المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
ولكن، رغم دماس العتمة...هنالك ومضات!ا
ولكن، رغم دماس العتمة...هنالك ومضات!ا
10-16-2010 03:51 PM

قراءة في المشهد السياسي

ولكن، رغم دماس العتمة...هنالك ومضات!

د. الشفيع خضر سعيد

حقا، كما قال لي صديق، إن نصوص اتفاقية السلام الشامل كأنما هي حبيبات منضومة، بخيط رفيع، في عقد فريد، لكن الشريكين ظل كل منهما ممسكاً بأحد طرفي هذا الخيط الرفيع يشده ويجذبه بقوة إلى جانبه بدلاً من دفع الطرفين ليلتقيا في حلقة الاكتمال، حتى انفرط العقد وتناثرت حبيباته على أوجاع الشعب فزادته عذاباً على عذاب. وفي الحقيقة، ورغم أي انتقاد لها، وهو في جوهره انتقاد صحيح، فإن اتفاقية السلام الشامل جاءت بحزمة نصوص مؤهلة لمخاطبة قضايا بناء الدولة السودانية لولا أن تم التعامل معها وكأنها ملكية خاصة مسجلة حصرياً باسم الشريكين، ولولا أيضاً عجز هذين الشريكين في الانخراط والتصدي للأعباء اليومية لترسيخ معاني نصوص الاتفاقية ومراكمة مكونات جوهرها حتى تتوج بالوصول بنجاح إلى قمتيها اللتين انتظرهما الجميع: قمة التحول الديمقراطي أي الانتخابات الحرة النزيهة، وقمة تحقيق شعار تقرير المصير، أي الاستفتاء المتوقع في يناير 2011م. والكل يعلم مسلسلات الصراع الممتد منذ التوقيع على الاتفاقية بهدف تحقيق الصعود إلى القمة الأولى، أي الانتخابات، والمتمثل في: معركة القوانين المقيدة للحريات وقانون الانتخابات، استقلال القضاء، قومية أجهزة الدولة، حياد وموضوعية الإعلام، رفع الوصاية عن النقابات والاتحادات، الأشكال التعبيرية من مظاهرات ومواكب، إلى غير ذلك من العراقيل الثقيلة والتي أدت إلى انتصار زائف في انتخابات وهمية. وهكذا سقطت القمة الأولى في القاع، مما جعل الطريق إلى القمة الثانية، أي الاستفتاء، دامس الظلام. أعتقد، لن يعترض إلا مكابر على حقيقة أن نجاح قمة الانتخابات كان سيعطي الشعب السوداني بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، المدنية والعسكرية، فرصة لمناقشة هادئة بناءة تصبو نحو هدف أساسي هو انتصار ونجاح القمة الثانية، أي الاستفتاء، بما يعني التراضي على حلول تحفظ كيان الوطن وتحقق أحلام الجنوبيين في وطن يسع الجميع. وللأسف الشديد، فإن ما نراه الآن من مزالق ومطبات ومزايدات، واستقطاب حاد، وعنف لفظي، وقمع لأشكال التعبير، يجعلنا نشعر وكأننا لتونا بدأنا الخطوة الأولى في مفاوضات وقف الحرب.... هذا جو غير معافى، حتى لمجرد التفكير ناهيك لإدارة حوار يترتب عليه مستقبل الوطن وقادم شبابه اليافع الذي يرفض الاحتراب ويحب الحياة والإبداع. ولكن، رغم دماس العتمة... هنالك ومضات!
ومضة أولى: اللقاء الجنوبي الجنوبي في جوبا
الحركة الشعبية لتحرير السودان دعت إلى حوار جنوبي جنوبي، لم تستثني منه أحداً حتى أولئك الذين تعتبرهم في خانة الخصوم، كما أن اللقاء سيضم، بالفعل، معظم مكونات الطيف السياسي في الوطن شماله وجنوبه. أعتقد أن هذه خطوة إيجابية تعبر، في جانب منها، عن الإلتفات إلى إعمال مبدأ إعادة النظر، وعن التريث، وربما التراجع قليلاً للوراء، بهدف، كما نأمل جميعنا أو نحلم، أن يساعد ذلك في الانطلاق بقوة إلى الأمام صوب تحقيق هدف أولي هو اختيار أفضل الأوضاع للشعب في الجنوب والشمال. وفي تقديري فإن من أول مهام هذا الملتقى، المتوقع التئامه وربما اختتامه عند صدور هذا المقال، هو تسييد وترسيخ مفهومي الديمقراطية والمواطنة في مواجهة النعرات القبلية والعصبية والتي هي أس أدواء الأمم والتي حين تواجه بالاستبداد تبدأ الحروب. كما أحلم أن تحلق في أجواء اللقاء فكرة أن الحفاظ على وحدة البلاد تستحق أن نتمسك بالأمل حتى الثواني الأخيرة، وربما بعدها، وأن نرعى ونعتني بأي جهد في هذا المسار، مهما ضعفت حظوظه. إن لقاءات الحركة الشعبية بلام أكول وبونا ملوال وغيرهما من القيادات الجنوبية ذات الرؤى المختلفة والمتباينة يوفر فرصة لتلاقح جيد لذات سبب الاختلاف والتباين، خاصة وأن هؤلاء القادة جميعهم لديهم تصوراتهم للمشكلة السودانية تشجع الدفع بإيجابية نحو ثقافة سودانية تقوم على أسس جديدة... ستكتشف ذلك، عزيزي القارئ، إذا تأملت معي المقتطفات التالية من أحاديث ثلاثة من هولاء القادة:
في منتصف التسعينات، كتب د. لام أكول في صحيفة «الأهرام المصرية»: «إن البحث عن مقومات الوحدة الحقيقية في السودان الذي أنهكه الصراع الداخلي لا بد أن يغوص إلى العمق بحثاً عن الحقائق بعيداً عن الأوهام. أولى إشكاليات الوحدة هي الفهم الصحيح لعروبة السودان. فالسودان تتفرد في هذه الناحية من بين الدول العربية الأخرى التي تتطابق فيها عروبة العرق واللسان. فالعرب في السودان تتمازج عندهم الثقافة العربية بالثقافات الإفريقية ومن الخطأ بمكان محاولة إسقاط تجارب عربية معينة على الواقع السوداني. وعليه لا بد من الاعتراف أن التوجه العروبي منذ الاستقلال والذي جاهد في نسف الثقافات الأخرى لن يفيد في توحيد البلاد. فالسودان لا يمكن أن يكون إلا بالاعتراف بكل مكونات هويته المتعددة والتي تشكل العروبة جزءاً منها».
وفي مارس 2004م، صرح السيد بونا ملوال لجريدة «الشرق الأوسط» قائلا: «إذا أحسن الجميع الأداء خلال الفترة الانتقالية ونفذوا البرنامج المتفق عليه، فلا ريب أن الوحدة ستكون هي الخيار المفضل، وحتماً ان روح الوئام والثقة والشفافية والجدية ستكون خير زاد في خيار الوحدة حتى لو لم تكن الفترة الانتقالية كافية لتحقيق كل البرنامج، فتنفيذ بعضه بجدية يؤدي للاقتناع بإمكانية الوصول إلى ما هو مرتجى في السنوات التالية طالما توطدت الثقة وتأكدت الجدية في الإنجاز».
وفي حفل تنصيبه كرئيس للجنوب عقب الانتخابات الأخيرة في 2010م، تحدث السيد سلفاكير قائلاً: «إن النظام الذي استندت على دعائمه الدولة السودانية منذ فجر الاستقلال ظل يتآكل حتى وصل اليوم مرحلة الانهيار الكامل، والدليل على هذا الانهيار الحروب المدمرة التي دارت في مختلف العهود بين المركز والأطراف في الجنوب والغرب والشرق. هذا الانهيار لا يمكن وقفه وتجاوزه إلا بإصلاح الخطأ في أسس بناء الدولة السودانية حتى تستوعب تلك الحقائق الموضوعية. ومع بداية الفترة الانتقالية، كنا نطمع في عمليات جادة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي تزيل مظالم الماضي ونصلح الأضرار الخطيرة التي أصابت أعمدة هياكل الدولة السودانية. لكن شركاءنا في المؤتمر الوطني لم يكونوا في عجلة من أمرهم للقيام بخطوات محسوسة للحفاظ على وحدة السودان. وهكذا انقضت الفترة الانتقالية بأكملها دون أي عمل جاد وذي مغزى لتحقيق هدف الوحدة. لقد ظننا أن اتفاقية السلام الشامل وفرت آليات يمكن أن تبتدر حواراً قومياً لمراجعة الترتيبات السياسية الواردة في الاتفاقية حتى ندخل عليها التحسينات التي من شأنها الحفاظ على وحدة الوطن. وإن بروتوكول قسمة السلطة نص على إجراء مراجعة دستورية وطنية من شأنها أن توفر هذه الفرصة، ولكن ذلك تم تجاهله في يسر من جانب شركائنا الذين كانوا مشغولين بأمور أخرى».
ومضة ثانية: لقاء قادة أحزاب المعارضة في الخرطوم
في الثاني عشر من هذا الشهر عقد رؤساء أحزاب المعارضة اجتماعاً استثنائياً ناقشوا فيه ما أسموه، عن حق، بوقوف البلاد على شفا هاوية عميقة يدفعها نحوها حزمة من الاستقطابات الحادة. صدر عن الاجتماع نداء هام جاء في وقته. ولعل من أهم فقرات النداء، تلك التي تشير إلى ضرورة العمل لخلق الضمانات اللازمة لوحدة البلاد على أساس دستوري وسياسي جديد يتأسس على الدولة المدنية الديمقراطية المؤسسة على المواطنة والتي تحترم التعدد الديني والثقافي والعرقي واحترام حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون. ولجعل السودان أنموذجاً للتعاون والتكامل العربي الأفريقي، والإسلامي المسيحي. أنموذجاً للوحدة في ظل التنوع. وكذلك الفقرة التي تقول: «إذا قرر الجنوبيون عبر استفتاء حر ونزيه الانفصال فنحن نحترم قرارهم ونعترف به». كذلك أصدر الاجتماع قراراً هاماً جداً بإرسال وفد من رؤساء الأحزاب إلى جوبا للالتقاء بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومخاطبة اجتماعات مجلس التحرير الوطني للحركة. أعتقد أن القطار يسير في الطريق الصحيح، فقط تبقى أن يكون محملاً بمشروع محدد المعالم لوحدة السودان على أسس جديدة، يحمله هؤلاء القادة للحوار حوله مع قادة الحركة الشعبية ومع قادة المؤتمر الوطني..!
أخيرا، فعلاً أريد أن آخذ حديث السيد رئيس الجمهورية في افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، مأخذ الجد، بل وأعتبره ومضة ثالثة. في حديثه، ناشد رئيس الجمهورية كل القوى السياسية لشحذ هممها من أجل خيار الوحدة، ودعانا لتوقع ترتيبات دستورية كبيرة، كما تعهد بمراجعة اتفاق الترتيبات الأمنية في اتفاق السلام الشامل واصفاً الجيش الشعبي لتحرير السودان بمكون أصيل من مكونات الجيش الوطني السوداني.....! ومثلما أخذت قول السيد رئيس الجمهورية مأخذ الجد، أقول له بكل الجد لا بد من تحويل هذا الكلام الطيب إلى فعل طيب، إلى استعداد للتنازل والمساومة والتوافق مع كل مكونات هذا الوطن حول مشروع يحافظ على وحدته وأمن وسلامة شعبه. أتذكر هنا ما طرحه الراحل د. جون قرنق في العام 1993م، وإبان محادثات أبوجا بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان، حين خاطب الحضور قائلا: «تمسكت الحركة الشعبية لتحرير السودان بهدف مبدئي هو القتال من أجل سودان موحد. وحتى نتحاشى سوء الفهم وسوء التأويل يجب أن نقرر ونكرر دون أي لبس إن الوحدة التي نتحدث عنها، إنما هي وحدة بمواصفات خاصة، إنها لا يمكن أن تكون وحدة من أجل الوحدة. الوحدة السودانية يجب أن تفهم على أسس جديدة ترتكز على حقيقة إن السودان الموحد يجب أن يكون سوداناً ديمقراطياً متعدد الأعراق، متعدد الثقافات، متعدد اللغات ومتعدد الديانات.... هذا ما ندعوه السودان الجديد».

الاحداث


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1416

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#35612 [سعيد عبدالله سعيد شاهين]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2010 05:33 PM

عزيزى د/ الشفيع ، منذ تلك الليلة الإحتفاليه بدار حزب الوفد وانت جالس فى اقصى يمين المنصه الرئيسيه فى مواجهة الحضور ، وكان من ضمن الحضور الأستاذ فاروق ابوعيس ود/ إجلال رافت والتى كنت اداعبها دوما بوزيرة خارجية حكومة الظل باعتبار انها مسؤولة ملف السودان بحزب الوفد وكان فى المنصه حضورا قادما لتوه من نيفاشا مندوب الحركه والذى تداخل معى اثناء حديثى مداعبا انو ناس المؤتمر علمونا وضحك الجميع لحظتها من تعليقه الظريف !؟
فى تلكم الليله الإحتفاليه بمناسبة توقيع الإتفاقيه صدمت الناس عندما ذكرت لهم أول انتقاد للإتفاقيه وقلت أن المؤتمر الوطنى لا يمثل كل الشمال والحركه لا تمثل كل الجنوب وزدت على ذلك مذكرا الجميع أن قدر السودان صار بدلا ان يتحمل عبء ديكتاتوريه واحده صار قدره محاربة دبكتاوريتين هما الحركه والمؤتمر لأنهم فرضوا نفسهم بقوة السلاح ليس إلا ؟ لحظتها شعرت أن كلماتى هذه قد لقيت تجاوبا نفسيا منكم ،ومنذ تلك اللحظه تفاءلت خيرا بان شباب السودان قادم .
الحقيقه المره د/ الشفيع أن احزاب المعارضه كان من المفترض أن تلعب دور القوى الثالثه معبره عن الحس الوطنى بتجرد وكمراقب حازم لأى إنفلات ودون تحيز أو مكايده وأجنده خاصه حتى يجتاز الجميع مرحلة الفتره الإنتقاليه ، لكن وقع التجمع فى الخطأ للمرة الثانيه بانقياده الأعمى لتكتيك الحركه الإنصرافى حتى وصلنا لهذه المرحله التى يتحمل مسئوليتها الجميع دون فرز وبنسب متفاوته ايا كانت
ورغما عن ذلك ما زال هناك ضوء فى آخر النفق مع تحياتى


#35560 [عبدالرازق الجاك]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2010 03:28 PM
ان كان هذا هو واقع الحال اذا ما المشكلة السودان لا يحتاج لتمزيق حتي يفهم اهله كلهم طبيعة العيش سويا لكن ما بال هذه الايادي التي تلب لعبة الموت الخفيه وتدلس علي اهلنا البسطاء ؟ لماذا لا نضع دستورا دائما يرضي الجميع ويرضي به الكل ؟ هل الحرب هي الحل لكل مشاكانا السياسية ؟ لا والف لا هي حرب كانت مفروضة علينا لعدة اسباب ولا داعي لذكرها لانها لن تعود باذن الواحد الاحد ان شاء الله لكن يبقي الاما بعد الاستعانة بالله يبقي في العقلاء من امتنا وهؤلاء موجودون والحمد لله نتمني ان يعمر السودان بدلا عن ان يدمر بالشتات ونتمني ان يستقل السودان كل ثرواته الموجودة في كل بقاعه وهي ثروات تغني الجميع ولا تفقرهم وهي متاحة اذا صبرنا وحكمنا فينا صوت العقل وليس هذه الاصوات النشاز التي صارت تعلو هنا وهناك والله المستعان وهو الحفيظ


د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة