المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الدولة المدنية معناها ومغزاها
الدولة المدنية معناها ومغزاها
10-22-2012 09:59 AM

الدولة المدنية معناها ومغزاها

جمال ادريس الكنين
[email protected]

تبدو اهمية هذه الورقة، أولا في اهمية معرفة معني الدولة المدنية,وفي ضرورة قيام الدولة المدنية الديمقراطية في السودان . بعد ان عشنا تجربة سياسية استطالت بالقهر والظلم والفساد .كانت نتيجتها فقرا شاملا للعباد، وخرابا وتمزيقا للبلاد . وكل هذا تم تحت راية اقامة الدين وتطبيق الشريعة.. وثانيا لمواجهة المد الظلامي الذي يسعي لأعادة تجريب المجرب. وثالثا لنقض وتفنيد دعاوي الذين يعارضون الدولة المدنية الديمقراطية وحجتهم ان (الدولة المدنية تعني الدولة العلمانية ، اللادينية التي يستبعد فيها الدين عن الحياة العامة.كما في تجربة اوروبا مع المسيحية، وأن مصطلح الدولة المدنية مستورد من تجربة اوروبا)... كذلك تنبع اهمية الورقة من ضرورة تعبئة وحشد كل قطاعات الشعب في الداخل والخارج حول شعار الدولة المدنية الان لمواجهة السلطة وتوابعها من القوي والجماعات التي لم تتعلم شيئا من الفشل . وتسعي الان ومستقبلا للاستمرار في ذات الطريق, وترفع شعار الدستور الاسلامي وتحكيم الشريعة.
ضبط المعني والمصطلح: لمعرفة المعني الصحيح لمصطلح الدولة المدنية نحتاج ان نعرف معني لفظ مدنية واصلها في اللغة العربية ومعناها في لغات اوروبا، لنثبت زيف الادعاء وتهافت المسعي للذين يحيلوننا الي لغات اوروبا بدعوي ان الاوروبيين يعنون بالمدنية فصل الدين عن الدولة و المجتمع.. ونتابع تطور المعني ، لأن الالفاظ في كل اللغات يمكن ان يتطور معناها بتغير المكان والزمان بحسب ما يصطلح الناس عليه في استخدام اللفظ .
مدنية من الفعل مدن وفي لسان العرب مدن بالمكان يعني اقام به ومنه المدينة علي وزن فعيلة، المدينة ايضا تعني الحصن. ومن الفعل مدن اشتقت مدينة، مدني، مدنية، تمدن ومتمدن.. المدينة هي مكان الاستقرار والعمران . والمدنية في اللغة اما اسم معرف مثل قول المدنية بمعني الحياة الحديثة أو الحضارة، أو صفة لوصف حياة المدينة في طورها المتقدم في شتي مجالات الحياة من العلوم والمعارف والاداب والثقافة والصنائع والحرف والخدمات والتجارة والمباني والملابس والاكل والشراب والترف والرفاهية. والمدنية لغة تعني ضد البداوة . و في السياسة يستخدم مصطلح الدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية التي مازال البعض يدعو لها .. والدولة المدنية ليست ضد الدين انما هي ضد المشروع السياسي الذي يدعي اصحابه انه يحكم باسم الدين، وقد شهد القاصي والداني بأنه مشروعا عاريا تماما من مقاصد الدين واخلاق الدين.. وكذلك الدولة المدنية ضد اي مشروع سياسي يسعي اصحابه أو يظنوا انهم يمكنهم ان يقيموا مرة اخري سلطة بأسم الدين.
مدني، متمدن ومدنية يقابلها في القاموس الانجليزي كلمة Civil ، ومديني يقابلها Civic . اما كلمة Civics فهي تعني علم التربية المدنية وعلم حقوق المواطنين وواجباتهم.. Civilization تعني مدنية وحضارة.. Civil service تعني خدمة مدنية.. Civil society تعني مجتمع مدني.. Civil Demogratic State تعني دولة مدنية ديمقراطية.
مما سبق ذكره من كلمة مدني ومدنية لاتشير الي العلمانية او اللادينية. والكلمة الانجليزية التي تعني العلمانية او اللادينية هي كلمة سيكيولارSecular . وفي القاموس الانجليزي تعني هذه الكلمة وصف شيئ ليس له علاقة بالدين. وسيكيولاريزمSecularism في القاموس تعني النظام الذي لا يلعب الدين فيه اي دور في التعليم أوتنظيم المجتمع..بمعني فصل الدين عن الدولة، وهي العلمانية كما في اوروبا.. ومعظم الكلمات الانجليزبةالتي تبدأ بالمقطع sec يفيد معناها الفصل، القطع، الحجز، الحماية.
اما الدولة المدنية التي نعنيها، يلعب فيها الدين دوره الاجتماعي كما عهدناه ونعيشه في حياتنا الاجتماعية وفي التعليم. انها ببساطة دولة السودان ومجتمع السودان منذ الاستقلال الي عام83، الذي بعده دخلت البلاد في نفق التجربة التي سميت تطبيق شرع الله، بمباركة ومبايعة الحركة الاسلاموية، بعدها استولت الحركة الاسلاموية في عام 89علي الحكم منفردة وادخلت البلاد والعباد في جحر الانقاذ، الذي سيخرج منه الشعب حتما الي فضاء الدولة المدنية الديمقراطية التي يتدافع فيها الناس ويتنافسوا علي الحكم والسلطة السياسية من خلال برامج وسياسات لحل مشكلات الناس والمجتمع، بعيدا عن الادعاء والوصاية علي الناس باسم توبة الحكم والسياسة الي الدين أو ربط قيم السماء بالارض، واقامة الدين، وكثير من شعارات اللغة الملتوية الغامضة والمخاتلة.التي ما اورثتنا الا الهلاك والخراب.

اصالة المصطلح:ان ورود كلمة مدني ومدنية في كتابات علماء المسلمين تؤكد اصالة المصطلح في التراث العربي الاسلامي. و في تطور طبيعي للمعني يتم تداوله في عصرنا الحالي في عدة استعمالات .منها مصطلح الدولة المدنية. والدولة المدنية ماهي الا نتاج للمدنية الحديثة.
الامام محمد عبده في كتابه (الاسلام بين العلم والمدنية) يتحدث مدافعا عن مدنية الاسلام ودوره في نهضة اوروبا يقول
((ان اول شرارة الهبت نفوس الغربيين فطارت بها الي المدنية الحاضرة، كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كانت يسطع ضوءها من الاندلس علي ما جاورها))
((كانت اوروبا الآرية همجية والعلم والمدنية لم ينبعا من معينها وانما جاءها بمخالطة الامم السامية)). (( المدنية السامية التي جاء بها الاسلام الي اوروبا بعلوم اهل فارس والهند والمصريين والرومانيين واليونانيين)).((المدنية السامية التي جاء بها الاسلام تصادم بها مع المدنية الآرية التي سقيت بالدماء في سبيل مطاردة العلم والحرية وطوالع المدنية الحاضرة)
((ان الاسلام لن يقف عثرة في سبيل المدنية ابدا لكنه سيهذبها وينقيها من اوضارها، وستكون المدنية من اقوي انصاره متي عرفته وعرفها اهله)).
الشيخ علي عبدالرازق في كتاب الاسلام واصول الحكم يدعو الي الحكم المدني بدلا من الخلافة التي كان البعض يدعو الي بعثها من جديد بعد نهايتها مع اتاتورك في تركيا ((لاشئ في الاسلام يمنعنا من ان نسابق كل الامم في علوم الاجتماع والسياسة، لنهدم كل ماهو عتيق وقديم ونبني نظمنا السياسية علي ابداع السياسة العقلية في تجارب الامم علي خير اصول الحكم واحدثها علي مبادئ العدل والحرية)).
ابن خلدون في المقدمة يذكر:((الاجتماع الانساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم ان الانسان مدني بالطبع، اي لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معني العمران)). والعمران عند ابن خلدون يعني(اتساع العيش والتفنن في احواله، والترف في الاحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والصناعات والحرف، مع الترف والمباهاة). فمصطلح العمران الخلدوني يعني المدينة والمدنية.
((العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها امره)(البشر لابد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون اليه. وحكمه فيهم تارة يكون مستندا الي شرع منزل، وتارة الي سياسة عقلية) (ماتسمعه من السياسة المدنية معناه عند الحكماء، مايجب ان يكون عليه كل واحد من اهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتي يستغنوا عن الحكام ويسمون المجتمع بالمدينة الفاضلة، والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية))
((ثم ان السياسة العقلية التي قدمناها تكون علي وجهين. أحدهما يراعي فيه المصالح علي العموم، ومصالح السلطان علي الخصوص. وثانيهما ان يراعي فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة، وتكون المصالح العامة في هذا تبعا) ( وهذه السياسة العقلية التي يحمل عليها اهل الاجتماع(المجتمع) هي لسائر الملوك في العالم من مسلم وغيره. الا ان ملوك المسلمين يجرون منها علي ما تقتضيه الشريعة بحسب جهدهم.. وقوانينها اذا مجتمعة من أحكام شرعية واداب خلقية وقوانين في الاجتماع طبيعية، واشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضروري. والاقتداء فيها بالشرع ثم الحكماء في ادابهم، والملوك في سيرهم)).
نستخلص من توسع ابن خلدون وتفصيله في السياسة العقلية بأنها هي القاعدة التي تسير عليها البشرية في الحكم. وهذه السياسة العقلية(مدنية الدولة)وقوانينها. هي لسائر المجتمعات، ، تتعدد فيها مصادر القوانين، الا ان المسلمين عندهم الشريعة تكون اضافة مع المصادر الاخري للتشريع وهي ليست المصدر الوحيد او الاساسي .نلاحظ حينما يتحدث ابن خلدون عن الشريعة يقول ماتقتضيه الشريعة بحسب جهدهم أي بقدر اجتهادهم وتفسيرهم لنصوص الشريعة.ويتحدث عن الاقتداء بالشرع. وليس تطبيق الشرع، لأنه يعلم ان نصوص الشرع للاقتداء والاهتداء، لأن (هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم). ولأنه لايوجد تطبيق حرفي للشرع انما تطبيق الفهم والتفسير الذي يراه من يحكم.
حينما يتحدث ابن خلدون عن (الاداب الخلقية) و(قوانين في الاجتماع طبيعية) و(الحكماء في ادابهم) و(الملوك في سيرهم)، يعني بمصطلحات عصرنا كل ما توصلت له المجتمعات الانسانية من قيم وفضائل ونظم وقواعد تواضعت عليها في مواثيق عالمية.وكل الاعراف والتجارب والسوابق الصالحة في الحكم وقوانينه. وحديثه عن مراعاة الشوكة والعصبية يعني مراعاة التعدد والتنوع في المجتمع عند اهل الحكم وفي وضع القوانين. ونستخلص من موقف ابن خلدون اهمية تعدد مصا در التشريع في الحكم وهذا من اهم شروط الدولة المدنية الديمقراطية.
قارن هذا الموقف العقلاني المتقدم لهذا الفقيه السني والمتكلم الاشعري وعالم التاريخ والاجتماع وفيلسوف العمران البشري، مع موقف الذين يتحدثون الان عن دولة الشريعة الخالصة، والدستور الاسلامي. والمصدر الوحيد للتشريع.
الرفض الآيديولوجي: الرافضين للدولة المدنية ينطلقون من موقف قديم تجاه المدنية ، قال به ابوالاعلي المودودي في ثلاثينات القرن الماضي، في محاضرة له بعنوان الاسلام والمدنية الحديثة. قال فيها ان المدنية الحديثة قائمة علي ثلاثة قواعد فاسدة وخبيثة، 1-العلمانية(وتعني عنده عزل الدين عن الحياة الاجتماعية للافراد؟!) 2-الديمقراطية 3-القومية . ويجب هدم هذه القواعد لانها منبع الشرور والاثام التي تعاني منها البشرية. واقامة ثلاثة مبادئ يعتقد في صلاحها وسدادها . وهي مبدأ التسليم لله وطاعته, بديلا عن العلمانية، والانسانية العالمية بديلا عن القومية المحدودة الضيقة، وحاكمية وسيادة الله وخلافة المؤمنين بديلا عن الديمقراطية وسيادة الشعب..ان هذا الموقف هو الاساس الايديولوجي لكل حركات الاسلام السياسي.من المودودي مرورا بسيد قطب وصولا الي معاصرينا(وهو واحد من اسباب فشل الاسلاميين، وذلك لتركيز خطابهم حول مفاهيم الهدم والتشويه للآخر منذ خمسينات القرن الماضي واهمالهم مفاهيم مثل التنميةوالديمقراطية والعدالة والحرية.انه خطاب قائم علي فكرة الهدم والتشويه ولايملك اي رؤية للبناءوالتنمية) وقد كانت هذه الحركات حتي ثمانينات القرن الماضي تعادي القومية وتنعتها بالصنم الا انها امام ظروف الواقع الموضوعية و(قوانين في الاجتماع طبيعية)بتعبير ابن خلدون. تراجعت معظمها عن معاداة الفكرة القومية. و الآن مع ديمقراطية ثورة الربيع العربي تعلن معظم هذه الحركات وقوفها مع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة الشعب . وسيأتي اليوم الذي ستفهم فيه حركات الاسلام السياسي المعني الحقيقي للعلمانية بأنها من العلم وانها تعني قيام وتنظيم الدولة علي اسس العلم والموضوعية والمصلحة. والعلم اداته العقل والحس والتجربة. والاسلام دين علماني بطبعه لانه يحض علي العلم والمعرفة بالتعقل والتفكر والتدبر. وهذه علمانية المسلمين.
ان الرافضين للدولة المدنية، يتعمدون الربط التعسفي بين تفسير المدنية الغربية الحديثة عند المودودي ومصطلح الدولة المدنية، ويخلطون عن قصد في المعني لينطلقوا بأستراتيجية تشويه خطاب مخالفيهم وتسفيه ارائهم ، فيصرون مستكبرين علي ان المدنية تعني العلمانية واللادينية، لتمرير اجندتهم وافساح المجال لمشروعهم الظلامي، وليسهل لهم الهجوم والانقضاض علي الديمقراطية وحرية الشعب وسيادته. وليتمكنوا من نعت مخالفيهم بالعلمانيين واللادينيين لعزلهم ومن ثم تصفيتهم اذا دعا الحال.وهذا موقف خاطئ ولااخلاقي ، وبعيد عن العلمية، انه موقف سياسي ايديولوجي ، بعيد عن الدين, قائم علي الافتراء والبهتان .لذلك تحدثنا باسهاب عن معني كلمة مدنية لغة واصطلاحا لنؤكد ان لا علاقة لها بالعلمانية واللادينية.وهي مصطلح اصيل لا علاقة له بالتجربة الاوروبية المسيحية.
ان الاساليب القديمة بتشويه مواقف وشعارات الاخرين لن تنفع الذين يريدون ان يروجوا بضاعتهم القديمة في قناني جديدة. انهم برفضهم الدولة المدنية الديمقراطية، التي تحقق العدل والحرية وكافة الحقوق، يريدون تهيئة المسرح لادخال البلاد في مشروع ظلامي آخر، بعد فشل التجربة الحالية.وحتما ستفشل أي تجربة مستقبلا.
الدولة المدنية :هي دولة السياسة العقلية القائمة علي تعدد مصادر التشريع والقوانين. ولا تعني الدولة العلمانية او اللادينية كما يدعي اهل الغرض. انها دولة تقوم علي اسس وقواعد تنظم المجتمع والدولة، لاتتعارض او تتناقض مع الدين، بل انها تحقق مقاصد الدين طالما تأسست علي العدل والحرية والمساواة والمواطنة وحقوق الانسان.وهذه الاسس والقواعد ليس لها أي قداسة تجعلها معصومة من النقد والتغيير.
الدولة المدنية تقوم علي ضوابط بشرية تستهدي بقيم واخلاق الدين في سلوك وعمل موظفي الدولة، ونظام الحكم فيها مدني بشري يعترف بأصله الانساني وقائم علي السياسة العقلية الخاضعة لضمانات وضوابط موضوعية، لا مكان فيها للحديث عن تقوي زائفة أواسطورة القوي الامين أو استخلاف المؤمنين، أومجددين مجتهدين. تحت دعاوي تحكيم الشريعة ، فالشريعة لا تحكم انما يحكم البشر بأهوائهم ونزواتهم ومصالحهم وشهواتهم كما يحدث عندنا الآن وحدث ويحدث في كل تجارب الحكم والسلطان .
ان الدولة الدينية(الشرع المنزل في الحكم كما قال ابن خلدون) ماقامت الا مع الانبياء، المتصلين بالغيب والوحي، فسخر الله لداؤود الجبال و الحديد وهزم داؤود جالوت، ولسيلمان سخر له الريح والجن، وأوتي من كل شئ، وعلمه منطق الطير والحيوان واتي له بعرش بلقيس.ومحمد (ص) امده الله بجنود لم تروها وهزم المشركين، ليتم الله نور الاسلام. وعرف المسلمون الدولة الدينية مع الرسول وكان الصحابة يسألون الرسول حين يدلي برأي في مسألة اهو الوحي ام الرأي؟..وكما جاء عن الامام مالك ان كل صاحب رأي يؤخذ ويرد الا صاحب هذا القبر .وبعد موت الرسول انقطع الوحي والاتصال بالغيب.وبدأت تجربة حكم بشرية في كل تفاصيلها ، بدءا من الخلاف حول من يخلف الرسول(منا أمير ومنكم أمير)وغضب علي رضي الله عنه وعتاب فاطمة للصحابة رضوان الله عليهم.واستمرت الصراعات في عهد عثمان وعلي ثم تحولت الدولة بعدها الي ملك عضود بأسم الدين شكلا، وحكما بشريا وفق هوي الانسان فعلا. الشيئ الذي حول معظم تاريخ الدولة في الاسلام ، حكما باسم الاسلام مجازا .هذا الاسلام المجازي الذي ساد وهيمن زمن الغيبوبة الحضارية. الاسلام المجازي الذي قال عنه الامام محمد عبده ( هنا يجد مسلمين ولا يجد اسلاما، وفي اوروبا وجد اسلاما ولم يجد مسلمين) مسجلا اعجابه باستقامة وانضباط سلوك الاوروبيين.وتحسره علي سلوك المسلمين الذين يعيشون الاسلام مجازا. والذي نعيش احلك تجلياته مع تجربة (الاسلاميين مجازا ) منذ حوالي ثلاثة عقود..(قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الايمان في قلوبكم).
لقد سعت البشرية في مسيرتها الطويلة لوضع النظم والضوابط للحكم.لأن اي دولة في التاريخ حكمها بشري يخطئ ويصيب.لكن بعض البشر يزعمون انهم يحكمون باسم الاله وعندنا يزعمون الحكم باسم الشريعة . وخطورة مثل هذا الزعم في تجارب التاريخ وتجربتنا المحلية أن القصور والفشل والاهواء يضفي عليها ثوب قداسة الدين والشريعة. ويتم الخلط والتشويه بين جوهر الدين والتفسير البشري له، وتقدم سوءات الحكم ونزواته كما لو كانت من الشريعة والدين. والاخطاء والخطايا بأنها ابتلاءات.!!
ليس في الاسلام دولة أو( سلطة دينية سوي سلطة الموعظة الحسنة والدعوة الي الخير والتنفير من الشر. وهي سلطة خولها الله لأدني المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم.كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم)و(للحاكم والقاضي والمفتي أو شيخ الاسلام. فان الاسلام لم يجعل لهؤلاء ادني سلطة علي العقائد وتقرير الاحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع ولايسوغ لواحد منهم ان يدعي حق السيطرة علي ايمان أحد أو عبادة ربه، اوينازعه في طريق نظره).
ان الحكم باسم الدين والشريعة ، لامحالة سينتج دولة مستبدة لاتسمح بأي قدر من الحرية أو المعارضة، لأن كل الخيارات والمواقف في هذه الدولة بالنسبة لأصحابها بالحق أو بالباطل هي من الدين ولها اطلاقية الدين فلامجال لمعقب او ناقد ومعارض الا وهو مارق عن الدين.(كما قال احدهم بعد مظاهرات يونيو، ان هناك معسكرين، معسكر الشريعة ومعسكر العلمانية!!) فالحاكمين فيها يحكمون بنظرية خلافة المؤمنين.( الاتقياء الاطهار!!).ونحن نؤكد انهم لو كانوا ملائكة يمشون في الارض مطمئنين، ( مهما فعلوا لن يستطيعوا ان يهربوا من طبيعتهم أو يتخلصوا من تحيزاتهم البشرية).
في تجربة الحكم باسم الدين (النص الالهي لايفسر نفسه بنفسه، ولايطبق نفسه انما يفسره ويطبقه بشر، وفي عملية التفسير والتطبيق هذه تتدخل كل أهواء البشر ومصالحهم وتحيزاتهم) وهنا لا علاقة للدين بالدولة، انما هي رغبات هؤلاءالبشر الذين يحكمون. والحكم ايا كان تعريف اهله، ديني علماني مدني فهو بشري ويحتاج الي ضوابط بشرية يتفق عليها الجميع في الدساتير والقوانين.والدولة المدنية تقوم علي مبدأ ومفهوم هذه الضمانات والضوابط التي استطاعت البشرية ان تطورها وتزيدها إحكاما.
ان الدولة المدنية الديمقراطية تقوم علي اساس العدل والحرية. بما ان حدود الله هي اوامره، فان العدل من اعظم حدود الله واوامره، فالاوامر كلها افعل ولا تفعل الا العدل فانه جاء بفعل الامر مباشرة (ان الله يأمر بالعدل والاحسان...)(ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)(قل أمر ربي بالقسط)(لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)..والحرية كفلها الله لعباده حتي في ايمانهم وكفرهم(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا.أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين).
اذن علي مستوي الدولة والحكم العدل هو مخ الشريعة والحرية قلبها و(العدل اساس الملك) فمن كان صادقا في طلب الشريعة وحدودها، واقامة الدين، عليه اولا اقامة الدين في نفسه ايمانا يصدقه العمل، صدقا وامانة واستقامة، ثم يسعي جاهدا لتطبيق العدل والحرية والمساواة في الدولة. بدل الانشغال بالجلد ومطاردة النساء والتضييق علي الناس واكراههم بالنظام العام وامن المجتمع وتزكيته .
سيجد انها الدولة المدنية الديمقراطية التي تتفق مع مبادئ الشريعة ومقاصدها و تقوم علي مبادئ:
1-السيادة للشعب، الامة مصدر السلطات، الفصل بين السلطات، التداول السلمي للسلطة.
2- سيادة حكم القانون، المسائلة والشفافية.
3- كفالة الحريات وحقوق الانسان .حرية سياسية، تعددية حزبية، معارضة حرة
4- الشعب يختار وفق ارادته الحرة الحاكم ويعزله ويختار ممثليه ونوابه
5- اعلام حر. حرية التعبير حرية التفكير والابداع والبحث
6- العدالة الاجتماعية، المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات
7- تعدد مصادر التشريع والقوانين




تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3015

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#493152 [احلام النور]
0.00/5 (0 صوت)

10-22-2012 10:25 AM
حتي لا نلوي عنق الحقيقة ولا يخرج البحث عن مساقة فان تعريف الدولة المدنية هو عكس الدولة العسكرتارية (اي دولة العساكر او الدولة العسكرية) ام الدولة العلمانية او اللبرالية فهي عكس الدولة الدينية. اذا من الواجب ان نقول دولة مدنية علمانية او دولة عسكرية دينية.


جمال ادريس الكنين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة