المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
شخصنة واختزال القضايا والأجندة الوطنية
شخصنة واختزال القضايا والأجندة الوطنية
10-15-2012 04:12 AM

شخصنة واختزال القضايا والأجندة الوطنية

د.صلاح محمد ابراهيم:

الاختلاف سنة الله فى الأرض، وهناك صراع بين الحق والباطل منذ أن خلق الله الناس، وفى العصور المظلمة إدعى ملوك أوروبا أن الحكمة تتنزل عليهم من السماء، وأنهم يملكون ناصية الحقيقة ويعرفون الطريق إليها أكثر من غيرهم، ولكن أتى زمان تغير فيه الحال وأصبح طرح الآراء المخالفة مشروعاً والنقاش الحر مفتوحاً دون كوابح Robust uninhibited and wide open، وكما جاء فى سورة هود «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك».
النقاش والمجادلة تتم دائماً بالحجة والمنطق وقوة البرهان، وبالتى هى أحسن، وقد تلاحظ فى الآونة الأخيرة أن بعض الصحف والكتاب يلجأون إلى شخصنة بعض القضايا الوطنية، وبدلاً من تحليل المعلومات والمواقف لصناع الأخبار يحللون مواقف بعضهم البعض من الأحداث، والشخصنة تعنى أن يقوم شخص بالانتقاص من الآخرين فى جانب من شخصيتهم، وكثيراً ما تقوم الشخصنة على سوء الظن وكيل الشتائم وسب الآخرين والسخرية من آرائهم، مثل وصف الآخر بالعنصرية والعمالة والعروبية والاستعلاء ودعاة الفتنة والحرب ودعاة الكراهية والمتخاذلين وغير ذلك من الألفاظ، والشخصنة هى تحويل الفكرة المجردة إلى فكرة تتمحور وتتجسد وترتبط بشخص معين، وبذلك يتم تحويل الخلافات الفكرية إلى معارك شخصية بهدف تدمير معنويات الآخرين، وقد يكون من أسباب الشخصنة الغيرة والحسد والجهل وضعف الثقة بالنفس والإثارة.
والناس يحبون تتبع وترصد أخبار الناس الآخرين، وبلغة بنات اليوم السائدة يحبون «الشمارات»، وهى قد تكون ملفقة أو مخلوطة ببعض الحقائق المحرفة، والمهم أن يكون «الشمار» عن شخصية مهمة أو مرموقة أو نجم من نجوم السياسة أو الفن أو الرياضة أو الأعمال أو عن صديق أو صديقة، وهناك العديد من النماذج لهذه الشخصيات الذين تستغل شهرتهم الصحف والمجالس للترويج لأن صورهم وأسماءهم وأخبارهم تبيع هذه الأيام ويتلقفها الناس، فهم يعتبرون من صناع الأحداث News Makers، لأنهم يثيرون الأمواج ويخلقون صخباً وضجيجاً من حولهم بسبب قرارات يصدرونها أو أفعال قد تكون جديدة أو تصريحات أو مواقف يتبنونها وتخلق جدلاً وخلافاً واسعاً فى المجتمع، وفى صحافة الخرطوم توجد عدة كتائب متنافرة عملت على شخصنة القضايا الوطنية، تتبادل الضربات بالمدفعية الثقيلة والراجمات، خاصة بعد اتفاقية أديس أبابا الأخيرة والحريات الأربع.
فى عام 1906م استخدم الرئيس الأمريكى روزفلت كلمة (مكريكر Muckraker) فى وصفه لبعض الصحافيين من معارضى سياسته، والكلمة سبق أن وردت فى كتاب جون بينن الذى صدر عام 1678م بعنوان (Pilgrims Progress) ومعناه الرجل الذى ينظر دائماً للقذارة، وقد كثر استخدام هذا الوصف خلال الفترة من عام 1900ــ 1918م فى الولايات المتحدة، وهى فترة الصحافة الصفراء التى تجنح للإثارة ونهش سيرة الناس دون دليل، ويبدو أن بعض الكتابة السياسية عند البعض الآن تمر بمرحلة تنطبق عليها أوصاف لونية الكتابة التى انتقدها الرئيس روزفلت.
ومنذ التوقيع على اتفاقية نيفاشا وما صاحبها من مشاحنات وخلافات حول العديد من بنودها وكيفية تطبيقها، تم تبادل اللكمات بين الكثيرين من المؤيدين والمخالفين، ونسب كل فريق للآخر العديد من الإخفاقات التى صاحبت الاتفاقية، ونظروا إليهم باعتبارهم دعاةً للحرب والشقاق والخلاف ونشر الأفكار العنصرية، وأعتقد أن الكثير مما تم تناوله بهذا الصدد كان فيه شطط وتجنٍ وإثارة صحفية ومساجلات بين الكتاب لم يستفد منها القارئ، وزادت الهجمات المتبادلة بين الطرفين بعد الاستفتاء، وبالمقابل جند المعارضون للحريات الأربع كتائبهم للرد على المناوئين لهم ومخالفيهم فى الرأى، بتوجيه اتهامات مثل المنبطحين ووصفهم «بالكبكة» و «الإنبراشة» و «الإندعارة » وكتاب الغفلة ومطبلو التفاوض وغير ذلك.
والصحافة السودانية يسيل فيها مداد كثير فى مساجلات صحفية بين الصحافيين بسبب خلافات فى الرأى حول القضايا العامة التى من حق كل فرد أن يبدى رأيه فيها دون التبخيس من راأه أو السخرية منه أو إهانته بعبارات لا تليق، وإذا ما كان انفصال جنوب السودان يعتبره البعض خطيئة، فهى خطيئة شارك فيها الجميع بلا استثناء «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر».
وأجندة وبذرة الانفصال ظلت موجودة لدى النخب الجنوبية منذ ما قبل الاستقلال، وأحداث توريت عام 1955م كانت إنذاراً مبكراً لم ينظر إليه فى الشمال بجدية وواقعية، باعتباره يعبر عن نزعة الجنوبيين لحكم نفسهم بأنفسهم بوصفهم شعباً يختلف فى عاداته وأعرافه وتقاليده وثقافته عن الشمال، وهو مطلب تجاهلته الحكومات الوطنية وقاومته بعنف وطرق بعيدة عن المنطق والتاريخ دون الالتفات إلى تلبية المطالب الحقيقية لسكان الجنوب، ودون أن نعي مقولة محمد حسنين هيكل «إن السودان صنعته الكشوف الجغرافية»، وإن السودان كان ممالك متنافرة تم توحيدها بواسطة التركية الأولى جبراً.
إن بذرة الانفصال ظلت موجودة منذ زمن طويل بين الشمال والجنوب، ولم تفلح كل المساحيق والكريمات فى خداع سكان الجنوب بتبنى خيار آخر خلاف الانفصال، فشلنا إداريين وسياسيين فى إقناع النخب الجنوبية منذ عصر السلاطين قبل مؤتمر جوبا عام 1947م، وفى التعايش مع الشمال تحت سقف دولة واحدة تعترف بالتعددية، ولعب الاستعمار دوراً محورياً وأساسياً فى التباعد الذي حدث بين الشمال والجنوب، وورثت الحكومات الوطنية منذ الاستقلال تركة مثقلة كانت تكال فيها الاتهامات للشمال، تارة متهماً بالعنصرية، ومرة بالاستعلاء الثقافى، وأحياناً بالتيار العروبى أو المستعرب وأحياناً بالجلابة، وهى صفات وممارسات لا وجود لها فى الدساتير أو القوانين السودانية منذ الاستقلال، وإن كانت موجودة باعتبارها ممارسات متوارثة فى المجتمع، ولكنها لم تكن سياسة حكومية معتمدة في مختلف الحكومات الوطنية.
وقبل تعيين إسماعيل باشا خديوي مصر صمويل بيكر Baker حاكما للاستوائية «1868ــ 1873م»، كان الجنوب منفصلاً عن السودان، وقد أدار بيكر المنطقة الاستوائية بعيداً عن الشمال، وكانت مثلها مثل المناطق الأخرى التي ضمها الخديوي إسماعيل إلى إمبراطوريته كالصومال وأجزاء من يوغندا وإثيوبيا، ولم تكن تجمعها إدارة واحدة، وبيكر لم يكن حاكماً للسودان فى ذلك الوقت، لأن السودان كان يحكمه على التوالى جعفر مظهر باشا وأحمد ممتاز باشا وإسماعيل باشا أيوب «1868ــ 1873م»، وكان يطلق على كل منهم صفة حكمدار السودان، وعندما جاءت المهدية لم تتمكن من إخضاع كل الجنوب وضمه الى السودان، ولولا تقدم فرنسا نحو فاشودا 1896م لما ألحت بريطانيا بإصرار وضغوط من اللورد كرومر على خديوي مصر عباس حلمي الثانى بإعادة الاستيلاء على السودان بحجة إنه كان تابعاً لمصر، وبعدها توغل كتشنر إلى فاشودا، وقام ريجنالد ونجت Wingate برفع العلم المصري فيها، ثم عملوا على إخضاع القبائل الجنوبية بالتدريج.
لقد أدار الانجليز الجنوب بعيداً عن مصر والسودان باعتباره إقطاعية خاصة بهم، إلى أن قرروا فجأة دون مبررات وقرائن قوية سوى رغبة بريطانيا الخروج من السودان وضمه إلى الدولة السودانية، وابتلعت الحركة الوطنية السودانية الطعم، دون أن تعي تبعات ذلك الضم الذي كلف طرفي السودان دماء وأرواحاً أزهقت وأموالاً ضاعت على مدى أكثر من نصف قرن، قال د. رياك مشار رئيس حكومة جنوب السودان خلال الفترة الانتقالية التى اعقبت اتفاقية نيفاشا فى مقابلة مع صحيفة الأهرام القاهرية «إن بريطانيا ما كان ينبغي أن تسلم الجنوب إلى الشمال، وكان من الأفضل أن تسلمه إلى الأمم المتحدة»، رياك مشار من حقه أن ينتقد بريطانيا ولن يلومه أحد، لأن حديثه أكده تصويت الجنوبيين للانفصال بعد ذلك.
وشهدت الفترة التى جاءت بعد انتخابات 11/13 ابريل 2010م في السودان جدلاً مثيراً وواسعاً في الساحة السياسية حول الوحدة والانفصال، بسبب قرب اجراء الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان في الوحدة او الانفصال عن الشمال واحتمال قيام دولة جديدة في الجنوب.
وفى اليوم التاسع من يناير 2010م صوت سكان جنوب السودان بالفعل للانفصال بنسبة وصلت الى حوالى 97.83% من ابناء الجنوب تقريباً من عدد الذين سجلوا اسماءهم فى قوائم الاستفتاء، ومن خلال تتبع التطور السياسى والدستورى للسودان يكون ذلك الانفصال او الاستقلال كما اطلق عليه بعض ابناء جنوب السودان هو الانفصال أو الاستقلال الثانى فى تاريخ السودان الذى تشكل بحدوده الحالية فى عصر خديوى مصر اسماعيل باشا «1863ــ 1879م».
وقضية انفصال جنوب السودان ظلت لعبة أكبر من مصر والسودان والحكومات الوطنية المختلفة ومنبر السلام العادل، فشل فيها الصاغ صلاح سالم، وإسماعيل الأزهرى، والفريق إبراهيم عبود، وثورة أكتوبر والرئيس النميرى وكل الحكومات السودانية من مدنية وعسكرية منذ عشرات السنين.
وفى الولايات المتحدة توجد مجلة اسمها الناس (People)، وهى من أكثر المجلات رواجاً فى العالم «توزع ملايين النسخ فى الأسبوع» والسبب أنها تهتم بأخبار نجوم المجتمع الأمريكى خاصة «الشمارات والفضائح»، والناس تحب أن تقرأ عن الناس، وتحب «الشمارات»، ومعظم ما تتناوله الصحافة السودانية فى الكتابة الراتبة اليومية خلال الفترة الأخيرة «شمارات سياسية ونميمة مختلقة بين الصحافيين أنفسهم» ليس فيها تحليل متعمق أو معلومات دقيقة، ولا يستفيد منها الناس ولا تساهم فى تنوير الرأى العام، ولن تعيد الجنوب كما كان جزءاً من السودان، حتى لو تم تطبيق الحريات الأربعين، والمشكلة التى حدثت فى بعض الصحف الرياضية سببها شخصنة قضية الرياضة فى أشخاص بعينهم أصبحت لهم كتيبة متعصبة من الصحافيين تتبنى مواقفهم، ويبدو أن تباين المواقف السياسية حول الجنوب قد خلق نوعاً من الكتائب المشابهة فى الصحافة السياسية، أخشى أن ينتهى بشغب هذه المرة لن يتوقف عند نادى المريخ.
ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع، ولولا اختلاف الآراء «دون شخصنة» لبارت الصحف، وفى مجتمع متنوع ومتعدد لا بد من اختلاف الآراء، دون التجريح أو الحط من رأى الآخرين، والرأى العام لا ناقة له ولا جمل فى الحرب التى تدور بين الصحافيين واتهام بعضهم لبعض بالإنبطاح أو العنصرية أو الكراهية، كما أن تحميل شخص واحد وزر أخطاء تاريخية وسياسية امتدت لعشرات السنين قبل أن يولد يعتبر تجنياً وخروجاً عن الموضوعية والمصداقية والتقاليد المهنية الحميدة، وأكاد لا أصدق ما اقرأه عندما أجد بعض الصحافيين المرموقين من خريجى كليات الإعلام والصحافة وقد انغمسوا فى هذه اللجة التى فيها الكثير من «الدغمسة والجغمسة واللغوسة» الفارغة.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 620

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.صلاح محمد ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة