المقالات
منوعات

01-04-2016 07:14 AM


ذات يوم صيفي و أنا عائد إلى منزلي ، ألتقاني الأديب و القانوني الراحل الاستاذ عمر علي أحمد و سألني ما إذا كنت أكتب هذه الأيام ، فكان يقول إنه يحب ما أكتب . فأخبرته إني عائد لتوي من صحيفة الأيام حيث دفعت باخر مقال ، و تأخرت هناك لأني ألقيت الاستاذ السر مكي و تحدثت معه عن اخر ما جاء في عموده ( أضواء و مفارقات ) و صفحته الأسبوعية ( لقاء الأربعاء ). فوقف الأستاذ عمر في منتصف الطريق ليقول لي إنه لم ير كاتبا صحفيا يحب الشعب السوداني من جوه قلبه بهذا القدر الذي تعبر عنه كتابات السر مكي . كان ذلك منذ حوالي العقد و النصف . و منذ تلك اللحظة أطلقنا عليه لقب حبيب الشعب . و كان ذلك سبب التسمية .
( إن العنصرية هي شكل من أشكال الجبن البشري ) . ( حريتك لا تنتهي حين تبدأ حرية الاخرين إنما حريتهم شرط لتلك ) .
كانت تلك اخر العبارات التي رددها الراحل الكبير الأستاذ السر مكي . و في حقيقة الأمر هي اخر ما يقدمه و يدعو له الرائد السياسي لأخيه الإنسان . غير إن تلك الأقوال التي كان يقولها و يكتبها حبيب الشعب ، لم تكن تخرج من ذات رومانسية متأملة أغرقتها فيوضات دلقتها لغة الكون ، إنما هي تخرج من ذات ملتحمة بالواقع الذي يعيش فيه ، و يعيش به ، و يعيش له . فقد كان الراحل الكبير مشروعا سياسيا و اجتماعيا يمشي بين الناس ، كان يفتح ذراعيه للجماهير ، ليضم كل الفئات التي لها مصلحة مباشرة في التغيير ..
في حقيقة الأمر ، يقوم مشروع السر مكي السياسي و الاجتماعي ، بالأساس ، على اشراك الجماهير في وضع أولوياتها و دعمها في تقرير مصيرها بنفسها . ولعل هذا ما تفرد به حبيب الشعب عن سائر السياسيين الذين حظيت أو ابتليت بهم بلادنا . إذ كانت و ما تزال هذه القيادات تفكر بطريقة أبوية حيث تعتقد أنها تعرف مصلحة الشعب و تريد رفاهيته و باتالي تحاول سوقه إلي ذللك الاتجاه . و ربما يكون هذا الأمر هو الخلل الكبير الذي أدى إلي عزل الجماهير ، و حجب عنها القدرة لتصوغ مشروعا سياسيا و اجتماعيا ، يترجم امالها و احلامها ، و تجلى ذلك الخلل في ما أصبح يعرف بالدورة الشريرة من الانقلابات و فترات الديمقراطية العجولة المضطربة .
قرأ السر مكي هذا الأمر قراءة صبورة و عزا ذلك إلى ما أسماه هشاشة التفكير السياسي منذ الاستقلال في العام 1956 ، و كتب عنها سلسلة مقالات نشرتها الأيام تصلح لتكون مرجعا هاما يضرب بسهم وافر في قضايا التغيير و يرسم إضاءات على طريق صوغ المشروع الوطني الضائع أو المضاع ليقبل عليه الشباب يكبرون به و يكبر بهم .
قاد هذا التفكير السوي السر مكي لدعم مشروع الحركة الشعبية بالطريقة التي طرحها بها الدكتور جون قرنق . و هو المشروع الذي ساهم في إيقاظ جموع المهمشين لينخرطوا في عملية التغييرلإعادة توزيع الثروة و السلطة بحسبانها الضامن الوحيد للاستقرار و التطور الذي نستحقه . فكان تفكيره أن تواصل الحركة الشعبية انحيازها لقضايا الجماهير و اشراك هذه الجماهير في القرار الذي هو مصلحتها بالدرجة الأولى ، و كتب كثيرا في هذا الاتجاه ، و حذر من أن تفقد الحركة الشعبية زخمها وسط الجماهير، التي استقبلت زعيمها و منحته ثقتها في يوم مشهود في الخرطوم ، و تتحول إلى مجرد حزب سياسي
يكتفي بما جاءه من نصيب في الثروة و السلطة بناء على اتفاقية السلام الموقعة في نيفاشا عام 2005 . و لكن تمضي الأيام و يحدث ما حذر منه السر مكي . فلم تقف الحركة الشعبية عند تحولها لحزب فحسب ، بل خانت جماهيرها و تنكرت لهم و عزمت على الإنفصال بحجة أن شريكها المؤتمر الوطني أعاق عملها و كأنها كانت تنتظر أن يتبنى المؤتمر الوطني مشروعها !!
شرع السر مكي في محاولة تكملة نقائص الحركة الشعبية و ضعف أدائها ، و استكانتها ، و استمرائها للعمل المكتبي بعيدا عن الجماهير ، فنادى بعضا من أصدقائه الذين يشبهونه في طريقة التفكير ، طارحا عليهم محاولة دعم الحركة الشعبية و تشكيل نوافذ سياسية تطل بها على الجماهير لإدراكه أن الجماهير الواعية هي التي تصنع برامجها عبر التفافها حول مصالحها الحياتية المباشرة . فالسياسة عند السر مكي ليست مجرد شعارات و خطابات ، إنما هي ملامسة لما يهم الناس في اللحظة الحاضرة . و هو ما كان يطلق علية الطريق لتكوين الكتلة التاريخية . و لكن توقفت محاولاته تلك لأسباب لا أعرفها .
كان السر مكي عميق البحث في جذور الثقافة الإنسانية عموما و السودانية خصوصا ، يوظفها ببراعة ، ليدعم مشروعه المتصالح مع مكونات الشعب السوداني ، باعتبارها اسس نهضته التي ينهض بها ، و من ثم يستطيع أن يساهم بها في حركة المجتمع الإنساني . كان يطربه التدين الشعبي المتسامح العطوف . و كان يحتفل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب و هو يخاطب بطنه التي تقرقر من الجوع قائلا لها : قرقري أو لا تقرقري و الله لن تذوقي الطعام حتي يذوقه الفقراء أولا .
كان السر مكي شديد الالتزام بالانحياز للفقراء و النساء ، شديد الحساسية تجاه إنصافهم ،عظيم الهم لهم كأنه نبي لم يأتي إلى هذه الدنيا إلا لإنصافهم و توفير الحياة الكريمة لهم .
برحيل السر مكي فقد الشعب السوداني نصيرا عزيزا و قويا مدافعا عنه حتى اخر قطرة من قلمه .
أعزي نفسي في فقده فهو من الذين ترى أن وجودهم كان كان ضروريا لهزيمة الشرور في هذا العالم المجنون ، فلكأن السر مكي لم يأت إلى هذه الدنيا إلا ليرسم الإبتسامة في الوجوه العابسة . و عزائي ما حفظته لنا التكنولوجيا من إرثه على صفحته الالكترونية .assirmakki.blogspot.com
إن الإرث الذي تركه حبيب الشعب ليس ملهما فحسب ، إنما هو معلم بارز في تطور الفكر السياسي في السودان ، يرشد الأجيال لتتحسس خطاها و هي سائرة إلى مبتغاها ، مسلحة بما قدمه السر مكي من وعي نوعي ، يقوم على احترام الاخر و الاعتراف به ، و البناء على ماهو مشترك ، و الانفتاح على المستقبل و العالم . كان السر مكي حزبا سياسيا باكمله ، و كان مدرسة في صدق توجهاته لا يحيد عنها . كان يجمع ، بشكل عجيب بين الصرامة في التفكير و الوداعة في التعامل مع الناس .

اللهم يا سيد الأكوان و الأبدان و الأرواح ، يا أيها المتناغم الجميل الممتد ، القديم الجديد المتجدد ، الواحد الأحد اللامنقسم ، ارفعه مقاما فوق مقامه إنك أنت الرا فع المقيم .
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1858

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل اسماعيل
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة