (العلم هو الكلام يُرسل بدليله، والقول هو الكلام يُرسل بغير دليل).
القوى التى دخلت بأعداد مقدرة الى قبة البرلمان من خلال دوائر الخريجين، فى انتخابات ما بعد الانتفاضة الرجبية، هى القوى الاسلاموية المتمثلة فى حزب الجبهة الاسلامية القومية. وهم المتهمون بحسب دعوى قلندر بتصفية دوائر الخريجين فى العام 1968. ولكننا نعلم تماما ان الاسلاميين السودانيين لم يكن لهم وجود ذى بال فى الساحة العامة عند ستينات القرن العشرين، بحيث يكون لهم الضلع الأكبر فى تصفية دوائر الخريجين وحذفها، بل انهم كانوا - فى واقع الامر - جماعة هامشية هشة ومحدودة من حيث الفعل والأثر السياسى (لا عبرة بابتدار الاسلامويين للتظاهرات المنادية بحل الحزب الشيوعى عام 1965، فلولاً ان تلك كانت رغبة الزعيم الازهرى وآزرته فيها قيادة حزب الامة لما حل الحزب ولا طرد نوابه من البرلمان). ثم ان الحزب الاسلاموى بمسمياته المتعددة تحت قيادته الترابية كان عبر تاريخه السياسى ينظر الى نفسه كقوة حديثة، لا قوة تقليدية، ومن هنا فقد كانت محاضنها الاساسية فى الجامعات والمعاهد والمدارس. والابقاء على دوائر الخريجين، من الوجهة الواقعية، ربما يخدم بغير شك اغراض ذلك التنظيم على المدى البعيد. وفى المرة الوحيدة التى دخل فيها قائد ذلك التنظيم الاسلاموى، الدكتور حسن الترابى ، البرلمان عبر انتخابات حقيقية حرة مباشرة، وذلك فى العام 1965 فانه لم ير مقعده من البرلمان الا عبر دوائر الخريجين، حيث جاء اسمه على رأس قائمة الفائزين فيها. ولكنه عندما خاض الانتخابات التالية، فى دائرة المسيد الجغرافية، مضطراً بعد الغاء دوائر الخريجين، فانه خسرها خسارة مزلزلة فادحة، امام القطب الاتحادى الراحل الحاج مضوى محمد احمد. واتهام الاسلامويين بأنهم وراء الالغاء لا يصف الحقيقة بطبيعة الحال، والثابت هو ان الالغاء تم على يد الحزبين التقليديين الكبيرين الامة والاتحادى، وليس الاخوان المسلمين.
ولكن من اين اتى صاحبنا بمقولته التى ذهب فيها الى ان الاسلامويين (الذين رفضوا دوائر الخريجين عام 1968 لعدم ديمقراطيتها يسارعون باعادتها مرة اخرى عام 1985)؟! والاجابة بكل بساطة انه لم يكلف نفسه فى هذا الامر رهقا، فهو يشترى هنا البضاعة المعروضة فى السوق. وهي بضاعة منتشرة جداً ومتوافرة بكثافة فى كل الدكاكين السياسية السودانية، سواء فى العالم الواقعى على الارض، او العالم الافتراضى على الانترنت. الاسطورة الرائجة تقول ان ادخال واعتماد دوائر الخريجين فى انتخابات ما بعد ان انتفاضة 1985 هو فى الاساس من تخطيط وتصميم حزب الجبهة الاسلامية القومية بالتواطؤ مع المجلس العسكرى الانتقالى الذى كان على رأسه الفريق عبد الرحمن سوار الدهب، ورئيس الوزراء الدكتور الجزولى دفع الله، المعروف بارتباطات سابقة مع اهل المعسكر الاسلاموى. وفى تقديرى فان العامل الاساسى وراء وفرة هذه البضاعة فى السوق السياسى هو انها اتاحت للاحزاب اليسارية والقوى العلمانية اجمالاً مخرجاً معنوياً مجانياً من حالة الاحباط التى أصابتها فى مقتل عقب ظهور نتائج الانتخابات الديمقراطية، التى وضعت حزب الجبهة الاسلامية فى موازاة اعرق الاحزاب السودانية، الحزب الاتحادى الديمقراطى، من حيث عدد المقاعد البرلمانية تقريباً، بينما وجدت القوى اليسارية والعلمانية انها قبضت الهواء، وان حصيلتها من التفويض الشعبى اقتربت فعلياً من الصفر!
(4)
ماهى قصة دوائر الخريجين فى انتخابات 1986؟! التاريخ المرصود والمدون يقول ان حكومة الانتفاضة، فى اطار دورها المرسوم بواسطة التجمع النقابى والتجمع الوطنى لانقاذ الوطن، قامت بتشكيل لجنة عليا لمراجعة قانون للانتخابات، اختارت لقيادتها السياسى الجنوبى المحنك الراحل صمويل أرو، نائب رئيس الوزراء ووزير الرى آنذاك. وقد ضمت تلك اللجنة فى عضويتها وزير الاشغال العامة الدكتور امين مكى مدنى، وزير الدفاع العميد عثمان عبد الله، والنائب العام الاستاذ عمر عبد العاطى وآخرين. وقد كان الدينامو المحرك لهذه اللجنة هو الدكتور امين مكى مدنى. وعندما فرغت تلك اللجنة من عملها انبثقت منها لجنة اخرى ترأسها الدكتور امين مكى مدنى نفسه كانت تحمل مسمى (لجنة تقصى وجهات نظر القوى السياسية حول مشروع قانون الانتخابات). وقد قامت تلك اللجنة بتوزيع مشروع قانون الانتخابات على جميع الاحزاب والتنظيمات النقابية المكونة للتجمع الوطنى لانقاذ الوطن، بالاضافة للقوى السياسية الاخرى، خارج مظلة التجمع، مثل حزب الجبهة الاسلامية القومية. ثم شرعت اللجنة فى عقد سلسلة لقاءات مطولة مع ممثلى جميع الاحزاب والنقابات، فاستمعت الى وجهات نظر كل حزب وتنظيم حول مشروع القانون. ومن المهم ان نسجل هنا ان كل هذه الاحزاب والتنظيمات، بما فيها الحزب الشيوعى السودانى والجبهة الاسلامية القومية، قدمت نسخاً مدونة فصلت فيه وجهات نظرها تلك حول القانون. وجميع هذه الوثائق والمدونات مؤرشفة وموجودة فى الحفظ والصون. هل تصدقنى، أعزك الله، لو قلت لك انه باستثناء الحزب الاتحادى الديمقراطى الذى تقدم ممثلوه، بقيادة الراحل ابراهيم حمد، للجنة بمذكرة مكتوبة ينقل فيها عدم موافقته على فكرة تخصيص دوائر للخريجين، فان حزباً واحداً، او تنظيماً واحداً آخر، لم يعترض على تخصيص تلك الدوائر فى قانون الانتخابات، باستثناء حزب الجبهة القومية الاسلامية؟!
أى والله! أعلن ممثلو الجبهة الاسلامية القومية، أمام لجنة تقصى وجهات نظر القوى السياسية حول مشروع قانون الانتخابات، ان خيار حزبهم الاساسى هو الانتخابات على نظام الدوائر الجغرافية، وهم يطالبون بأن تقوم الانتخابات على هذا الاساس فقط. وعند فتح المناقشات اوضح بعض اعضاء اللجنة لممثلى الحزب الاسلاموى ان هناك اتجاهاً قوياً وسط قوى الانتفاضة لتمثيل القوى الحديثة وان بعض الاحزاب التقليدية، مثل حزب الامة، لا يرفض تمثيل القوى الحديثة من حيث المبدأ، ثم توجهوا اليهم بالسؤال: ماذا لو انعقد ما يشبه الاجماع على تمثيل القوى الحديثة؟ اى صيغة تفضلون؟ وكانت هناك صيغ ونسب متعددة، شديدة التعقيد، مطروحة على طاولة البحث تتراوح بين نسبة تمثيل تصل الى خمس واربعين فى المائة (مقترح التجمع النقابى) وعشرة فى المائة، اقترحتها احزاب اخرى. وذلك بالاضافة الى صيغة ثالثة، كان قد تقدم بها الحزب الذى كان قد انشأه الاستاذ على محمود حسنين باسم الحزب الوطنى الاتحادى، تمنح القوى الحديثة خمسين فى المائة من المقاعد. وهنا كان قرار ممثلو الجبهة الاسلامية، هى انهم يختارون الصيغة التى تحجّم اى تمثيل غير جغرافى الى ادنى حدوده، ومن هنا كان اختيارهم لصيغة دوائر الخريجين التى تقتصر على 10% فقط من المقاعد. وفى تقديرى الخاص، ثم من قراءاتى للأدبيات التى أتاحها، خلال العقد المنصرم، عدد من الذين عنوا بالكتابة عن سياسات وبرامج وممارسات الجبهة الاسلامية القومية من بين أعضاء ذلك التنظيم، فأن المخططين الاستراتيجيين للحملة الانتخابية للحركة الاسلامية فى انتخابات 1986 كانوا يخشون فى الاساس من تضاؤل كسبهم فى القطاع الحديث اجمالاً بسبب اتساع نطاق النظرة السلبية بين صفوف المتعلمين وغضبتهم والميل الواسع بين هؤلاء الى تحميل الحركة الاسلاموية مسئولية إطالة عمر نظام النميرى والوقوف ضد ارادة التغيير الديمقراطى. ومن هنا فقد كان التعويل الاكبر على الدوائر الجغرافية حيث يمكن توظيف الموارد المادية والبشرية فى التأثير على عامة الناخبين بصورة اكثر فاعلية.
(5)
كيف تم اتخاذ القرار بتخصيص واعتماد دوائر الخريجين فى انتخابات 1986؟ أناط دستور 1985 الانتقالى السلطة التشريعية بكيان مشترك يجمع بين المجلس العسكرى الانتقالى ومجلس الوزراء. وعند عرض مشروع قانون الانتخابات لمناقشته واجازته فى صورته النهائية عقد المجلسان اجتماعاً مشتركاً بالقصر الجمهورى. وقد وقف حمار المجلسين يومها عند عقبة تمثيل القوى الحديثة والخريجين والصيغ والنسب المتعددة المطروحة. لم يستطع اى شخص فى ذلك الاجتماع ان يقدم دفاعاً منطقياً عن الصيغ غير الواقعية، الأقرب الى الخيال، التى اقترحها التجمع النقابى، مثل تخصيص 45% فى المائة من مقاعد البرلمان للنقابات. وكحل وسط، وفى غياب بدائل معقولة، انتهى الاجتماع الى تغليب خيار دوائر الخريجين، بالنظر الى وجود سابقة تاريخية لمثل هذا النوع من الممارسة الانتخابية فى السودان. وتهمنا هنا الاشارة الى ان عدداً من اعضاء مجلس الوزراء، الذين اختارهم لمناصبهم التجمع النقابى قاموا هم ايضاً بالتصويت الى جانب مقترح دوائر الخريجين. أما رئيس وزراء الانتفاضة، الدكتور الجزولى دفع الله، الذى ما تزال الاقاويل المجانية تحدق به وبموقفه من قانون الانتخابات، وتتهمه بالتواطؤ مع حزب الجبهة الاسلامية لتمرير مخططاتها المزعومة، فقد كان امره عجبا. كان للدكتور الجزولى دفع الله بازاء الأمر موقف مبدئى وهو ان الديمقراطية عند الممارسة الانتخابية معناها صوت واحد لكل مواطن، وان اى تحوير لهذا المبدأ يثير الشكوك فى حقيقة الديمقراطية وتمامها. ومن هذا المنطلق لم يوافق الرجل على فكرة دوائر الخريجين التى تميز بعض المواطنين، تأسيساً على مستوى التعليم الاكاديمى، فتمنحهم صوتين، بينما ينال عامة الناس صوتاً واحداً لكل فرد.
كانت المفاجأة ان الدكتور الجزولى ذكر امام ذلك الاجتماع التاريخى ان افضل مقترح اطلع عليه ضمن مقترحات كل الاحزاب والتنظيمات والقوى السياسية هو المقترح المقدم من الاستاذ على محمود حسنين رئيس الحزب الوطنى الاتحادى، من حيث انه يحقق تمثيل القوى الحديثة فعلياً، كما انه فى ذات الوقت يحل المعضلة الحقوقية الدستورية المبدئية، المتمثلة فى التمييز بين المواطنين، على اساس مستوى التعليم، حلاً ناجعاً حاسماً. أما مقترح الاستاذ على محمود حسنين فقد تمثل فى ان يكون لكل مواطن سودانى صوتان بدلاً عن صوت واحد، وان يدلى كل مواطن بصوته الاول فى دائرة جغرافية، بينما يدلى بالصوت الآخر فى دائرة للقوى الحديثة او الخريجين. وكان التعب العقلى والارهاق الجسمانى قد بلغ بالضباط والوزراء مبلغاً لم يكونوا معه فى حالة تسمح بالنظر فى مثل هذه المقترحات الكبرى فلم يحرك احد ساكنه. وما هى الا هنيهة بعد ذلك الا وقد نودى على الحاضرين للتصويت على المقترح الوحيد الذى يقف على ساقيه، وهو تخصيص دوائر للخريجين بنسبة لا تتجاوز 10% من مقاعد البرلمان. وقد تمت عملية التصويت برفع الايدى، والموافقة بالاغلبية البسيطة على تثبيت دوائر الخريجين. ولا تراود كاتب هذه الكلمات ذرة شك فى ان صدور قرار اعتماد نظام دوائر الخريجين كان نتيجة منطقية وحتمية لاصرار فريق واسع من القوى الممثلة فى التجمع الوطنى لانقاذ الوطن، وبصفة خاصة قوى التجمع النقابى آنذاك على تمثيل النقابات والقطاعات الحديثة والمتعلمين، وفشلها فى ذات الوقت فى طرح وتسويق بدائل عملية لانفاذ ذلك المطلب.
وربما كان من المهم ان نسجل هنا ان الدكتور الجزولى دفع الله، لم يشارك فى ذلك التصويت، بل انه امتنع عن التصويت فعلياً، اذ غادر القاعة وانتظر خارجها حتى اكتملت عملية التصويت، ثم عاد ليواصل الاجتماع. ولعل ذلك الموقف يعبر عن عدم رضا الرجل عن المسار الذى اتخذه وانتهى اليه قانون الانتخابات، او الارتباك العقلى الذى ربما كان قد اصابه فاستعصى عليه التوفيق فى التوصل الى رأى نهائى يستقر عليه ضميره ويطمئن وجدانه. ولكن التفسير القويم والقاطع لذلك الموقف المدهش ليس عندنا، بل عند الدكتور الجزولى وحده، فهو موقفه، وهو الوحيد القادر على تفسيره!
(6)
هذا هو ما كان من امر اسطورة دوائر الخريجين فى انتخابات 1986، ونظريات المؤامرة المنسوجة حولها نسجاً متيناً احكمت فتلاته من كل انواع القطن السودانى طويل التيلة. وذلك ما كان من شأن التخاليط والبدع التى ظلت تحيط بها، على مدى ربع القرن المنصرم، خدمةً لأجندةٍ خائبة. وما أخيب الاجندة التى تضلل الناس، وتغبش الوعى بحقائق التاريخ، ستراً للسوءات ولواذاً من مواجهة الذات. وقد غمس اللواء قلندر قلمه فى محابر تلك النظريات التآمرية المتنطعة، واغترف من مدادها بغير حساب، ثم خاض مع الخائضين. غفر الله له، ولنا جميعاً، وجعلنا من عباده المتقين، الصديقين، المتواصين بالحق، والهمنا رشدنا، ووقانا شرور انفسنا، وتقبل عنا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا، انه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء.
[ نواصل ].

نقلاً عن صحيفة " الاحداث" - 13/10/2010


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1837

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#34021 [عادل]
0.00/5 (0 صوت)

10-13-2010 03:26 PM
شن معناك
وشن كسب الرجاك ورجاك
وشن راجنو من تالاك
زمنك كلو تاكل بارده ماضق شر
زمنك كلو نحن نعوم وانت تغني ماسك البر
وزمنك كلو فوق الفارغه فوق ريح المدن منجر
*******************
لا ادري لماذا وانا اقرأ هذا المقال (السلسله) لم يخطر بذهني غير تلك الابيات
علي العموم مشكور استاذنا وانت توثق لفتره من تاريخ السودان عبر قراءه نقديه تاريخيه لكتاب جلندر وعليه لك جزيل الشكر


مصطفى عبد العزيز البطل
مصطفى عبد العزيز البطل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة