جراحة نفسية !ا
10-18-2010 01:09 PM

( صواع الملك )

جراحة نفسية !

فيصل عبد اللطيف *
[email protected]

كم هي القضايا التي تشملها ترتيبات ما بعد الاستفتاء، في حال الانفصال؟ هناك موضوعات مهمة: الحدود، أوضاع جنوبي الشمال، ديون السودان وموقف الجنوب منها . ولكن تقديري هناك قضايا ذات أهمية استثنائية ، وهي التي يمكن أن نصفها بـ (الحساسة )، لأنها تتصل بالبناء النفسي للمواطنين، وإعادة تشكيل رؤيتهم للماضي .. إذا كان بالمقدور تحقيق ذلك ..

ماذا عن التعليم ، وهو الأساس في بنية الذهنية؟ كيف سيتم التعامل مع مواد مثل التاريخ والجغرافيا؟ صحيح أن تغيير المناهج مكلف جداً مالياً، غير أن الكلفة المالية المتوقعة لا تعد بمقارنتها بالكلفة الاجتماعية والنفسية التي ستنجم عن إعادة صياغة تاريخ السودان وجغرافيته.

أمام مسؤولي التعليم مهمة شاقة ، بخاصة في ما يتصل بالتعليم الأساس والعام، وتعديل مناهج هاتين المرحلتين.. أو تغييرها.. سنحتاج تربويين على مستوى من الكفاية ، وخبراء في علم النفس ليتمكنوا من جعل الجرعات المعلوماتية الجديدة مقبولة، ومبلوعة .. ولا يأتي منهج التاريخ مثلاً وهو مرقع .. أو مبتور، أو مشوه .

فلنستعرض بعض المشاق التي ستواجه من يتصدى لتغيير منهج تاريخ السودان أو تعديله. هل سنشطب من التاريخ بطلاً قومياً من أبطال ثورة 1924 ، وإذا جاز لنا يمكن أن نسأل : ما مصير علي عبد اللطيف ، قائد جمعية اللواء الأبيض، الذي ناضل من أجل سودان موحد..؟

أجيال المدارس (الأولية) ـ مسمى الخمسينيات والستينيات ــ يذكرون المفاصلة الشهيرة التي واجه فيها علي عبد اللطيف ضابط التحقيقات الانجليزي، الذي سأله : ما جنسيتك؟ فرد عبد اللطيف : سوداني، فقال له المحقق في غضب من يستشعر إخفاق سياساته في تحويل الولاء الوطني: أقصد السؤال عن قبيلتك ، فأجابه عبد اللطيف في عبارة قاطعة : القبيلة لا تعنيني ، بل كلنا سودانيون.
وفي ما يخص التاريخ أيضاً، كيف سنتعامل مع ( الملحمة) التي قادها عبد الفضيل ألماظ ، حتى استشهد قابضاً على مدفعه؟ هل ستبتر تلك المرحلة من تاريخ السودان..؟ وماذا عن القادة والرموز الجنوبيين الآخرين الذي تصدروا الحركات السياسية، وأيدوا التعايش؟ وأيضاً أبناء الجنوب الذين اختلط دمهم بدم الشماليين في المعارك ، وحتى في الانقلابات العسكرية التي انتهت بإعدامات؟

حقيقة إن العالمين بهذا التمازج بين أبناء الجنوب والشمال يشفقون كثيراً على من سيوكل إليهم مهمة التعامل مع تاريخ السودان.. أعانهم الله .

التعامل بحنكة مع ضرورات إعادة النظر في المناهج الدراسية ، إذا كانت هناك خطة معدة لهذا الغرض.. هو من المعالجة النفسية المطلوبة في حال الانفصال .. فترتيب القضايا المادية من أرض وأموال ونفط ، على ما فيه من محاذير ، ومخاوف الانزلاق إلى الاشتباك، عواقبه ليست في خطورة تغيير أو إلغاء حقائق تربي عليها أجيال، وأسست عقليتهم، بل هي الركيزة للوحدة التي نتأسف عليها الآن ونحن نتابع غروب شمسها، التي لن تشرق مجدداً..
من السخف ومن التضاد مع المنطق أن نذكر في منهج التاريخ رموزاً من أمثال بعانخي ، والمهدي، ودقنة ، وود حبوبة، وعلى دينار، وغيرهم من الأبطال من أقاليم السودان، ونسقط مرحلة حاسمه أساسية أبطالها من أبناء الجنوب.. هل يعقل؟

لا بد أن ندرك أن إعادة النظر في التاريخ هي جراحة نفسية خطيرة ،والأخطاء الطبية واردة.

ـــــــــــــــــــــــــــ
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 997

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#36484 [سوداني 100 %]
0.00/5 (0 صوت)

10-19-2010 04:46 PM
التحية لك كاتب المقال الأخ فيصل الأمر في غاية البساطة يجب أن نكون واقعيين جدا ونتقبل الحقائق مهما كانت مرارتها فعلينا أن نقسم تاريخ السودان قبل مجئ هؤلاء الأشرار طلاب السلطة (وملي الكروش) وما آلت اليه الأمور بعد مجئيهم ، الفترة التي تمتد منذ حكم السودانيين الوطنيين في التاريخ القديم والحديث والذين حافظوا على تراب هذا الوطن الغالي ووحدته والفترة التي تلت وبدأت بعد زمرة الأشرار وتسلمهم لمقاليد الأمور فأولئك وطنيون وهؤلاء نفعيون باعوا الدين والوطن بعرض زائل. ويجب أن يكتب التاريخ بكل صدق من كانوا وراء تفتيت وحدة السودان وأولهم الشيخ المأفون الترابي الذي جاء بهولاء الشرزمة النفعيون ولا ننسى الحركة الشعبية ومن لف لفيفهم وعلى قائمتهم هذا السلفاكير. وأتمنى من المولى عز وجل أن يرينا فيهم يوما أسودا


#36284 [مودي عبده]
0.00/5 (0 صوت)

10-19-2010 11:23 AM
الله الفتق كبير جدا على الرتق.. اعني تداعيات ما بعد الانفصال.. كل يوم يظهر شئ جديد لم يكن في الحسبان..
وآ اسفاي يا تسفاي..
شكرا على تبصيرنا بحالك الايام والاوضاع..


#36102 [abdelmonem musa]
0.00/5 (0 صوت)

10-18-2010 09:48 PM
يا اخ فيصل الذين يحكموننا الان لا يفهمون ماذا يعني الوطن فهم لا هم لهم سوي الحكم وجمع الاموال اما الوطن فهو اخر شئ يفكرون فيه فلا تتعب نفسك وتقعد تنفخ في قربة مقدودة


فيصل عبد اللطيف
فيصل عبد اللطيف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة