المقالات
منوعات
تمت الناقصة..
تمت الناقصة..
01-04-2016 07:30 AM


أشاطئ خصرها شجراً
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*( إذا لم تجد من يضيء لك قنديلاً....فلا تبحث
عن آخر أطفأه....وإذا لم تجد من يغرس في أيامك
ورده.. فلا تسع لمن غرس في قلبك سهماً ومضى..).
-أجاثا كريستي-
1- شجر الحلم‏‏
.. قال لها: أحبك.‏
وقبل أن تعانقه، وتفرش روحها على صدره مثل سجادة الصلاة، وهي تهجس له: وأنا أحبك أيضاً.. تلاشى الرجل وغاب، تاركاً في روحها الحيرة، والمرارة، والحزن، والظنون، ومع هذا ظلت نائمة، تتقلب في فراشها وتحلم.‏
دائماً يفعل بها ذلك.‏
فجأة يأتيها.‏
بدون علم أو مواعيد، وحين تهب لملاقاته يغيب، ولا يترك إلاَّ رائحته في المكان، دائماً يفعل ذلك، يتدثر بالليل كاللص ويأتي، ينتظرها حتى تتمدد في فراشها وتنام، فيخرج إليها من قلب الظلمة شبحاً من نور أخضر.‏
هي لا تعرف كيف يأتي، ولا كيف يغيب، وهذا ما يحير المرأة ويعذبها، ويتركها نهباً للهواجس والظنون، وهي في عزّ نومها يعبر ما بين روحها وعقلها، شفيفاً كالضوء، ندياً كالقطرة، باسقاً كالسروة، وجارحاً كالخنجر، بينما وقد أقدامه يتناهى إليها من بعيد، وقبل أن تفعل شيئاً، تجده واقفاً أمامها بقامته الطويلة، وعينيه الجارحتين، ورائحته التي تشبه رائحة البراري في، الربيع الناهض إلى خصب عاشق....‏
وعندما يرى انبهارها ودهشتها، يقترب منها كالنسمة، يطوقها بذراعيه دون أن ينبس بكلمة واحدة، بينما هي ترتعش بين يديه فرحة، مضطربة وخائفة، وحين يطول الصمت بينهما، ويصبح له شكل العماء في الروح، يقول صوتها الخفيض المرتعش:‏
- من أنت؟.‏
يدور الرجل من حولها صامتاً، وعيناه لا تستقران، تمران على الشبابيك الخشبية، والمرآة الصدئة المعلقة على الجدار الطيني الباهت، والبساط الصوفي القديم، والوسائد المهترئة، والأثاث المنثور في الكوخ بإهمال وفوضى ثم تحطان على وجهها حمامتين من دفء وحنان، والسؤال معلق في الفراغ، لا يرتفع ولا يهبط، يتحرك ما بين الاثنين مثل خفاش أعمى، وتظل هي ساكنة تنتظر الجواب بفارغ الصبر، لكن شيئاً من هذا لا يحدث، يتضرع الصوت:‏
- أرجوك، قل لي من أنت؟.‏
يظل صامتاً كشاهدة قبر.‏
ينظر إليها بحنان ويبتسم، فتزداد حيرة واضطراباً، والريح العاوية في الخارج توترها، وتملأ روحها المضطربة بالهواجس والخوف، والظنون.‏
يقول صوتها: هل أنت أخرس؟.‏
تتسع ابتسامته وتكبر، ويضيء وجهه وعينيه ما يشبه الفرح، والمرأة مشدودة إلى وجهه، تنتظر ما سيقوله، لكنه بدل أن يقول لها شيئاً يعينها على هواجسها، ويخلصها مما هي فيه من اضطراب ولهفة وعماء، يخرج قلبه من صدره، يغمس إصبعه بدم القلب، ويكتب على الجدار الطيني (أحبك يا امرأة) ، ثم يقدمه لها، والمرأة جاحظة العينين ومبهوتة.‏
يمددها في فراشها، ويتمدد إلى جوارها كالطيف، فترتجف، يشدها إلى صدره فتجمد بين يديه، يلاحظ الرجل اضطرابها وما تعانيه، يمرر يده على وجهها وعنقها، ترتبك مثل طفلة صغيرة، وتحس بخدر يسري في جسدها يشلها، ويمنعها من الحركة أو الكلام، فتغمض عينيها، وثمة شيء غامض وعذب راح يدب في داخلها ويتحرك مثل قطيع من نمل ناعم، تظل ممددة في فراشها، مغمضة العينين، ساكنة وتحلم.‏
وحين تشعر بأصابعه تتحرك فوق جسدها، يرتعد دمها، ويزداد الحلم إيغالا في روحها، والأصابع تزحف فوق تضاريس الجسد بارتجاف ناعم يعمق خدرها، ويفتح جسدها مثل أرض عطشى فاجأها المطر بعد طول انتظار، فترتعش، وتتقلب في فراشها، وهي تترقرق بالنشوة وفتنة الحلم، وتطير كالقطاة في فضاء واسع من ضياء وموسيقى وزمرد أخضر وزغاريد، يلامس الرجل ارتعاشها، وتزداد الأصابع اللينة رشاقة وإثارة وهي تعابث الجسد وتهيجه، وعندما تطبق كفه على نهدها، يضطرب النهد ثم يشمخ كالحربة المسنونة، فتتأوه بانتشاء من أعماقها، والكف تلتف حول النهد الناهض كالأفعى وتهصره، فتزداد تأوهاً والتصاقاً به، ولهاثاً يتحول إلى فحيح حارق، بينما جسدها يتفتح بين يديه كالوردة.‏
في تلك اللحظة تماماً.‏
في اللحظة ذاتها يغادرها الرجل ويرحل.‏
***‏
2- شجر الروح‏‏
تعبت المرأة من تصرفات الرجل وأفعاله، تمضي نهارها تنتظره، تهيئ كل شيء لاستقباله: الورد والبخور، والقهوة بالهبهان، وفرح القلب والروح، والأصابع المخضبة بالحناء، وتفتح الجسد واختماره، ولا يأتي.‏
ومع هذا تحبه.‏
لأنه وحده الذي يشعرها بالحياة، ويملؤها بالانتظار والحلم والترقب، ووحده الذي خضر عمرها، بعدما كان يباساً بلا لون أو طعم أو رائحة، هو الملاذ والمتاهة، الفيء واللظى، سر الفرح والبكاء في روحها، وقمر لياليها المعتمة، ومع هذا لا يأتيها إلاَّ عندما يريد، متدثراً بالعتمة والأسرار والغموض، غير عابئ بانتظارها، وشوقها وبما هي فيه، ما يفعله معها يعذبها، يطير عقلها من رأسها، ويدوف المرارة في روحها.‏
كانت المرأة تتمزق من الداخل.‏
بعد كل انتظار تتمزق ويعروها الجنون، حائرة لا تعرف ما تفعل، وثمة نشيج شرس ينهض في داخلها يشظيها ويملؤها بالعتمة والخراب، فتحس بالأرض تدور من تحتها، تحاول أن تتماسك، لكن دوران الأرض أقوى منها، فتدور هي أيضاً كل شيء من حولها يدور في سرعة خاطفة ومجنونة، الأرض، والسماء، والنهر، وأشجار الهجليج والنيم، والجسر، ورائحة الرجل، والعصافير، وهي عاجزة عن هذا الدوران، أو الخروج من دائرته، فتنهار على الأرض محطمة.‏
تتمدد المرأة في فراشها، متعبة، مهدودة، وما إن تغمض عينيها، وفي داخلها يدور صراع عنيف يهزها ويصدع رأسها، حتى تدهمها رائحة الرجل، تتقلب في فراشها خائفة، مضطربة، لم تكن المرأة نائمة ولا مستيقظة، كانت بين النوم واليقظة، مخدرة وناعسة، وما إن تبدأ أجفانها تثقل حتى يخيل إليها أن ثمة رجل أخضر يخرج من جوف العتمة، ويتقدم نحوها، تحاول النهوض أو الحركة، لكنها كانت عاجزة، وعندما وقف بين يديها كانت قد استوت خارج محيط اليقظة تماماً، وأعطت نفسها للحلم، وذابت فيه.‏
- تقول له باكية: جئت. أخيراً.‏
كعادته يظل الرجل صامتاً.‏
- تقول له: أنت لا تحبني.‏
لم يرتبك، أو يفاجئه السؤال.‏
يبتسم بغبطة، وتبرق عيناه بوميض عذب، يمس قلب المرأة مثل رذاذ دافئ، فيخضر داخلها ويتندى، ويصبح للحظة طعم الفرح، ورائحة القرنفل، وكل منهما يحدق بالآخر بافتتان ولهفة، يمسكها من يدها، وينطلقان يركضان في البراري، يقطعان الوديان والقفار والسهول غزالين من فرح وصخب، والأرض لا تتسع لهما، يخوضان في النهر، ويتراشقان بالماء، والمرأة تتشبث بالحلم وتذوب فيه، بينما الماضي، كل الماضي يفر من ذاكرتها، ويغادرها بالمرة، المرارة، والوحدة، والخوف، وأنين الروح، وقسوة الأيام، والوجع، والوحشة، والعذاب، حتى غرق أمها في النهر، وجنون أبيها الذي لم يتحمل عقله الصدمة، فاعتزل الناس في هذا المكان النائي عن المدينة، وظل يطارد النهر وينادي عليها حتى مات.‏
هي لا تتذكر شيئاً، ولا شيء تريد أن تتذكره، فاللحظة الراهنة حياتها كلها، لا تريد الخروج منها أو تعكيرها، يحملها الرجل بين ذراعيه ويدور بها، وهي تلتصق به مثل روحه، وترفرف كالحمامة بين يديه، والرجل يدور بها ويركض، كلاهما يلتصق بالآخر ويعانقه، يشم رائحته ويذوب فيه.‏
ترتطم الريح بالنافذة.‏
تظل المرأة مغمضة العينين، ومتمسكة بالحلم، تدلف الريح إلى الداخل من النافذة المفتوحة، ينذعر الحلم ويتبعثر في الغرفة، تركض وراءه ملهوفة ومجنونة تنادي عليه، والحلم يتبعثر ويضيع، فتهب من فراشها مذعورة تشهق، والعرق يتفصد من جسدها المرتجف، والفزع يملأ العينين فلا تجد إلاَّ العتمة والريح وصوت النهر المخنوق.‏
***‏
3- شجر الماء‏ ‏
تقف أمام النافذة ضائعة، حائرة، قشة في مهب الريح بلا ملاذ أو سند، كل ما تراه مكفن بالصمت والسكون والسواد، والريح هدأت، فتجعد وجه الجهات مثل قشرة يابسة، لا تثير في النفس إلاَّ المرارة، والوحشة، والموات، وحده النهر كان يلمع في الظلمة ويبرق مثل سيف من فضة، فتشعر بشيء غامض يشدها إلى النهر، ويقربه منها، تثبت بصرها عليه، تجده يجري في رأسها مثل حصان جامح، ويسقي شجر روحها اليابس، تنصت مندهشة، فتسمع صوت خريره مختلطاً بدمها في العروق، فأخذتها قشعريرة حادة، واهتزت كسعفة في مهب الريح، وحين وقفت على الشاطئ كان النهر يتدفق في داخلها، والرجل يمتطي ظهره مثل نبي معصوم، لا الماء يطغى، ولا هو يبتل أو يغرق، وكلما حاولت القبض عليه، كان يروغ منها ويضيع، فتصرخ بعذاب.‏
وجنون:‏
- أكرهك أيها الرجل.‏
فيأتيها الصوت من كل اتجاه:‏
- وأنا أحبك أيتها المرأة.‏
فيردد الليل والأشجار والهضاب والوديان ما قاله الصوت، فتصرخ بصوت مختنق وناشج:‏
- وأنا أحبك أيضاً ولا أكرهك.‏
والصوت يتماهى في الفضاء من حولها ويطير أسراباً من القطا والعصافير، ويطبق عليها حيرة وتلفتاً، مرارة وجنوناً، فحيث استدارت يأتيها الصوت، ويصدِّع رأسها، والنهر لا يتوقف عن التدفق والجريان في داخلها، يتدفق ويبرق، فيضيء وجه الرجل يلوح بين ثنايا الماء.‏
- تقول للنهر: تعبت.‏
- يقول النهر لها: تعالي.‏
تجمد في مكانها وتتسمر.‏
وعندما يرى النهر ترددها، يصير فماً واسعاً يناديها، غابة من الوجوه والأيدي الناهضة مثل أعناق الجياد الصاهلة تلوح لها وتناديها، تخلع ثيابها وتلقي بها للريح، ثم تنطلق كالسهم تركض باتجاه الماء فاتحة ذراعيها، بينما النهر يتلجلج في عينيها ويبرق رجلاً أخضر، يبتسم لها بحنان، وينتظر وصولها بفارغ الصبر.‏
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 3301

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1395830 [البشر الحاقد والترابي الفاسد]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2016 09:13 AM
الناس في شنو الحسانية في شنو ...

[البشر الحاقد والترابي الفاسد]

الدكتور نائل اليعقوبابي
الدكتور نائل اليعقوبابي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة