الثورة حسب الطلب
10-18-2012 02:42 AM


الثورة حسب الطلب

عمرو الشوبكي

الثورة فى تاريخ أى مجتمع من المجتمعات حدث استثنائى، وهى ليست هدفاً ولا غاية إنما هى وسيلة لتحقيق هدف آخر هو تقدم ونهضة المجتمع، وهناك تجارب أخرى كرست فيها الثورات لنظم استبدادية تحت مسمى الشرعية الثورية والقرارات الثورية والحفاظ على الثورة من أعدائها.

والحقيقة أن المجتمعات التى لم يشعر قادة التغيير فيها بأن على رأسهم ريشة لأنهم «ثوار» وأسسوا لنظم ديمقراطية فاعلة وكفؤة هى التى نجحت، فى حين أن تجارب الفشل الذريع هى التى أسست لشرعية ثورية ومحاكم ثورية وإجراءات استثنائية، فهناك فارق جذرى بين قوى وتيارات تؤمن بقيم ومبادئ الثورة وتسعى من خلالها إلى تغيير المجتمع وتحسين ظروف الناس، وبين قوى وتيارات توظف الثورة حسب الطلب والمصلحة فتتخلى عنها حين تكون مصلحتها مع الديمقراطية ودولة القانون، وتستدعيها حين تكون طريقاً للهيمنة والاحتكار.

صحيح أن البعض طالب مخلصاً بمحاكمات ثورية لشعوره بعدم قدرة المحاكم العادية على تحقيق العدالة والقصاص لدماء الشهداء، وأن القوانين العادية مع أدلة فاسدة لن تجعل هناك فرصة حقيقية لمحاسبة بعض رموز النظام القديم عما اقترفوه من جرائم، فاختار البعض الشعار الأسهل وهو المحاكم الثورية.

والحقيقة أن تجربة الثورة الشيوعية فى روسيا 1917 تبنت المحاكمات الثورية التى راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، وبنت نظاماً شيوعياً صمد 70 عاما قبل أن ينهار مع نهايات القرن الماضى، كذلك فعلت الثورة الإيرانية التى راح ضحيتها 70 ألف شهيد وأعدم الثوار بعدها ما يقرب من 60 ألفاً عبر محاكمات ثورية خارج إطار قواعد المحاكمة العادلة، وعرفت ثورة يوليو بدورها محاكم ثورية كانت هى الثغرة التى نفذ منها مشروع الرئيس السادات حين تحدث عن الشرعية الدستورية كبديل لشرعية عبدالناصر الثورية، وكان محقاً فى جانب - المتعلق بتأسيس دولة القانون - ومخطئاً فى جانب أكبر حين أصبح شعار دولة القانون مجرد حجة لتغيير توجه مصر السياسى من الاشتراكية والعدالة الاجتماعية إلى الرأسمالية والتفاوت الطبقى.

والحقيقة أن تجارب الشرعية الثورية فى كثير من دول العالم كانت تكأة لمحاربة الخصوم السياسيين وليس فقط أو أساسا رجال النظام السابق، فكما شاهدنا فى روسيا الشيوعية كيف قُضى على كثير من الثوار الحقيقيين لصالح بناء نظم استبدادية تحت حجة الشرعية الثورية فُقتل فى عهد ستالين معظم قادة الحزب الشيوعى الذين قاموا بالثورة باعتبارهم برجوازيين وأعداء للثورة، ونفس الأمر شاهدناه مع الثورة الإيرانية العظيمة، آخر تجربة بناء نظام سياسى جديد عبر الشرعية الثورية، صحيح قد قُضى على كثير من أركان النظام القديم ومن عملاء جهاز الأمن القاتل «السافاك»، ولكنها أيضا قضت على كثير من الاتجاهات السياسية التى شاركت فى الثورة مع تيار الإمام الراحل الخمينى واعتبرتهم من أعداء الثورة وخانوا مبادئها.

إن تجارب الانقلابات العربية التى تحول قليل منها إلى ثورة كانت دليلاً آخر على مخاطر مسار الشرعية الثورية، فمن قال إن القذافى لم يكن ثائراً حين قام بانقلابه عام ١٩٦٩، لكنه ظل حتى قبل سقوطه يتحدث عن نظامه الثورى ونقائه الثورى ليبرر ديكتاتوريته واستبداده، ومن قال إن حزب البعث لم يضم ثواراً قبل وصوله للسلطة، ومن قال إن الشيوعيين فى اليمن الجنوبى لم يكونوا مناضلين قبل أن يصلوا للحكم ويُدخلوا البلاد فى حرب أهلية تحت دعاوى الحفاظ على الاشتراكية والثورة، ومن قال إن حركة طالبان لم يكن فيها رجال دين صالحون ـ بتعبير فهمى هويدى «جند الله فى المعركة الغلط» بعد أن بنوا نظاماً دينياً لا علاقة له بالديمقراطية، ومن قال أيضا إن انقلاب الإخوان فى السودان عام ١٩٨٩ لم يعط لنفسه حصانة دينية وثورية متصوراً أنه سيبنى نموذجاً فريداً لأن لديه خطاباً إسلامياً قادراً على أن يحقق المعجزات دون الحاجة للديمقراطية، فانتهى بأن قسَّم السودان وفشل فى السياسة والاقتصاد.

إن كل تجارب الفشل فى العالم هى التى قننت شرعيتها على أسس تقوم على الاستثناء والحصانة الثورية التى كانت طريقاً للاستبداد، فى حين أن تجارب النجاح التى جاءت عقب انتفاضات شعبية كبرى كما فى أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، أو تحركات شعبية دعمها الاتحاد الأوروبى وأمريكا مثل أوروبا الشرقية، أو إصلاحات قام بها النظام من داخله مثل إسبانيا والبرتغال ـ بانقلاب عسكرى وتركيا وغيرها، وهؤلاء جميعا باختلاف خبراتهم وتجاربهم بنوا شرعيتهم على الديمقراطية ودولة القانون التى نجحت فى أن تحاكم رجال النظام السابق ومجرميه وتبنى الديمقراطية ودولة القانون.

إن من يقول إن قرار إقالة النائب العام قرار ثورى قل له إنك توظف الثورة لأغراض سياسية وتؤسس لاستبداد جديد، لأن القانون الذى تحتقره هو الذى أوصل مرسى للرئاسة، والقضاء الذى تتهمه هو الذى أشرف على انتخابات الرئاسة، والمحكمة الدستورية التى ترغب فى تفكيكها هى التى طالبت بالإشراف القضائى قبل الثورة وبفضلها وصل 88 نائباً إخوانياً للبرلمان.

الثورة لا تُستدعى حسب الطلب والمصلحة، واحترام القانون هو فى صلب مبادئ الثورة وأهدافها، وهو بطبيعته ليس خالداً، والمشكلة ليست أساساً فى شخوص النظام القديم إنما فى المنظومة القديمة التى حمت وأنتجت هؤلاء، ولن تتقدم مصر إلا حين تتغير تلك المنظومة التى مازالت تقريبا كما هى رغم تغيير الأشخاص والرموز.

لم يشعر المصريون بأى تغيير حين جاء الإخوان إلى الحكم، لأنهم انشغلوا بتصفية الحسابات والاعتداء على شركاء الوطن فى التحرير وغير التحرير، ونسوا أن مهمة تفكيك المنظومة القديمة هى المهمة الثورية الوحيدة المطلوب إنجازها وليس تغيير شخص النائب العام ليأتى آخر يعمل وفق نفس المنظومة، ولا فقط فى تطهير كل مؤسسات الإدارة إنما أساسا فى تغيير عمل الإدارة، وهى كلها أمور صعبة لا علاقة لها بالكلام المرسل فى مشروع النهضة.

علينا أن نحترم القانون حتى لو لم نوافق عليه، وعزل النائب العام من قبل رئيس الجمهورية لا يوجد له سند قانونى واحد، فماذا يفعل الإخوان؟ استدعوا خطاب الثورة ليبرروا القرار الخاطئ، فالثورة التى سقط فيها شهداء وجرحى وتعطلت فيها مصالح كثير من الناس يجب ألا تُستدعى حسب الطلب ولتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين، فيجب وضع قانون جديد يبيح مساءلة النائب العام وتغييره إذا استدعت الضرورة، ولكن لا يجب قبول أن يقرر فصيل سياسى حاكم هذا القرار مخالفا كل القوانين باعتباره قراراً ثورياً، فتلك هى ثورية القذافى التى بدأها البعض مبكرين جداً.

[email protected]
المصري اليوم


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 524

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمرو الشوبكي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة