المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سيدي الشاعر الفيتوري : نَم هانئاً
سيدي الشاعر الفيتوري : نَم هانئاً
10-07-2012 11:48 AM

ً سيدي الشاعر الفيتوري : نَم هانئاً

عبد الله الشقليني
[email protected]




( تأملتُ الطبيعة ملياً ، فوجدتُ فيها شيئاً لا حد له ، ولا نهاية له ، شيئاً لا تمحوه دموع الخريف ولا يميته حزن الشتاء ، شيئاً يتجلَّد ، فيحيا في الربيع ، ويثمر في الصيف ، .. وجدتُ الحُب )

"دي موسيه "
*
بالشعر وحده يخلُد الإنسان.
مثلك عاشق حكيم وطاه ماهر ، تعرف ضبط حرارة النار في زمن الصقيع وتعرف مائدتك دسم الكلام ووجع التاريخ ونضار الحاضر .
أن يعرف الشاعر الطريق وسط الفوضى . أن يدلي بحُدس صافٍ كيف الدنيا والناس فيها والأرض وسحنة الأوجه وألوان الموسيقى وإيقاعات المروج التي تذوب فيها الهوية . يأتي صاحبنا من وراء قرون اللغة ، يُجدد قلبها العجوز ، ويضخَّ السائل الأحمر حيث الخطر الأكبر .
*
كنت في وجداننا الباكر صباحاً وضحى ضاحِك ، ولم تزل في مُقبل أيامنا قمراً أخضرَ بالفأل . توزِّع أزهارك الرطبة في بلاد الشمس التي تُحدِّق في الأجساد والناس والشجر والحجر. عَرِفتْ موهبتك اللغة العربية وأخذت نُجومها المتألقة من المدارس القرآنية في فجر انزوائك على الطّرْق المتألقِ بلا كلل. تَطرُق عليها أوجاعك ، فتلين الأمشاج .
*
من تلك الينابيع الفتية الباسمة ، نبت طير الشعر مُحلقاً في كل الفضاءات . أحنى الدهر على صقرك الراحل في عُمر الفراغ . حجز لنفسه في المكان العالي ، من فوق السُحب البيضاء ، تهوي إلى الأرض لتُبسطها سجادة خضراء . فكنت الشاعر الذي يُمسك بشجرة الأسئلة الكُبرى ، تُلقي علينا فلسفة في اجتماع الحُلم في بطن الواقع .
*
لك الشفاء ، كاملاً ، مُجلجلاً بالسلامة . ليعلو صوت صدرك بأنفاس المحبة التي فرَّقتَ رياحينها علينا في طفولة معرفتنا باللغة الناضرة ، التي جسرت بيننا وبين فكرتُك الكبرى،وهي تتبدى راقصة في الأحرف المطبوعة بالفرح الذي يُطبطب على أكتاف الحُزن القديم.
*
لك سيدي العُمر المديد بعنفوان الصحة ، وليل الأغنيات التي صدحتَ بها في صدر الأمة عند كل انتفاضة ، فكنتَ جناح أفراحها المرفرفة ، يستحيل المخاض العسير في كأس الفرح . لك العُمر المديد ، ولوطنك الذي يخرجُ من كهف الجراح إلى أخدود ، خطوته إلى الظلام . فبِكَ نُبصر الطريق ، وبعافيتك يكون لنا الحلم أرجوحة السماء تُمسك بالقمر وترخي جفونه لفرح قادم وأنت تُغادر السرير الأبيض.
*
بالشعر وحده يخلُد الإنسان .

بالشِعر وطعم العافية التي منحنا لها الشاعر الفيتوري ، عندما كانت الثورة الأكتوبرية خضراء من زغبٍ ينبُت على سطح الأرضِ. اختار أبسط الكلمات وأنبل المعاني فكتب:
*
أصبح الصبحُ
وها نحنُ مع النور التقينا
التقى جيل البطولات
بجيل التضحيات
أبداً ما هُنتَ يا سوداننا يوماً علينا
*
لم تهُن يوماً سيدي. كان الوطن سلاسل قيدك حين أحببته .وكان العشق هو المنبع لنيل شاعريتك ، ترمي بجدائل مائه العذب إلى البحر .
*
هذا الأسد الرابض في الفيافي ، وحده لا نظير له في الشِعر ولا الشاعرية . سيدٌ في ديوان الشِعر العربي . يحمل الصولجان الذي لا تأكل منسأته دابة الأرض ، ولا يذبل زهره . مَلَكَ الطيرَ والريح والصحراء والغابة والحجر . جرجرهم إلى علياء مفرداته الشعرية . هذا يوم من أيام الوفاء ، وضاحية من ضواحي النفس نفتح بوابتها لأرض تسترجِع بكارتها حين يكون الشاعر بيننا داخل بيتٍ ، تدخل فيه الشمس ناعسة الجفون .
*
ألف سلام عليك عند مطالع الفجر المُخضب بالدماء . إلى الشمس تُغسل أيامنا من درن الليل البهيم الذي أغشى أعيننا بظلامٍ دامس . وغيمة سوداء تُظللنا بلا وارد ماء ، ولا نُذر تُبشر بالخير . في هذا الزمان يتوقف التاريخ برهة ظلامية يستريح عندها الطغاة . وتَطمر الأرض رياحينها وأجساد المحبين في زمن اليُتم اللئيم . من تلك اللُجة نُمنيك بحُلم الشفاء ، كي ترسم في شفاهه الزرقاء قصيدةً ، أغنيةً جديدة ،لأجيال قادمون من أرحام نديَّة لا تذبُل .

عبد الله الشقليني
5/10/2012





تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1266

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#484625 [بشير الحاج البشير]
0.00/5 (0 صوت)

10-07-2012 05:54 PM
تبقي الاشجار السامقة سامقه وإن تنازعتها اعاصير الكبر فهي قوية بصمودها وشامخة بما قدمت وباقية رغم أنف المحن وتجاعيد الزمن هكذا المبدوعون هكذا الصامدون عشت للعز والكرامة صنواً فما لنت لجبار ولم تطأطأ راسك لمستبد (أبداً ماهنت ياسودننا يوما علينا بالذي أصبح شمسا في يدينا ) عش أيها الشامخ في حدقات عيوننا والي الابد.


#484529 [Siddiq]
0.00/5 (0 صوت)

10-07-2012 03:19 PM
لغة رفيعة تليق بقامة الفيتورى ياشقلينى يارائع


عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة