المقالات
السياسة
سَـدّ "النّهضة" وَخيارُ الدّبلوماسيّةِ الثنائيّة ..
سَـدّ "النّهضة" وَخيارُ الدّبلوماسيّةِ الثنائيّة ..
01-04-2016 08:15 AM


أقرب إلى القلب:
(1)
تنبأ العديدُ من المراقبين في الساحة الدولية، إلى أنّ مستقبل الصراعات في العالم سيكون محوره التنافس لاستغلال الموارد الطبيعية الناضبة، ولقد كانت الإشارة بوجهٍ خاص إلى صراعات التحكّم في المياه والمياه العذبة تحديداً. فيما انشغل العالم، قبل أكثر من أربعة عقود، بوضع ضوابط لمياه البحار، وأنجزت حكومات العالم وتحت مظلة الأمم المتحدة، اتفاقية للبحار، كانت إنجازاً تفاخر به الدبلوماسية الجماعية. كان ذلك أكثر أشكال الدبلوماسية نجاعة في بسط أسسٍ لتعاونٍ دوليّ في مجال مياه البحار، أعطى العالم مثلاً في دبلوماسية فاعلة. تلك هيَ النجاحات التي عزّزتْ دبلوماسية التعاون الدولي بأفقها الواسع، مقابل الدبلوماسية الثنائية المحدودة الفعالية.
لعلّ التحديات الماثلة في الساحة الدولية تستوجب تعاوناً دولياً تقوده الدبلوماسية الجماعية، وتتجاوز في ذلك فعالية الدبلوماسية الثنائية المحدودة. ها هيَ قمّة تغيير المناخ، وأيضاً جهود محاربة الإرهاب الدولي، أو التصدّي لقضايا البيئة، كلها تشكّل اهتماماتٍ تشغل بالَ المجتمع الدولي بأكثر من القضايا الثنائية بين دولة وأخرى.
(2)
أقول ذلك وأنا أتابع التفاوض المتعثر بين إثيوبيا ومصر والسودان، حول سدِّ "النهضة" الذي تزمع الحكومة الإثيوبية المضي في إنشائه، بل قطعت خطوات في ذلك، وكأن إثيوبيا لا تلقي بالاً جاداً لتحفظات مصر والسودان. إن موارد المياه العابرة للحدود الدولية باتت من المعضلات التي تستوجب معالجة ذكية، لا تضيّع حقاً لطرفٍ على طرف، أو تحابي طرفاً ضد آخر. معروف أنّ النيل الأزرق، إلى جانب نهر النيل الأبيض، يشكل شرياناً رئيساً يغذّي نهر النيل، الذي يعبُر أراضي السودان وأراضي مصر، إلى مصبه في البحر المتوسط. من قال إن مصر هبة النيل لم يكن يعني مصر بحدودها الحالية، بل هي الأراضي التي يدخل إليها النيل الأزرق ويعبرها إلى المتوسط. هكذا فإنّ القضية هي معضلة التناقض بين أراضي المنبع وأراضي المصبّ.
(3)
على هذه الخلفية، يتواصل التفاوض الثلاثي بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا صاحبة سدّ "النهضة" من جهة أخرى، حول ملف اقتسام مياه النيل الأزرق، وهو ما قد يستبطن نزاعاً قد لا يقف عند حدود. كان خيار التفاوض الثلاثي، أمراً متفقاً عليه بينهم، على أن التعثر الماثل سيفتح باباً لصراع يتصاعد، إذا ما قرر طرفٌ اللجوء إلى الكتلة التي ينتمي إليها، إستقواءاً بها، بما قد يجرّ أطرافا إقليمية إلى صراع لا يعرف أحد كيف تكون مآلاته. نعرف أن مصر والسودان عضوان في الجامعة العربية، كما أنهما عضوان مؤسّسان في الاتحاد الأفريقي، وإثيوبيا معهما في تلك المنظمة الأفريقية.
بدأت تلوح في أفق التفاوض المعقد، خيارات للاستقواء بأطراف في المنظمتين، العربية والأفريقية، وذلك في تقديرنا سيزيد من احتمالات التصعيد غير المحمود لقضية اقتسام مياه النيل الأزرق والتي لم تخرج من إطارها الثنائي بين الأطراف المعنية لعقود طويلة. نلاحظ أن حسابات الدول الثلاث لا تعتمد الخلاف الماثل خلافاً إقليمياً، بل هو خلاف يمكن احتوائه بالدبلوماسية الثنائية، بين كل من مصر والسودان في جانب، وإثيوبيا في الجانب الآخر. في هذا النزاع يشكّل خيار اللجوء إلى المنظمات الإقليمية، إستقواءاً يقود إلى تصعيد وإلى مخاطر لن تقف عند حدود.
(4)
إنّ أفضل الخيارات لحسم الخلاف الناشب بين البلدان الثلاثة، هو مواصلة الجهود الدبلوماسية الثنائية، تفاوضاً ينأى عن توريط منظمات إقليمية مثل الجامعة العربية أو منظمة الاتحاد الأفريقي فيه. لن تكون الدبلوماسية الجماعية والمتعددة الأطراف أكثر فعالية من الدبلوماسية الثنائية، وذلك لطبيعة التنازع المحدودة. اللجوء لحلول عبر الدبلوماسية الجماعية سيفضي بالمتنازعين إلى تصعيدٍ لن يقف على محطة، بل قد يزيد من إقحام أطراف من غير البلدان الثلاثة، وبالتالي تنفتح احتمالات التصعيد والتعقيد، وهو ما يجب أن تلتفت كل الأطراف إلى ضرورة النأي عن مثل ذلك الخيار..
++++++
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1532

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1395370 [Abdelhamieed Silk]
0.00/5 (0 صوت)

01-04-2016 10:09 AM
فمن المتوقع انفجار صراعات قومية ممتدة حول اهم مادة نادرة على الارض خاصة وان الانهار الدولية تقطع مساحات شاسعة وتمر بالعديد من الدول من المنبع وحتى المصب فعدد كبير من انهار العالم الحيوية مثل النيل ودجلة والفرات وميكونج واندرمس كانت مثارا للصراع الدولي بين عدد كبير من الدول تحاول كل منها الاستفادة باكبر قدر ممكن من مياها وتظهر هذه الصراعات بشكل واضح ، حيث يعود الخلاف على المياه الى اكثر من 5 آلاف سنة.. لذلك كله فرضت ازمة المياه نفسها على الساحة والدولية للبحث عن حلول لها قبل ان يأتي الوقت الذي تنشب فيه الحروب العسكرية بسببها وساعتها لن يكون البقاء الا للأقوى.

..وبعد .. فخطورة الامر لم تعد خافية على احد الاطراف المتصارعة ان هناك طريقتين للحل والتعامل مع الازمة اما بالادارة العنيفة للصراع او بالحل التعاوني بين اطراف الازمة.

فالادارة العنيفة للصراع يقصد بها الاغراء باستخدام القوة وتعني اجبار الخصم على تنفيذ الاهداف من خلال المناورة بالقوة العسكرية وتقوم هذه النظرية على ان مفهوم الامن القومي لا يتجزأ اي انه يشمل استخدام الدول لقواتها العسكرية لوقف استغلال الدول الاخرى المشاركة في احواض الانهار وبالتالي خرق الاتفاقيات الموقعة من دولها. وقد تزايدت لهجة اللجوء الى الحرب من كافة اطراف الازمة على فترات تاريخية مختلفة .

اما بالنسبة للحل التعاوني فيقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة مع دول الجوار الاستراتيجي من منطلق الايمان بوجود مصالح مشتركة او متبادلة دون مغالاة او تجاوز مع معرفة حقيقية لحاجات الدول من الماء والاستخدام الامثل له.

ويقتضي هذا الحل تطويرا شاملا لادارة الصراع حول موارد المياه بطرق سلمية. ولا يمكن تحقيق ذلك الا من خلال جهود دولية واقليمية مشتركة شرط توافر حسن النوايا وتبادل المنافع للجميع. وذلك لن يتأتى الا بعقد اتفاقيات قانونية ذات صفة دولية يحترمها الاطراف الموقعون عليها.

وهنا يجب التنبيه على:

1/ضرورة تطوير استراتيجية مشتركة تضع المصلحة العليا موضع التنفيذ فاذا لم يكن هناك اتحاد كامل الرؤية فعلى الاقل وجود وحدة حركية في العمل لتنفيذ الحد الادنى من الاتفاق تمنع الآخرين من سرقة المياه وانتهاك المواثيق والاعراف الدولية بشأن احواض الانهار.

2/وجود هيئة عليا من المستوى الثاني يكون دورها ليس فقط تنفيذ الاستراتيجية السابقة بل وضع خطط طويلة الامد لتنظيم واستغلال احواض الانهاروالاشراف الدائم لمنع تحول أية اثار جانبية الى عقبات تحول دون استغلال هذه الاحواض.

يضاف الى ذلك مرونتها وحيويتها في استخدام عوامل الاحلال والطرد للقوى الاجتماعية والاقتصادية في تلك المناطق مع الادراك الكامل لحاجات دولها وحتمية التعاون بينها.

ان تاجيل التعاون الناجح - رغم كل الازمات - الى وقت آخر معناه فقط استشراء الحرب الباردة حول المياه على قدم وساق دون مواجهة علنية ومعناه ايضا ان كل عام جديد يأتي بفيضان من الاعباء المستجدة وضياع الحقوق

ويمكن طرح ورقة عمل مع دول الجوار الاستراتيجي - مع استبعاد دبلوماسية القوة مع دول احواض الانهار - وهي على النحو التالي:

تطوير رؤية شاملة للاستقرار والامان في احواض الانهار وانشاء هيئة مشتركة لحل الصراعات التي تنشأ بالطرق السلمية

التعاون الاقتصادي والمشاركة المتبادلة في المشروعات المتوقع قيامها في حوض النهر وطرق الاستفادة منها.

اعداد دراسات جدوى مسبقة لمشروعات المياه الممكن قيامها مما يعني المشاركة المتساوية ولو نظريا لجميع البلدان المختلفة في حوض النهر للمنافع المتوقعة.

انشاء صندوق لتمويل المشروعات الطموحة على حوض النهر مع الحرص على عدم خلط المشروعات المشتركة على النهر مع المشروعات المحلية.

انشاء منظمات اقليمية او (حوضية) - اذ جاز التعبير - لدول حوض النهر لتطوير الاستفادة المشتركة من مياهه واكثر من ذلك يمكن التفكير من الآن في انشاء منظمة دولية لدول احواض الانهار) لتنسيق التعاون بين هده الدول وحل مشكلاتها بالطرق السلمية هذا بالاضافة الى الاسراع في انشاء مؤسسات ذات طبيعة اكاديمية وبحثية مشتركة تساعد في الدراسة والتطوير والتنبؤ بأوضاع هذه الأنهار.

ولسوف يظل موضوع المياه امرا مثارا طوال العقد القادم ومصدرا خصبا لاثارة التوترات بين الدول ودول الجوار الاستراتيجي مالم يتم تدارك الامر منذ الآن في اتجاهين:

اولهما: تغليب وقائع التعاون مع دول الجوار على حساب وقائع الصراع مع الاحتفاظ بالاخيرة في اطار مخطط من دبلوماسية القوة والاقناع بالعنف.

وثانيهما: ايجاد اتفاقيات مشتركة ترضى عنها جميع الاطراف تقنن تقاسم المياه بين دول الحوض الواحد منعا لحدوث التوترات وقت الازمة مستقبلا.
4

[Abdelhamieed Silk]

جمَال محمّد إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة