سمراويت
10-20-2012 01:03 PM


سمراويت

محمد عبد الله الحسين- الدوحة
[email protected]

في احد ارفف مكتبة جرير بمدينة الدوحة استرعى انتباهي عنوان لكتاب باسم (سمراويت)،إذ هو قريب في نطقه و حروفه من اسم اسمرا .كما استرعى انتباهي أيضاً صورة فتاة سمراء تشغل الجز الغالب من مساحة الصفحة و هي ترتدي ثوب شبيه بالثوب السوداني ،بل حتى لون الثوب البرتقالي يشبه الألوان التي تفضلها المرأة في شرق السودان.فدنوت من الكتاب وقرأت اسم المؤلف:(حجي ناصر) الاسم غريب و لا يوحي بانتماء إلى بلد أفريقي كما كنت اعتقد ،لا إلى اسمرا ـ ولا إلى السودان ولا إلى اثيوبيا. علماً أن الدول الثلاثة ترتبط بوشائج تاريخية و عرقية و ثقافية قوية و عميقة .كما أن الاسماء المتداولة فيها حسب معرفتي ليس من بينها هذا الاسم.و لقد سبق لي أن زرت اريتريا لأسباب تتعلق بالعمل و ذلك في شهري مارس و ابريل من العام الحالي (2012) و قد جلت في بلدتين بعيدتين ليس من بينها العاصمة (اسمرا) أو الميناء (مصوع).
و حقيقة الأمر فإنني و لأسباب معرفية وأخرى وجدانية يغلب عليها إحساس بالانتماء العميق .بالإضافة لاحساس مني صادق بعظمة و تقدير شديدين لكل ما يمت لأرض اريتريا. و قد يرجع ذلك لعدة اسباب منها ما يرجع لظلم التاريخ لها و منها لسيماء عزة و شمم و إباء رايتها في ملامح هذا الشعب جعلتني احترمه و اقدره لحد بعيد .فقد رأيت أنه رغم الفقر و العوز و الحاجة الضاربة أطنابها في تلك الأنحاء لا يمدون اليد او يبدون من الغريب حاجة سواء بشكل ظاهر او مستتر.خلاصة الأمر أنه يسوقني و يدفعني دائماً شغف كبير و ميل نحو التعرف على كل ما يمت لتاريخ و جغرافية اريتريا و حياتها الاجتماعية .بالإضافة لذلك هناك جانب آخر يجعل من الحديث عن التاريخ حديث له شجن خاص و هو ان الاريتريين يدفعون بإدعاء قوي المنطق و الشواهد و هو أن هجرة الصحابة الأولى التي كانت لأرض الحبشة كانت إلى بلدهم و بالتحديد إلى ميناء مصوع و التي كانت تسمى (باضع) و التي تعرف عندهم ب(جزيرة الصحابة). و يستشهدون في ذلك بوجود العديد من الآثار و القبور.و هو إدعاء له سنده المادي المعقول ،رغم أننا في السودان لنا نفس الإدعاء و بالتالي هناك خلاف في وجهات النظر بين السودان و اريتريا حول أرض الهجرة (هجرة الصحابة) أو ما عرف (بأرض الحبشة)، و إن كان تناولنا له نحن السودانيون يتسم بالعمومية و بالعاطفة و يفتقر لقوة الدليل المادي كما هو شأننا في كثير من الأمور.بالرغم من أنني لا أغلَب أي إدعاء على لآخر بغض النظر عن مدى صحته أو بطلانه فذلك موضوع آخر (إذ ليس ذلك ما أهمني هنا).
من ناحية أخرى كان هناك جانب مهم يلح علي لشراء كتاب (سمراويت)و قراءته و هو إدراك مني – و إن جاء متأخرا باهمية منطقة القرن الافريقي بشكل عام و البحر الأحمر بشكل خاص،سواء فيما يتعلق بالسياسة و التاريخ و الجغرافية و الحضارة و الثقافة. و هو اهتمام لا علاقة له بما هو يجري اليوم من اهتمام سياسي كوني بهذه المنطقة فيما يتعلق بما يعرف ب(الحرب على الإرهاب)أو (أمن البحر الأحمر). و إن كان هذا الاهتمام الكوني يستبطن في ثناياه إدراكا و اعترافا باهمية تاريخية و ثقافية و استراتيجية للمنطقة. و الغريب في الأمر رغم قرب هذه المنطقة منا جغرافيا و تاريخيا و ثقافيا ووجدانيا فإن هذه المنطقة لا زالت أعين الباحثين السودانيين ( دعك من الساسة)، تغفل عنها،ولا تعطيها حقها من الاهتمام بل تزدريها بل على أقل تقدير تتجاهلها.
و من الغريب ان كثير من الدول حتى الدول البعيدة عن منطقة القرن الافريقي و البحر الأحمر لم تغفل عن أهمية المنطقة فأرسلت باحثيها و اغدقت الاموال لإجراء الدراسات في تلك المنطقة. حتى إن إحدى دول الجوار التي هي ليست أقرب منا أطلقت أيدي البحث و التنقيب بإجراء البحوث المكثفة في تلك المنطقة بدعم مباشر من مجلس الوزراء ليشمل البحث و الدراسة كافة الجوانب المتعلقة بإنسان تلك المنطقة ، تاريخه ،حاضره ،مشكلاته ،نقاط ضعفه و قوته و لهجاته و ثقافته و جميع الجوانب الانثربولوجية. و ما ذلك إلا دليل اهتمام ووعي بالمنطقة و إنسانها نفتقده نحن أصحاب المصلحة و شركاء الهم رفقاء التسكع في متاهات التخلف و استهتار الساسة و جهل اهل الراي.
و هنا لابد أن أشير إلى أنه كان لجامعة بيرجن النرويجية اهتمام بتلك المنطقة يتمثل في مشروع بحثي بالتعاون مع جامعة الخرطوم رصدت له جامعة بيرجن ميزانيات ضخمة لإجراء دراسات متعمقة في منطقة البحر الأحمر كانت تسمى بمشروع البحر الأحمر و الذي توقف بمجيء انقلاب الإنقاذ خوفا و توجسا مما قد ظنته ثورة فعلية.هذا وقد اشار الدكتور جعفر ميرغني في عدة كتابات له عن أهمية منطقة البحر الأحمر من الناحية التاريخية و اشتراكها في كل الأحداث رغم ضعف الاتصالات و بعدها الجغرافي في الفترة الزمنية التي شملت حكم الفراعنة و سيدنا سليمان و بلقيس و مملكة كوش و العلاقات مع القدس.
المهم تصفحت كتاب سمراويت على عجل . فأغراني بعض محتواه الذي استدللت به من خلال تصفح سريع لبضع صفحات فوجدت فيها بعض الإشارات و بعض الكلمات المفتاحية التي جعلتني اقرر شراءه رغم ارتفاع سعره النسبي مقارنة ببعض كتب الروايات و القصص الأخرى.
ما أردت قوله أنني اشتريت الكتاب معللا نفسي بقصة رومانسية تحكي أحداثها عن علاقة عاطفية تزيد من معرفتنا بالعلاقات الإنسانية .او لعلها سياحة ثقافية تلقي بعض الضوء على بعض الجوانب الثقافية او التراثية لتلك المنطقة و لم يخب ظني في الصفحات الاوائل .إلى أن مجرى الأحداث انتزعني إلى صحو سياسي عميق و استدعاء للوعي بالذات و بالجار و بذي القربى.
لا أود في هذه المقدمة إلا أن اركز الضوء فقط على بعض الموضوعات التي ربما اشرت اليها و التي اوحت لي بها هذه الرواية دون غيرها و هي الموضوعات المتعلقة بالوعي بالذات و بالتاريخ و الوعي بالهوية و الانتماء.و قصدت من هذه المقدمة أن ندرس الماضي بعمق لانه الضوء الذي ينير لنا الطريق للحاضر و للمستقبل , رميت على أن يدركنا الصحو و الوعي و نحن نعيش و نصنع حاضرنا و نحن لا زلنا نعيش و نرى و نسمع و الأعداء كثر، و الطريق لا زال أمامنا طويل.
أما الجزء المتعلق بنقد الرواية و انطباعي الخاص عن الجانب الأدبي من اسلوب و خطة السرد و بناء الرواية من حيث البداية و النهاية و اللغة المستخدمة فذلك ما سوف أفرد له مساحة منفصلة في الموضوع القادم و الذي سيكون مخصص لهذا الغرض.

محمد عبدالله الحسين- الدوحة
mohammad alhussien [[email protected]





تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1495

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#493383 [أبوسماح الأرتري]
0.00/5 (0 صوت)

10-22-2012 02:28 PM
أولا نشكر الكاتب على الكلام الجميل والمقال الرائع ، فقط أود تصحيح اسم الكاتب الأرتري أسمه
( حجي جابر ) كاتب وصحفي أرتري مقيم بقطر يعمل حاليا بقناة الجزيرة الفضائية ، أما بشأن الرواية كعمل أدبي فأبشرك أنت مقدم على متعة أدبية رائعة رائعة رائعة بمعنى الكلمة وستنتقل بين أزقة وحواري جدة وشوارع أسمرا في شاعرية متفردة الكاتب حقا كاتب واعد والرواية نفسها رواية فازت بجائزة الشارقة للأعمال الأدبية لهذا العام من بين جميع الأعمال التي قدمت الخلاصة الرواية رائعة روعة الشعب الأرتري الأبي هذه شهادة من قارئ عتيد للروايات تحياتي


#492383 [taj alsafa]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2012 10:21 PM
عزيزي محمد
قرأت مقالك اعلاه بشغف و متعه حيث أنك تتمتع باسلوب راق في التعبير و موهبة فذة لنسج الحرف و الكلمات في منظوم مبهر. فقط أدعوك الي تقليل الأستطراد و كما ادعوك للتريث- بمعنىdon't jump to conclusions. منذ هذه اللحظه سأظل أبحث عما تكتب من مقالات أو كتبِ للوصف أو التحليل أو النقد. مع تمنياتى لك بالتوفيق.


#492316 [جبرين عيسى - الدوحة]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2012 06:34 PM
سمراويت، قصة للصديق الاستاذ/ حجي ناصر ، وهو من ابناء اريتريا " مواليد جده " يعيش في لندن كتب عن كتابه بعض الزملاء من الصحفيين السعوديين الذين عاشروا حجي في نفس الحي في جده.
كتاب قييم يستحق القراء لما فيه من معلومات قيمه نادرا ما تجدها في الكتب التي تحدثت عن اريتريا باللغة العربية.

شكرا استاذ محمد الحسين على تناول هذا الموضوع ، الكثير من دول الجوار للشقيقه السودان تستحق العناية والاهتمام وذلك للترابط التاريخي بين شعوب هذه المنطقة وعموم افريقيا ....


جبرين عيسى -- الدوحه

ناشط سياسي واعلامي تشادي


#492160 [بت حامد]
5.00/5 (1 صوت)

10-20-2012 01:48 PM
كلام راقي وعالي وانساني .الالتفات الى الشعوب المهمشة ,خاصة التي تربطنا بها علاقات ثقافية عميقة وقبائل مشتركة وتاريخ .قمة الانسانية في طرحك .لقد اغريتني لشراء الكتاب .فانا كم اتعاطف مع هذه الشعوب واتضامن معها .فكرت كثيرا فيهم منذ ان كانوا لاجيئين عندنا.وبناتهن اللائي كن يعملن في العمل المنزلي كعمالة رخيصة .مشردات لايلقين حظا من التعليم .وكلما ما امر على قنواتهم .اسال نفسي هذه البلدان ليس فيها موارد طبيعية .كيف حال التنمية فيها وماهو مستقبلها .لله درك يا استاذ.


ردود على بت حامد
United States [الزُول الكَانْ سَمِحْ] 10-20-2012 07:07 PM
يا بت حامد

هؤلاء الأريتريون..يمتازون عن كل شعوب القرن الأفريقى..بالوطنية وحبهم لبلادهم..أديهم من 5 إلى 10 سنوات وسترين إلى أين وصلوا بجدهم وإجتهادهم وإيمانهم وإلتفافهم حول قيادتهم..وأهديك تردد قناة أرتريا إن لم يكن لديك وهى على النايل سات وعربسات لتتابعى نهضتهم التى يدأوها منذ الإستقلال:نايلسات..التردد12469 27500 H
عربسات:11727 27500 H


#492146 [الزوُل الكَان سَمِحْ]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2012 01:19 PM
الأخ محمد

سبق للأخت لمياء شمت أيضاً تناول هذا الكتاب فى يونيو 2012 ..نرفق رابطه هنا..وقد بحثت عنه فى المكتبات بجدة ولم أجده..وقد تشوقت لقراءته..بعد مقاليكما أنت والستاذة لمياء

http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-21825.htm


ردود على الزوُل الكَان سَمِحْ
Saudi Arabia [أبوسماح الأرتري] 10-22-2012 03:32 PM
الكتاب حسب آخر معلومة لدي موجود حاليابجدة بمكتبة جرير بشارع فلسطين الطبعة الثانية الكتاب يستحق القراءة فعلا فهو أكثر من رائع عمل أدبي فريد ومتميز وشجاع وواعد في آن واحد ينقلك بشاعرية الشاعر السعودي محمد الثبيتي والشاعر الأرتري عمار الشيخ بحرفية متقنة بين حواري جدة وشوارع أسمرا.. فعلا يستحق القراءة مع تحياتي / أبوسماح كاتب ومحامي أرتري مقيم بجدة

United States [بت حامد] 10-21-2012 01:04 PM
شكرا ياخي نعم نحن من افريقيا السمراء من مهد الاسود كم افتخر. هذه الشعوب بها طيبة ورقة .
واخلاص لقد تعاملت معهم في كثير من بقاع العالم .وكم كانو مهذبين .حتى حضاراتهم يتجاهلها العالم وهم اصحاب حضارت قديمة .السودان كان من المفترض ان يكون رائد في نهضة الشعوب الافريقية .لكن الله يجازي الكان السبب .


محمد عبد الله الحسين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة