ندوة بنك فيصل عن مآلات الاستفتاء
10-17-2010 12:48 PM

ندوة بنك فيصل عن مآلات الاستفتاء


أ.د.الطيب زين العابدين

احتشدت نخب الخرطوم وفي مقدمتها النخبة المصرفية بقاعة الصداقة مساء الأربعاء (13/10) استجابة لندوة بنك فيصل الإسلامي السنوية التي نظمها هذا العام تحت عنوان: مآلات الاستفتاء وتداعياتها على السودان. تحدث فيها كل من عبد الرحيم حمدي عن «تداعيات الاستفتاء» والشيخ محمد المك عن»الآثار الاقتصادية والمالية بعد الاستفتاء» واعتذر دفع الله الحاج يوسف بسبب وعكة طارئة. وأحسب أن مشاركة حمدي كان لها الأثر الكبير في الحشد الذي شهدته القاعة الدولية، فقد عرف حمدي بصراحته الشديدة في طرح أفكاره ومنهجيته العقلانية في صياغة تلك الأفكار وهما صفتان مفقودتان لدى معظم القيادات السياسية التي تغير من أطروحاتها حسب درجة الحرارة السياسية في مناخ الخرطوم المتقلب، ثم إنه مراقب لصيق يعرف ما يجري من خلف الكواليس والناس في حيرة من أمرهم لا يعرفون ماذا سيحدث في هذه البلاد! ولم يخب حمدي ظن الحاضرين فقد أسمعهم بكلمات صريحة قاسية أن الاستفتاء لأهل الجنوب يعني الانفصال، وهذا ما تريده الحركة الشعبية وما يريده المجتمع الدولي الذي حشدته أمريكا في اجتماع نيويورك حول مشكلة السودان، ولن يكون استفتاءً حراً ونزيهاً وشفافاً لا بالمقاييس الدولية ولا بغيرها بل سيكون مثل الانتخابات الماضية التي تنبأ الغرب بنتيجتها مسبقاً وقرر أنها ستكون مقبولة، «وقد تم سيناريو الانتخابات بالضبط كما تم رسمه أو التنبؤ به وقفز الغرب والحركة السياسية الجنوبية والشمالية فوراً بعد الانتخابات إلى المرحلة التالية التي نحن فيها». ولا ينبغي لحكومة الخرطوم أن تضع مصداقية الاستفتاء شرطاً لقبوله لأن ذلك يعني عدم الاعتراف بنتيجته ودعوة الآخرين لعدم الاعتراف بها كذلك، وسيولد ذلك روح العداء بين الدولتين وقد يؤدي إلى صدام ساخن يطيح بمكتسبات السلام، وسيقف المجتمع الدولي موقفاً عدائياً نشطاً ضد حكومة الشمال مما يزيد عليها أوجاع المقاطعة والحصار وتفاقم مشكلة دارفور. ولا تستطيع حكومة البشير مواجهة مثل هذا التطور الخطير. بل ويدعو حمدي لأن تكون حكومة الشمال أول من يعترف بنتيجة الاستفتاء ويدعو إلى استمرار العلاقات الطبيعية بين البلدين. ويقول حمدي في صدق يحسد عليه: إن الهيكل الحقيقي والواقعي للانفصال قد وضع بالفعل عند توقيع اتفاقية نيفاشا التي سحبت السلطة السياسية والعسكرية الشمالية من الجنوب تماماً وأسلمتها كاملة للحركة الشعبية وجيشها، وقد تدحرجت العجلة بقوة في ذلك الاتجاه وأصبح متأخراً جداً إيقافها!
وتعجبني صراحة حمدي وصدقه وقوة تحليله فيما توصل إليه من نتيجة أراها شبه حتمية، ولكن لا يعجبني (زوغانه) من عدم تحديد مسئولية حزبه عن هذا الوضع المزري الذي وصلت إليه البلاد حتى صارت حكومة الجنوب الوليدة تستأسد على الشمال، بل ويلجأ إلى حيلة مخادعة يستعملها المؤتمر الوطني كثيراً هذه الأيام بأن يعمم مسئولية الانفصال على كل القوى السياسية الشمالية التي قبلت بحق تقرير المصير لأهل الجنوب. ويتناسى حمدي أن حزبه هو الذي صنع اتفاقية نيفاشا منفرداً عن القوى الشمالية، وهو الذي طبقها مع الحركة الشعبية دون مشاركة الآخرين، وهو الذي أخذ نصيب الأسد من السلطة في الشمال، وهو الذي قبل بسحب السلطة السياسية والعسكرية الشمالية من الجنوب وتسليمها كاملة للحركة الشعبية (مما وضع الهيكل الحقيقي والواقعي للانفصال) على حد قوله! وهو الذي ظل يتشاكس مع الحركة الشعبية طيلة السنوات الخمس الماضية في تسيير شؤون الحكم وتنفيذ الاتفاقية ويزرع لها الألغام في أحراش الجنوب وكأنهما عدوان لدودان يتربص كل واحد منهما بالآخر، وهو الذي أساء معاملة المعارضة الشمالية مما دفع بها مكرهة إلى أحضان الحركة الشعبية.
ويدعو حمدي إلى إنشاء علاقات طبيعية ايجابية بين حكومة الشمال والجنوب بعد الانفصال تتمثل في: الحدود المفتوحة بين البلدين وأن تجري عملية الترسيم في هدوء دون شحن وتأخذ وقتها دون تعجل، وما جدوى الترسيم في حدود تمتد لألفي كيلو متر لا يستطيع أحد أن يحرسها أو يراقبها؟ وأن نسمح بالحراك السكاني العفوي والطبيعي بالبر والبحر والجو دون إجراءات قانونية تعقد الانتقال، وهو يدعو للحريات الأربع بين الشمال والجنوب (التنقل والإقامة والتملك والعمل) مثل الذي بيننا وبين ليبيا ومصر. وسيسمح ذلك الحراك الواسع بالتلاقح والتمازج الثقافي والحضاري وباستمرار دور السودان كجسر للعلاقة بين الدول العربية وإفريقيا جنوب الصحراء. وتتمثل في إنشاء اتحاد اقتصادي يشمل سوقاً واحدة لتبادل السلع والخدمات دون رسوم أو شروط ومنطقة جمركية موحدة وعملة واحدة، وتنشأ الأجهزة المشتركة لتنفيذ وإدارة الاتفاقيات والعلاقات الاقتصادية. ويعتقد حمدي أن وضع الأفكار السابقة موضع التنفيذ سيسهم بصورة محسوسة في تهدئة الأوضاع والمخاوف الأمنية داخل الدولتين، الأمر الذي يقلل من الحاجة إلى حشد القوات وتكديس الأسلحة ومن ثم يعجل بتخفيض قوات البلدين حتى تحول تلك الأموال الهائلة (وقد كان في موقع يعرف حجم تلك الأموال!) التي ترصد لدى كلا الطرفين إلى التنمية وتحسين أحوال الناس. ودعا حكومة الجنوب إلى الالتزام باتفاقيات البترول واستقبال البنوك الإسلامية في الجنوب ومنح المنظمات الطوعية الإسلامية حق العمل الحر والسماح للقبائل الرعوية بالدخول لمناطق الرعي كما كان الحال في ظل الدولة الواحدة، وأن تطلب من حكومة الشمال إبقاء الجنوبيين بها لمدة عشر سنوات وأن تتخلى مقابل ذلك عن حصة من عائدات بترولها مساعدة للشمال في تحمل تكلفة الخدمات والبنيات التحتية لمئات الآلاف من مواطنيها الذين يبقون بالشمال، وأن تعيد نشر قواتها طوعياً بعيداً عن الحدود بين البلدين، وطالب الشمال أن يساعد دولة الجنوب الجديدة بالخبرات والكوادر والنظم، وأن لا يسعى لخلق أو دعم اضطرابات أمنية في الجنوب، وأن يستمر بتقديم خدمات البترول بنفس الأسس والأسعار التي يتعامل بها الآن مع الشركات المستخرجة للبترول. هناك فرق كبير بين هذا الطرح العقلاني الايجابي وبين عناصر المؤتمر الوطني التي لا تريد أن تحرم الجنوبي المقيم في الشمال بعد الانفصال حقنة علاج من المستشفى! بالمناسبة هل هناك حقن علاج مجانية في المستشفيات؟
وجاءت ورقة الشيخ المك مختصرة وحافلة بالأرقام. قال إن جملة الفاقد على الخزينة العامة بعد الانفصال يبلغ 6.07 مليار جنيه سنوياً أي ما يساوي 33% من إجمالي الإيرادات القومية (يعادل الفقدان من صادرات البترول حوالي سبعة أضعاف كل الصادرات غير البترولية بما فيها الذهب والإيثانول والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية). وقدّر أن ما يحول لحكومة الجنوب من الإيرادات وما يصرف على الأجهزة القومية هناك وعلى مشروعات التنمية وعلى مفوضيات الفترة الانتقالية يبلغ 4.55 مليار جنيه، وسيتوفر هذا الصرف للخزينة العامة. وأن الخفض في الإيرادات القومية يعني تخفيض الدعم للولايات الشمالية، وتخفيض الصرف التنموي على المشروعات وزيادات العجز في الموازنة. لم يذكر المك تخفيض الصرف على القوات النظامية أو مؤسسة الرئاسة أو الجهاز التنفيذي المتضخم (77 وزيراً و 15 مستشاراً) لأنه يعلم أن هذه ميزانيات غير قابلة للتخفيض تحت كل الظروف! ولكنه اقترح ضمن المعالجات ترشيد الإنفاق العام الذي اعترف بأن وزارة المالية لم تقم بأي إجراء بصدده ولكنها بدأت بزيادة الضرائب ورفع الرسوم الجمركية. ويأمل الشيخ المك أن يعفى السودان من ديونه الخارجية التي بلغت 35 مليار دولار أو أن يسدد الجنوب عبء ما صرف عليه من تلك الديون مع صعوبة معرفة ذلك بدقة. ويقف المك أيضاً مع الانفصال السلس واعتراف حكومة الشمال بحكومة الجنوب وتقديم يد العون والمساعدة لها وضد تصريحات الإثارة والتصعيد.
كانت ندوة مفيدة ومناسبة في توقيتها وموضوعها وحسنة الإعداد يشكر عليها بنك فيصل، وليتها تكون قدوة للمصارف والشركات الكبرى أن تسهم في التثقيف والتنوير بالشأن العام في مجالاته المختلفة.

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 1 | زيارات 2388

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#36350 [صحراوي]
0.00/5 (0 صوت)

10-19-2010 12:47 PM
هل كل ما تكتبه عن مسئولية المؤتمر الوطني عن الانفصال وتبرئة جميع الاحزاب بما فيها الحركة الشعبية ناتج عن عدم دعوتهم لك لحضور نيفاشا واستبعادهم لك من كل الزيارات المجانية والأقامة في فنادق نيروبي الفخمة ;( ;( ;( ;( ;( ما تحلل كويس أو حلل قروشك ;( ;( ;( قال حمدي يتسم بالموضوعية والصراحة ;( ;( هاك الصراحة دي


#35585 [محمد عبد الكريم بقادى ]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2010 04:17 PM
MUCH CRY LITTLE WOOOOOOOOOOOOOOOOOOL?
والناتج ناقص صفر ( أعيدوا ماأختلس حسب تقارير المراجع العام من المال العام ودعموا امراجع العام بهيئة قضائية منفصلة تابعة له تقضى فى المال العام بساعات معدودة وليس قرون؟ موؤوة مشددة الأحكام الرادعة تغنينا من كل هذا الصياح والنواح والتباكى على ماسكب؟ والا فاخوف أن تطالكم أيها المجتمعون (والله أعلم) ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل


#35563 [الوسيلة]
0.00/5 (0 صوت)

10-17-2010 03:35 PM
الله يقبل حمدك ياحمدى :D ;)


أ.د.الطيب زين العابدين
أ.د.الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة