المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قراءة في قصة (طفولة صبيحة الغد) لعبد الغني كرم الله
قراءة في قصة (طفولة صبيحة الغد) لعبد الغني كرم الله
10-14-2012 08:25 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في قصة (طفولة صبيحة الغد) لعبد الغني كرم الله ...

عروة علي موسى
[email protected]

أمرت أمي، أخواتي الصغار بالخروج من الغرفة، والغناء في حوش الدار، لعرس وهمي، وعلى طبل من جالون شل، والعروس سارة، والعريس هبة، بمقدور أخواتي ان تتزوج البنت بنتا، وتلد بعد دقائق من العرس فارسا، لا يشق له غبار..
غرفتي بعيدة عن سعال حبوبتي، وقريبة من غرفة اختي الكبرى «حديثة الولادة»، والتى اختزل وليدها كل اللغات في البكاء فقط، سواء أكان جائعاً، ام عطشاً، أو يريد الغطاء، أو حتى فرحاً وعلى أمومة أختى ترجمتها كما ينبغي، وبسرعة البرق، فهو لم يتعلم الصبر بعد، كأمي.
خرست الدار بأوامر أمي، «أمي تحلم بدكتور بهي الطلعة»، ولكن لم يخرس نباح الكلام ونهيق الحمير، وطيف آمنة،وهو أخطرهم جميعاً، ونقّاط الزير، والذي يثير كنه الوقت، بإيقاعه الموزون، مستغلا عتمة الليل، وسكونه...
وضعت أمي فانوس الزيت وسط الغرفة، ألسنة اللهب تتراقص مع النسيم الواهن، والذى يدخل من النافذة، وكأنه يتكاسل من الذهاب لباب الحوش البعيد، مثلي، رغم جبروتها، وقدرتها على إلتهام حقل قمح كامل، كما فعلت في عام تعيس لمخزن خالي دفع الله، تستسلم للنسيم رغم حرارتها القبيحة، ومع هذا لم ينفر منها النسيم، كم تنفر أناملي حين تحرقني على غرة، ويظل مهيمنا عليها، لا يريد ان يقتلها، يتلاعب بها كغزال ولبوة، وهي راضية، ويظهر هذا في رقصها المستسلم، ومعهما يرقص ظلي على الحائط الطيني الخشن، تمتد أنفي حتي الركن، بل تنحني مع الركن، وكأنها تريد ان تشم أي تمرة مخفية، أو طحنية، ومع هذا لم أحس بألم، من تمطط أنفي على حائطنا الطيني، ولكن فانوسنا الزيتي مهجساً بهذه الرسومات السريالية..
تتموج الظلال على صفحة كتاب الجغرافيا، كنت راقداً في السرير، هذه عادتي في القراءة، أمواج من ضوء تتموج على صفحة الكتاب،وبين السطور، نار ونور، كما يلد عصب الحيوانات موسيقى، ضوء شاحب، يحاكي ضوء القمر، جعل غرفتي كمعابد الهنود، مناخ ديني عميق، خلقه نور الفانوس الزيتي، خوف لذيذ، أشبه بخوف الراهب من غرائزه النائمة والظلال التى تختبئ من لهب الفانوس، تتراقص الظلال، في لعبة الاختباء، بسرعة وذكاء، كي لا يراها اللهب، وللحق لم ير اللهب الظلال على الإطلاق، كما لم نر العدم في حياتنا، رغم جري خيالي خلفه طوال الليالي، كل الاشياء تلعب لعبة الاختباء، في ظلالها على حائط الاوضة، وعلى ارضيتها الترابية، ظلال علبة السكر، وبرطمانية الدلكة، والراديو، وترسم اشكالاً غريبة، لم تحلم بها ريشة بيكاسو..وعيون اللهب لم تر الظلال الذكية، الماكرة، حتي الآن..!!
الصفحة «63» من كتاب الجغرافيا، بلا غلاف، متآكل الأطراف، مزخرفة صفحاته ببقايا طعام، وزيت وطحنية، وشعيرية جافة، علقت كالدودة، الصفحة الأخرى مطوية، وممسك الكتاب بيدي اليسرى، واليمنى تحت رأسي، يبدأ الكتاب من الصفحة «17»، وينتهي في الصفحة «113»، والصفحة «17» تتخذ شكل المثلث، كل سطورها ناقصة، ما عدا الأخير، أما الأول فيبدأ بحرف واحد، «ك»، والسطر قبل الأخير ينقصه حرف واحد، أطراف الكتاب منفوشة، حين اضعه على المخدة يبدو كهرم مقلوب، ولكني دائماً ما اضعه تحت المخدة، خوف ان تلتهمه معزتنا الجائعة، القلوب والاسهم التى تخترقها، تملأ اغلب صفحاته، واسماء ثلث فتيات الحلة مدونة عليه، لست انا المجرم،وإن اضفت اسم «آمنة»، في وسط القلب، والسهم يخترقه، وثلاث دمعات حارة، ورب الكعبة، خفت أن تثقب صفحات الكتاب كلها، ولكني خير خلف لخير سلف، بل هناك اسماء فتيات مكتوبة بصورة طفولية، وفيهن من تزوجن، وانجبن، وتطلقن..
«خريطة نهر النيل، المنبع الى المصب». نهر النيل، قريتي تنام وتصحو وتلعب وتبكي وتفرح على ضفافه، يبدو كخيط رهيف، يتعرج من أسفل الصفحة حتى أعلاها، حسب حبه للوهاد، وخوفه من الجبال والتلال، ليس بمقدوره ان يتسلق الجبال كالقرود، ولا أن يطير كالصقور، ولكنه يحبو مثل «سعد ابن اختي الصغيرة، المزعج». والمدن الكبيرة تبدو عبارة عن نقاط سوداء «جوبا ملكال كوستي الخرطوم عطبرة دنقلا، مدني» لا أثرلقريتي، أحسست باضطهاد ما، وبغرور يحتضر، وبخوف من السماء.
حين خرج النيل من يوغندا، هل كان يعرف وجهته، قاصدا أهله مثلاً؟ أما كان يتسكع كمتشرد، جاعلاً من المشى وسيلة وغاية، كالشعراء، هل كان يعلم؟ أو يحس بحدسه المرهف، بأنه سوف يلتقي بشقيقه النيل الأزرق في مقرن الخرطوم، أم كانت مفاجأة سعيدة، جعلتهما يلتحمان في حضن سرمدي، يجرى يسارا، ثم يعود، يميناً ثم يعود، يبحث عن شئ نفيس ضائع، ذهب أم قبر ولي أم شجرة سماوية، كي يقيل فيها، ويروي جذورها السعيدة، هل كان يدرك بأن الخرطوم ومروي ستشيدان على ضفافه، وحقل خالى دفع الله يروى منه، وعباس ابن خالي، سوف يغرق فيه، وأدريس يتوضأ فيه، نعمة ونقمة، حين يثور، يبدو كثور، لم يقتل، كملاك الموت، عاقلا، بل مبشراً بالجنة، بل يعيش فيها، من الذى قتل عباس، النهر أم ملاك الموت، أم هما شئ واحد، هل خرج ملاك الموت، الساكن في الجنة الى الأرض كي يغرق عباس، وجاء للارض، فارق جنته، أم الجنة بداخله، تبدو لي، ان الجنة بداخله، لأنه خالد فيها أبدا، نعم ملاك الموت عاقل، وحكيم، ورحيم، ولهذا يسكن الجنة.. حتى تلك التى بداخله، إنه رحيم، رغم تلوثه بالدماء، وإلا لما سكن الجنة، خالدا فيها أبدا..
دائماً النيل يخرجني عن مذاكرتي، ويجعلني احب الشعر، أكثر من كل الاشياء، أمي حريصة علي، وأنا حريص على غريزتي، أود ان اطير، وأحلق، وأدخل المقابر، واتكلم مع العصافير، وأنام مع جذور الاشجار، وأمي تريدني مجرد دكتور، محاطاً بمرضى، ويملأ أذنيه العطاس والانين والسعال.
صوت الجالون، بل الطبل يخرجني من عالم الداخلي، كعادته كل مساء، يعلو صوت الجالون، الطبل الحديدي، فقد خرج الفارس، من خيال أخواتي، كي يلعب معهن، يتصارعن في الزواج به، سارة وهبة ورشا، يخرج صوت الفارس من فم رشا:
اريد الزواج من سارة!!
تغضب هبة، وتضرب وجه الفارس، وجه رشا، فيبدأ العراك والصراخ، حقيقة لا مجازاً فتصرخ أمى من وراء الحجرات:
اسكتوا يا بنات، مدثر بذاكر!!
ويبدأ العرس الوهمي مرة أخرى، ويعلو صوت الجالون الحديدي، وهذه المرة الغناء من اجل الغناء، أنهن اعضاء بارزات في مدرسة «الفن للفن»..

تصرخ أمي، وتعصى اخواتي، بل لا يسمعن صراخها مع ضجة وهرج العرس اليومي، وللحق، لا أحد يخاف من أمي، وخاصة أخواتي، وأنا.
اسكتو يا بنات..
أمي لا تعرف، ان طيف آمنة بداخلي، أعلى وأغلى وأحلى، من أصوات اخواتي، العاريات، الجائعات أغلب الاوقات، النائحات، في فرحهن، حياة متمسكة بقشة القوت، كي لا تنقرض كالديناصورات، كثقافة شفوية عظمى، ابتلعها فم الزمن، ذلك الماحي العظيم..

فجأة يخرس المكان، تنتهي اليقظة ويبدأ النوم عند أخواتي، بلا نزاع، كحائط كبير أبيض وأسود، وخط مستقيم يفصل بينهما، بين اليقظة والنوم، وكأن اليقظة أخذت حقها كاملاً، وآن للجسد ان ينام، كما يطفأ النور، هكذا تتلاشى اليقظة، كالنور، ويعم ظلام النوم، بل ضياء النوم، فتغرق اخواتي في نوم هنئ، في فسحة الحوش، على اديم الارض، وظل الجالون واقفا، بعد ان فقد روحه، كان طبلا، يوزع وينفخ الموسيقي في جسد الدار الفاترة، تصل ايقاعاته الى الفئران والدجاج والماعز، فتحس بأنس، ويقشعر جلدها له.. وقرونها..

لم يعد سوى جالون، مطفق، مهترئ، بردت اطرافه، من فراق ايدي اخواتي الغضة، والتى تنفخ فيه الروح كالمسيح، بل أنضر، وأخضر.
بيوتنا، نبتت كالنيم من الأرض!!
النهر يجري من أسفل الضفة الى أعلاها، حفر مجرى طويلاً، بلا طورية أو كوريك، كم قويةرقة الماء، ألم تقتل رقة عبلة، عضلات عنتر، لا أثر للتراب على ضفافه، هل ألتهم التراب؟ أم جرى به في بطنه، كحامل، وألقى به في البحر القصي، هل زحف نحو الخرطوم كي يطوقها، بل الخرطوم لم تكن، حين كان، «أين كانت»، اقشعر جلدى، حين محي الخرطوم وقريتي من الذاكرة، وتخيل مكانها غابات كثيفة، وكان النيل يجري لوحده بينها، يا له من زمن، يمحو ويثبت، منذ بداء الزمان، كالارقام، لا نهاية له، ولا بداية..
***
توقظنا الشمس، بعد ان ايقظ الديك، أمي في عتمة الليل، إن كانت حقا قد نامت، وللحق، لم أر أمي نائمة، كنت انام وهي صاحية، واصحو وهي صاحية، بل كثيرا ما كنت اصحو، في منتصف الليل، كي اتبول، فاسمع صوتها «أولع ليك الفانوس»، فأرفض، لأني اعرف طريقي بضوء الذاكرة، وخلال عتمة الليل، تبدأ وردية البول، فتصحو اختي، ثم رشا، ثم سارة، حتي صياح الديك، كنت اتمنى أن اسبق امي في اليقظة، أصحو قبلها، ولكن هل «يسبق الغزال قرنيه»؟
**
تخرج اختي رشا من الدولاب، وأخرج أنا من تحت العنقريب، والنسيم المحمل برائحة الجرير من النافذة، حين نسمع صوت أمى:
- الفطور جاهز..
عبد الغني كرم الله ،،،

القراءة :
إن السرد في مثل هذه القصة هو مساحة ما اختزلته الذاكرة الفردية المتقدة مما عايشت في فترة ما ، فكانت تلك الذاكرة بمثابة المحفز ، والدافع إلى تسجيل مخاضها (سرداً ) أو وصفاً لمشاهد تنتمي إلى حقب مختلفة وأزمنة بعيدة نوعاً ما. (فتهبش ) الماضي وتدغدغ الدواخل بما لها من قدرة على إجبارك للتوقف لحظة لمراجعة هذا الحدث أو ذاك ..
قصة (طفولة صبيحة الغد) قصة يمارس فيها عبد الغني كرم الله قدراً كبيراً من السرد المستند على ما اختزله القاص في ذاكرته لمشهد يومي عاشه في صباه .. مشهد يتكرر في كل البيوت السودانية بنفس الطقوس المتشابهة إلى حدٍ بعيد ، ولكن الأمر عند عبد الغني جد مختلف ، فها هو يخلق لنا من ذلك دوحة غناء من سحر البوح ، وشفيف العبارة ، فيغلب عليك هذا ولا تقدر فكاكاً إلا أن تواصل السير في القراءة وأنت تحس بأنك تعايش تلك المشاهد على شاشة عرض .. لا شيء هنا يعدم ذلك .. النيل والدار والوالدة .. والصبية .. والليل .. والنسيم .. والغناء العذب .. وشوشة الريح للسراج .. وفوق هذا وذلك تقبع هناك في الدواخل (أمنة ) ..
عبد الغني كرم قاص ارتبط إلى حد كبير في كثير من أعماله القصصية على مساحة ما احتوته ذاكرته الفردية من مخزون ، فأجاد في ذلك ووظفه ليكون بمثابة المحرّك والدافع من أجل إحداث نوع من الموازنة في وظائف السرد الممتع والشيق . . وكما يقال : ( إن ـ السردية ـ بجدليتها الداخلية قابلة لكشوفات الذات ورؤيتها ) .
لذا نجد أن عبد الغني قد استفاد من هذا كثيراً وكشف لنا عن ذاته ورؤيته للحياة كما في هذه القصة ( طفولة صبيحة الغد ) . فهي من قبيل تجسيد صراع الذات مع الواقع المعاش ، ومحاولة الانعتاق منه ، ويتجلى هذا في وصف الدار الطينة ، ونصب الأم ، وكدها ، وهزال الأخوات ، ومع ذلك يخلقون الفرخ .
إذاً هذا هو التململ للانعتاق وصراع الذات مع الواقع المعاش .
فالقاص عبر ذاكرته السردية المتوازنة، استطاع أن يجسد لنا الزمان والمكان والشخوص . فكل هذه العناصر أشبعها القاص جيداً ، ففي الزمان ارتبط النص بماضيه الخاص ولم يبتعد عنه وعن أحداثه ، وكان هذا أيضاً واضحاً في عنصر المكان فقد كان معززاً بحميمة جعلت منه مكاناً لكل من يقرأ ويتابع ، واختار لمفرداته بما يتناسب مع وعي الشخصيات (الأم وانحصار دورها في التوجيه المرن / والصبية يمارسن الغناء والضرب على الجالون ) فجاءت العناصر الثلاثة متوازنة بشكل فني يدل على مقدرة القاص على التوظيف ووعيه في ذلك ، فجاء ذلك معتدلاً دون شطط ..
يمكن القول إن القاص اعتمد على حركة الذاكرة في تأسيس حراك القصة ، فمكنه ذلك من قيادة شخوصها وأزمنتها (رغم قلتها وقلة ما صدر منها ) ، ولكنه اتخذ منها مجالاً لاستطراد الذاكرة ، وعرض أجندة الواقع المعاش في ملأ فراغات النص ، فكشف عن مجموعة تصورات ورؤى آنية أسهمت في الصياغة وانكسار الرؤى باتجاه ابتكار صورتها الدلالية ، فترى النص حميمياً كأنه ظلال الصيف في بلادي قبيل المغيب !
يضاف إلى هذا ثمة محاولات عكسها القاص في مجال معايشة الواقع وشظفه ، وأمل الأم في غدٍ واعد ، ومع ذلك حافظ على مجرى الواقع في النص بقدر ما كان هذا سنداً معرفيا ً ساهم في توسيع رؤى القاص ، فالنص غني بتعدد النظرات ، وزاخر بالتنوع والمعرفة بالأشياء والظواهر التي قد تبدو غير ذات أهمية ، ولكنها عند القاص لها مكانة كبيرة ، فحدثنا عن : حريق مخزن خاله دفع الله ، وعن مجرى النيل ، وغرق ابن خاله عباس فيه ، فجاء السؤال كما هو في ذلك الزمن البريء : (من الذي قتل عباس، النهر أم ملاك الموت ؟!) هذا السؤال وغيره ، كسؤاله عن نشاط أمه المعتاد (أتمنى أن اسبق أمي في اليقظة، أصحو قبلها، ولكن هل «يسبق الغزال قرنيه»؟ فكل هذه الأسئلة فادت القاص للغـور في ملكوت واقعه المعاش وشظفه !
وثمة أمر أظنه مهماً هو وصف القاص (للجالون) الذي كانت الصبية يضربن عليه ، فتراه يقول : (كعادته كل مساء، يعلو صوت الجالون، الطبل الحديدي، فقد خرج الفارس، من خيال أخواتي، كي يلعب معهن ) وعندما يأتي المساء ويخلد الجميع للنوم (إلا طيف أمنة) نجد القاص يصف الجالون كما يلي : (وظل الجالون واقفا، بعد أن فقد روحه، كان طبلاً، يوزع وينفخ الموسيقي في جسد الدار الفاترة، تصل إيقاعاته إلى الفئران والدجاج والماعز، فتحس بأنس، ويقشعر جلدها له.. وقرونها..) هنا يحاول القاص أن يوجه سؤاله المشحون بالاستغراب والاستنكار : هل يحلو الوجود من غير هذه الضوضاء ؟ فهو يشير إلى حياة الواقع بوجود المجتمع ، وإلى موت الواقع بالخلود إلى النوم ، وكل هذا جعله القاص عـبر حركة الرؤية وفعـاليتها. فهي نوع من إقامة الدليل لهذا الاعتراض. وحين يجسِّد خاصية رمزه المتمثل بالجالون ، إنما ليؤكد الفعـالية الذاتية وأن قلة الحيلة لا تعدم الناس المرح والفرح والسرور ولو عبر جالون ، وهنا يطلق القاص الرمز عـبر الموقف الوجودي الآني ليقول لنا إن الذات الإنسانية وبما حباها الله من مقدرات ، ورغم قلة مصادرها لها القدرة على عـلى تحريك الواقع ، فيذهب القاص إلى خلق صورة طفولية برئية عندما يتفتق ذهن الصبية عن فارس يريد الزواج من هذه ، وتغضب تلك ، ألم يجعل الطيب صالح من ( مريوم) نداً لأقرانها وجعلها تبزهم ؟! تلك قصة أخرى ...
فالقاص بسرده الخلَّاق جسَّد لنا تطوراً في الرؤى وتداعياً في اللغـة فنمت شعـرية السرد ، وقد ألمح القاص إلى ذلك عندما أشار إلى أن النيل يخرجه من مذاكرته ليقول لنا (دائماً النيل يخرجني عن مذاكرتي، ويجعلني أحب الشعر، أكثر من كل الأشياء ) . فهو هنا يشير في خُفية إلى تبخر حلم أمه التي كانت تتمنى أن تراه طبيباً ، فيقودنا ويقود إحساس أمه إلى الخيبة واليأس من تحقيق حلمها (حلم طبيب أغراه النيل فعشق الجفرافيا ) ولكن تبقى لنا ظلال ما جاد به هذا القاص من فيض سردي في كل ما كتب هي السلوى لنا بأننا خسرنا طبيباً نعم ، ولكننا كسبنا أديباً نادراً ما يجود الزمان بمثله فهنيئاً لنا به ، ليت (الحاجة بنت المنى، بت العوض عدلان ) تكون قد أدركت ذلك الآن.
هذا بعض مما توصلت إليه من خلال قراءتي لهذه القصة ، رغم يقيني أن ثمة أموراً تطرقت لها القصة ولم أطرق بابها .. وهذا يعني أن ما لم تدركه قراءتي يترك الباب مفتوحاً لقراءات أخرى ، وكل هذا يأتي من ثراء القصة وقدرتها على تحمل ذلك ، فالقصة تبدو مترعة بالتنوع والمعرفة بالأشياء والظواهر البسيطة المعاشة .


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 842

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#488840 [جماع مردس]
0.00/5 (0 صوت)

10-14-2012 02:01 PM
اخي عروة لقد قرأت الجزء الأول وظننت ولسوء البرنامج الألكتروني انك صاحب القصة ... ولكن لاحقا اكتمل الأمر وتبين لي انك كنت تقدم او تقرأ لأستاذ عبدالغني كرم ... عموما بقدر سعادتي بالجزء الأول لعبدالغني ، الا ان ما خطه قلمك لا يقل عن ذلك ابدا ، ولك وحدك ان تتخيل مقدار سعادتي بما كتبته اقصد القراءة التي قدمتها ... وهي تؤكد ما ذهبت اليه في تعليقي الأول ... لك مودتي وحبي اخي عروة ووفقك الله في مجال النقد والأدب ...


#488709 [جماع مردس]
0.00/5 (0 صوت)

10-14-2012 11:09 AM
نحن امام ( جبرائيل غارسيا ماركيز ) بس سوداني ، او ابراهيم اسحق في روايته ( مهرجان المدرسة القديمة ) ، انه عمل مكتمل من كل جوانبه الإبداعية ، من حيث السرد واللغة وعمق الصور ... انه عمل رائع... انت اديب كبير سرقته السياسة ومهنة القانون من الأدب ... واصل اخي عروة ... وربنا يوقفك .... سأعود لقراءة اعمالك التي نشرتها من قبل ...


عروة علي موسى
عروة علي موسى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة