سقوط حر
10-21-2012 03:35 PM

سقوط حر

لمياء شمت
[email protected]

سؤال لطالما حاول النقاد أن يبذلوا له بعض التفاسير: لماذا يتجاوز الأدب البشر ليتجه بمثل هذه الكثافة والتعمد الملحوظين، نحو (أنسنة) كل الموجودات والكائنات على إطلاقها، بل وإسباغ أنبل الصفات الإنسانية عليها بلا أدنى تحفظ؟!

ونجد من ضمن البعض القليل الذي تصدى للاجابة الروائي البرتغالي التسعيني جوزي ساراماغو،الحائز على جائزة نوبل للآداب للعام 1998م،كأول كاتب في البرتغالية ينال هذا التقدير العالمي الرفيع، والذي يُعرِّف نفسه بأنه ينتمي لشجرة العائلة الفكرية التي تضم غوغول وفرانز كافكا.ومن أشهر رواياته (دليل الرسم والخط) و(الوضوح) و(الإنجيل يحب يسوع المسيح)،التي أقامت الدنيا ولم تقعدها،حتى أن السلطات البرتغالية قررت وقف الجدل بنفي ساراماغو نفسه إلى جزر الكناري! يقول هذا الروائي، بعبارات جريئة وصادمة، إن العثور على خصائص إنسانية في أمم الحيوانات ببراءتها الروحية، وفطرتها السليمة وغرائزها السوية وحريتها المحببة،بات أسهل بما لا يقاس من العثور عليها في عالم الانسان! ويضيف بأسى أن روح الانسانية قد نزعت من البشر نهائياً، بينما بثت في سائر الموجودات، بما في ذلك .. الحجارة الصماء!

ويمضي ساراماغو ليؤكد بحماسة بالغة،ولغة مشتعلة لا تعرف المجاملة أن أوقع وأفضل شخصياته الروائية على الإطلاق هي شخصية (الكلب)،الذي يمثل عنده الانسانية في أرفع درجاتها،والصفاء الروحي في أنقى ينابيعه،حتى أن (الكلب) ليتفجع من مآل البشر،فيرق، بل ويجهش أحيانا حتى تتخضل فروة وجهه! ويستطرد ساراماغو بان جل ما يتمناه، عندما تذوي كتاباته،وتذهب طي النسيان،أن يبقى (الكلب) شاخصاً في وجدان قرائه كشخصية خيرة عميقة الإنسانية! ويختم الروائي البرتغالي إفادته بأنه،في لحظة الكشف التي تعطي النص عمقه الإبداعي و رؤاه الفكرية، وجد نفسه يختتم روايته بعواء (كلب)، لتكون تلك الصورة الرامزة إشارة طاوية للسؤال الذي يطرحه في جل رواياته عن ماهية الحياة ومعناها الغائر،ليفتح ذلك العواء الحزين باب التأويل على مصرعيه.

من يدري ، فلعل كلب ساراماغوالمحزون الكظيم يدعو البشرية في أوابد حضيضها أن تبدأ جدياً في البحث عما يعوض عن إنسانيتها المسفوحة، في زمن انتصار القبح والخواء والجدب والعبث. وبما أن العقل البشري يبدو وكأنه يوشك أن ينزل عن سدته، لتفوز بالسلطة وتحكم البشرية أعضاء أخرى، فما ضر هذا (الكلب) أن يتناسى أساه ومكابداته، فلا يجد حرجاً في أن يفخر ويباهي بما خلعه عليه الروائي الكبير من صفات، وما أسبغ من مكرمات، من وقف ميراث عظيم لا مُطالب به. لكن الكلب لا يفعل، بل يتلفت مشفقاً حسيراً كسيفاً وهو يرى الإنسانية في عبثها المتقن، تأخذ أنفاسها بعمق، قبل أن تقفز في سقوط حر،يخترق كل حواجز الصوت،صوب القاع!



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1708

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#492956 [طشاش]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2012 11:04 PM
الانسانة /لمياء
الارض تتنفس

اقتباس

لماذا يتجاوز الأدب البشر ليتجه بمثل هذه الكثافة والتعمد الملحوظين، نحو (أنسنة) كل الموجودات والكائنات على إطلاقها،

تطور العقل البشري وبالتالي طرائق تفكيره فاوجدت له نتاج مادي ضخم

وهو ما نراه اليوم من تكنولوجيا كان عصي حتي علي العقل البشري الطبيعي ان يستوعبه

وخير مثال مدينة لاس فيجاس ....وبالتالي اصبح الانسان عبارة عن آلة تعمل دون توقف

تفتقد الي الجانب الروحاني الذي يحتاج الي الهدؤ والتأمل ..ويفتقد الاحسايس

والمشاعر المتبادلة وردود الفعل الطبيعية وهذه الاشياء نتشارك فيها مع بقية الكائنات

الموجودة ...

والانسان دائماً ما يبحث عن الشئ الذي يفتقده ..لذلك نجده اكثر ميلاً للتواصل الحسي والمعنوي

مع (الطبيعة )والحيوانات بصفة خاصة لانها تبادله هذه الاحاسيس والمشاعر

بصورة اكثر صدقاً وشفافية..

الانسان خليط من المشاعر والاحسايس والفطرة والعقل كلها تكمل بعضها

ان طغت المشاعر والاحاسيس اصبح الانسان خارج واقعه؟

وان طغت الفطرة اصبح الانسان (بهيمياً )

وان طغا العقل اصبح الانسان آلة


#492876 [كباريت]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2012 07:17 PM
يييي


#492832 [كباريت]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2012 05:14 PM
لعلهم بهذا يرجعون دون وعي إلى أسس الدين الإسلامي. فمن المعروف أن الحيوانات تسبح لله سبحانه وتعالى والجمادات تسبح له أيضا وكثير من المخلوقات الحية ولكننا لا نفقه تسبيحها. التسبيح في مجمله يعني الإدارك والوعي حتى ولو كان وعياً فطرياًتسخيرياً. ومن المعلوم أن (كلب) أهل الكهف هو الكلب الوحيد أو (ربما) الحيوان الوحيد الذي يدخل الجنة. كثير من الحيوانات حرم علينا أكل لحمها ووصفت بالنجاسة ولكن ذلك لا ينفي نبلها وكرمهاوفائدتها للإنسان. ترى من علم الهدهد أن يدرك أن الملكة بلقيس تعبد الشمس وأن عبادة الشمس حرام؟ من علم النمل أن سيدنا وجنوده على مقربة منهم وأنهم ربما يدوسونهم وهم لا يشعرون؟ إذا أوغل الإنسان في التوحش بفعله وعقله، فلا ريب أن تكون بعض الحيوانات أكثر إنسانية منه. حتى كلمة إنسانية الراجعة إلى الإنسان أصبحت مدلول يتحاج إلى كثير من المراجعة طالما حقق الإنسان معناً مضاد لهذا الوعاء الذي يحتمل كلمة إنسان. ربما نسمع قريباًبمصطلح (القرددة)، أن تكون أكثر قردية في تصرفاتك وأفعالك، وتتخلى عن إنسانيتك التي أصبحت تعني كل معنى رذيل. ربما!!!


لمياء شمت
لمياء شمت

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة