11-04-2012 02:16 PM

سلطة البرامج والتداول ..لادولة الكهنوت والشعارات !

محمد عبد الله برقاوي..
bargawibargawi@yahoo.com


الكاتب المتوازن في رأي المتواضع ، لا بد أن يكتب من مقعد المحلل في عموميات المواضيع لاسيما السياسية منها ، ولا يجنح الى تكريس قلمه لوجهة سياسية معينة الا اذا كان ملمحه السياسي فاقع اللون ويتعاطى الكتابة من خلال صحيفة حزب بعينه !
أما من يكتب في الفضاء الواسع الذي يحتمل تحليق كل ألوان أجنحة القراء على مختلف توجهاتهم السياسية والفكرية ، فلابد له وان كان ينتمي لفريق بعينه وهذا حق مشروع له ولكن قلمه سيكون جاذبا لو أنه انتهج اسلوبا وطنيا وسطيا في تحليلاته دون تشنج لفكرة بعينها ولا يستعدي الآخرين لمجرد اختلافهم معه !
كنا ولا زلنا ونحن ندفع ثمن الشتات القسري ، نحمل هموم الوطن التي وان كنا نحمّل الوضع الحالى ثلثي ثقل مشاكل بلادنا الجريحة في كل المواضع ، ولكننا لا نعفي بقية الفعاليات السياسية والوطنية ،مدنية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار كانت أم عسكرية بكل مبررات ومعطيات ودوافع وثوبها عن تحمّل مسئؤلية توفير القاعدة الصلبة التي تكونت فيها تلك الأثقال وقد ظل ينوء بها كاهل الوطن ولا زال عقودا طويلة !
ربما في المقال الأخير الذي كتبته بعنوان
( حينما يسقط الدين في بئر السياسة ، فالى متى الصمت )
كنت واضحا في الحديث عن المضار التي لحقت بالدين كعقيدة وقيمة روحية قبل الدولة كنظام حكم ،ودواوين سيادية ودوائر خدمية !
وكثيرا ما يفهم البعض أن مجرد الدعوة للنأى بالدين عن السياسة ( هي دعوة للعلمانية الصرفة ) التى ترفض الدين في حد ذاته كقائد روحي للمجتمعات المسلمة في غالبية مكونها مثل مجتمعنا السوداني تحديدا ، ومنظم لأحوال الناس الشخصية ، وذلك بالطبع بعيد جدا عما كنا نرمي اليه ولا زلنا ، بل وينحصر فهمنا في وضع مسافة مابين الدين والدولة لا المجتمع المسلم وذلك حتى لا يستغله البعض لتكريس دولة الكهنوت التي لا تقبل النقد و، تتخذ من الدين ذراعا للبطش والاقصاء باعتبارها هي دون غيرها من يملك حق الحاكمية باسم السماء ونيابة عن الملة مع ايجاد المسوغات المزيفة التفافا على الأساليب الحديثة في أختيار الحاكم أي النظام الديمقراطي تحديدا وتجييره من خلال تطويع قوانينه لاضفاء شرعية ما ركوبا عليها كوسيلة تعبر بتلك الجماعات الى الغايات ومن ثم يكون أو ل ضحاياها هو ذلك السلم الذي اوصلها والمتمثل في اراداة الغالبية التي لا تعني بالضرورة الديمومة استنادا الى ذلك التفويض انما بالضرورة القبول بمبدأ التبادل والتداول !
ولعل ذلك في شكله ومضمونه يمثل تناقضا مع أساسيات تلك الجماعات في كيفية تنصيب الحاكم التي يفترض أن تعني عندها من الناحية الفقهية والشرعية مبدأ الشورى في تجليات مثالياته السالفة وليس فرض الغلبة بشتى اساليب التزييف والتحايل !
وقد أتفق مع ما جاء في مداخلة ثرة وعميقة لأحد كرام المعقبين والذي رمز لتعريف نفسه ( بمسلم أنا ) واستدل ببعض أفكار عراب العلمانية ( جون لوك ) بان اية جماعة دينية لووصلت الى الحكم وفق تلك الصفة ونالت الأغلبية التي تخولها فلا بأس من ذلك ، ولكن ربما فات على الأخ الكريم أن ذلك محكوم بالتقيد بمبدأ التداول وفق دورات حكم محددة وبرامج متحركة وليس استنادا الى مزاعم و ثوابت لا تقبل التزحزح أو معناه انزال بقية الرايات ، واعتلاء راية تلك الجماعة أو قل الفكر سارية الحكم الى الأبد !
ولعل أشارة ذلك الصديق القاري ء المستنير حقيقة الى الدولة اليهودية ، ربما يعضد من ما رمينا اليه أكثر مما يدحضه ، لان اليهودية حتى في واقع هيمنتها الحالية كتكتل ثيوقراطي اجتماعي على أرض فلسطين ، لم تتغول على ديمقراطية الدولة المدنية بصورة مباشرة أو تنتقص من استغلالية الأحزاب السياسة الا فيما ندر أ وعراقلة حرية اختيارها لبرامجها وصولا الى الحكم المدني !
ولا الهندوس مثلا في الهند ، أعطوا أنفسهم الحق كاغلبية دينية للهيمنة على الحكم من ذلك المنطلق ، مما جعل الديمقراطية تصبح اطارا حاويا ومؤمنا لمجتمع متناقض بحجم الدولة الهندية ، دون أن ينفلت عقال التداول فيها أو تحيد عن احترام ارادة الناخب ايا كان لونها السياسي ،فيصبح بناء على ذلك العقد السياسي التوافقي دستوريا رئيس الدولة مسلما وتارة هندوسيا وأخرى مسيحيا على سبيل المثال لا الحصر ، ودونما تحيز لدين بعينه الغلبة ،مع أن ذلك لا ينفي وجود صراعات في هذا الصدد وهي ظواهرأشد فتكا بمجتمعات المسلمين ونحلهم المعاصرة أكثر من غيرها !
طبعا قد يقول قائل من منطق لا نرفضه أن الديانات الوضعية التي هي أقرب الى الفلسفات كالبوذية أو الهندوسية والتي قد لايعلم الكثيرون أنها تحض في متونها على الفضائل التي نادت بها قبل المسيحية السابقة للاسلام فنجد أن الكفوشسية التي تعتبر أساس البوذية ، وقبل خمسة الاف سنة من ظهور المسيحية وحتى الفلسفات الأغريقية ، كانت محرماتها الخمس ، هي الكذب وقتل الروح والربا و الزنا وتناول ما يذهب العقل من المخدرات !
ومع ذلك لا يمكن مع احترامنا لمعتنقيها قياس أو مقارنة كينونتها كعصارة فكر انساني بشري بقدسية الديانات الربانية المنزلة ، والتي تختلف هي الأخرى عن الاسلام في أن الأخير تنبثق عنه شريعة تصلح للحكم في نظر الآخذين للدين في عموماياته كعقيدة وأسلوب حكم ، رغم أنه لا يوجد حتى الآن ما يقنع بالنص المحدد حول كيفية مكون الدولة الدينية من الوجهة الاسلامية لا في شكل الحكم سياسيا ولا اقتصاديا بصورة قاطعة !
ولعل عدم عزلة دولة الحرمين الشريفين عن التعامل مع جهات العالم الأربع دون حساسيات أو بوار لمصالحها السياسية والاقتصادية رغم حساسية موقعها وتكوينها الاجتماعي قد جعل منها ذلك ،مثلا حيا وشاهدا على موازنتها في اتخاذ الاسلام كأسلوب حياة في الجانب الاجتماعي وتطبيق الحدود ، أكثر منه كدولة دينية متقعرة رغم طول ذراع الجماعات الوهابية والسلفية في توجيه دفة السلطة ولكن على المستوى الداخلي ، هيمنة على منصات القضاء ودوائر الفتوى !
بل وقد نجد الكثير من المفكرين الاسلاميين لا يؤمنون كثيرا على هذا النموذج أو يعولون عليه في حاضرنا المعاصر ، مثلما لا يقيسون في الاطلاق على نشأة وقيام الخلافات الاسلامية الراشدة التي سادت في صدر الاسلام أومابعد ذلك كضرورة زمانية ومكانية ، لا تمنع عقلية الاسلام الوسطية المرنة المكون الاسلامي من الانسجام في الواقع اللاحق لتلك الحقب وفقا لطبيعة كل زمان ومكان ودون انكار ما أرسته تلك الخلافات الا سلامية والدول اللاحقة لها من أطر عامة يمكن البناء عليها بما يتفق مع متحركات الزمان وتطور المكان !
ما نرمي اليه ومن منظور الواقع المعاصرللانسان الذي يجب أن لايلتفت أكثر مما يجب الى التاريخ رغم اقرارنا بأهميته ولكن يظل ايضا الحاضر هو اكبر الهموم عنده مثلما المستقبل يظل الشاغل الذي يستوجب تفعيل العقل لا الانحباس في زاوية العاطفة فحسب !
فلكل زمان معطياته ومقوماته وعقلياته ومقتضيات عصره ، وهو ما يستدعي قيام الدولة المدنية الوطنية الأشمل التي تحتمل الجميع فكرا ودينا وبرامجا واتفاقا واختلافا ، لا هي دولة الشعارات العلمانية التي تناقض مسمياتها كأن تجد كوريا القهرية يطلق عليها جزافا الديمقراطية ، ولا دولة التنطع الطالباني التي تمنع تعليم الفتيات باسم الاسلام الذي كان مبتدأ كتابه ( اقرأ )..!
فالغلبة الديمغرافية لاينبغي أن تبرر بالضرورة في التكوين الحديث للأمم لتفرض الأغلبية ذاتها من منطلقات دينية توفر مسببات تمكنها من توسيع بوابات أقصاء الآخرين دون وجه حق وركوبا على ذرائع القداسة المطلقة التي لا تحتمل النقد ولا تقبل التوجيه ، ناهيك عن قبول الزحزحة ، والا لكانت اندونيسيا التي تمثل أكبر نسبة مسلمين في العالم الاسلامي انتهجت اسلوبا مغايرا في الحكم وجعلت من نفسها موقعا لكرسي خلافة الاستانة التي كتبت لنفسها الزوال بقلم تطلعات التوسع الأفقي لا العمودي في تكريس الدولة الاسلامية التي انتهت عثمانية بعد أن نأءت بنفسهاعن عدالة الاسلام ،وصولا الى ترسيخ العنصر العرقي المتعالي على الأمم مما وفر للآخرين مبررات استعدائها حتى في عقر دار المسلمين أنفسهم ، فاصبحت الاشارة الى الهمجية يرمز بها الى التركية في ثقافة بعض الذين سامتهم تلك الدولة الوان العذاب !
أن النموذج التركي للحكم المعاصر شكلا وروحا والماليزي الضارب في التقدم اقتصاديا وانسجاما اجتماعيا ودينيا والباهر في اندونسيا من حيث تماسك الدولة والمجتمع ، يعتبر وكثيرا ما أشرت الى ذلك ،هو النمط المثالي الذي يوازن ما بين روحانية المجتمع المسلم دون تزمت أو رجعية أو انحرافات مذهبية أو تحريف لمعني الدين تنطعا في تحميل معناه مالم يقصد في مبناه ، و بما لايؤخر من خطوات الأمة الاسلامية في مجاراة العالم الحديث انفتاحا ميسرا لا تحجرا منفرا ،وتطبيقا مرحليا متوازنا دون تعجل يفضي الى الاخفاق او عرقلة تحط الأمة في مربعات التأخير، وانتهاجا لتواصل بالندية ، لا اتباعا من منطلق الدوينية ، بما يحقق مصلحة الأمة نماءا وعدالة وتقدما وفضيلة !
ولعل التهويم في الحلم باسترجاع الماضي بكل مكوناته لا استجلاب ذلك الماضي ليواكب ما هو أفضل من مكونات عصرنا مزجا لما يتناسب من فضائل وعفة ذلك السالف مع زماننا !
فان التشبث بذلك الحلم طويلا يظل وهما لن تتوفر له مع سوء الأمثلة التي ضربتها بعض التجارب الساذجة في الحكم باسم الاسلام في بعض االبلاد ومنها تجربة الاسلاميين في السودان التي تحطم فيها ادعاء الذكاء عند صخرة التجريب ، ولعلنا في حل عن الاشارة الى نموذج دولة شمال مالي الوليدة الذي تكسر على صخرة الفهم المبني على قاعدة الجهل بالمبدأ ناهيك عن عدم الأهلية اصلا لكيفية التطبيق !
رغم أنه يعكس واقعا مزريا لوقوع مصير المسلمين والاسلام قبل غيرهما عند نطوع الماسكين بسيوف تقطيع أوصال الأمة ، وربما يكون في ذلك عبرة لأمة طالما تاهت في دروب الضياع التي ابعدتها كثيرا عن ماضيها الأصيل ، بقدرما فرقت بينها وبين حاضرها المموه المعالم ، وباعدت بينها وبين مستقبلها المهتز الصورة !
نسال الله لها الرحمة من المولى بان يولي عليها لا سيما في وطننا السودان من يصلح حالها ..
انه المستعان ..
وهو من وراء القصد .


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 920

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#503284 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

11-05-2012 04:30 PM
جدل ما بعدو جدل ومن هم سعداء بما يسمى بالشريعه مع علمهم بكل التاريخ وبكل التطبيقات
وبكل التجارب المعاشه بعد كل ذلك ان هم ما ذالو على فهمهم فهم احرار
اما انا عن نفسى لا اقبل بعد ما قرات وما رايت من يحمل راية الاسلام السياسى لا لن اقبل ابدا بما يسمى بالشريعه ولن اقبل المتاجره ابدا


#502610 [ود الحاجة]
5.00/5 (3 صوت)

11-04-2012 10:37 PM
اود ان اشارك بفكرة بسيطة و لكن ربما كانت مهمة الا و هي ان الدين الاسلامي جاء و هو يحمل في طياته حماية المجتمع من استغلال الطبقة او النخبة الحاكمة للدين .ففي الاسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و في الاسلام أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر و الاسلام جعل البيعة الاختيارية هي المرجعية في اختيار الحاكم والبيعة اشبه بالاستفتاء ,كما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : { أن قوما دخلوا عليه فسألوه الولاية ، فقال : إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه } .

وقال لعبد الرحمن بن سمرة : { يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه } أخرجاه في الصحيحين


و لعل حرص الصحابة على بيان هذه الحقيقة هو الذى جعل عثمان بن عفان رضي الله عنه يسمع للثوار الذين اتوا منتقدين اياه حتى وصل بهم الامر الى قتله ,حيث كان بامكان عثمان بن عفان ذي النورين ان يامر بسجنهم او اعتقالهم او ردهم الى حيث أتوا خائبين.و ايضا كان بامكان علي بن ابي طالب ان يستغل اسبقيته في الاسلام و كونه ابن عم النبي صلى الله عليه و سلم و صهره في حروبه ضدخصومه و لكنه لم يفعل لأنه يعلم حرمة استغلال الدين لمصالح سياسية ضيقة

ولكن المشكلة دوما في التطبيق و التطبيق يحتاج الى تربية و علم و زهد و ورع و تضحية , وهذا ما نفتقده.
و الدليل على ذلك ان انماط الحكم في السودان منذ الاسقلال الى الان متشابهة و يعتمد مقدار الفساد على المدة التي يقضيها الرئيس في الحكم فكلما زادت المدة زاد الفساد


#502585 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

11-04-2012 09:47 PM
شكرا يا برقاوى
وباين انو رجلك الان وطات مكان الداء
بعد هذا المقال ونسبة لمحدودية فهمى وزكائى
اترجاك ان تضعها لنا عديل كده واحد اتنين تلاته
زى اخونا تاج السر
وما تتحرج هو اصلا الرساله دى نزلت على العقل ولا على القلب
لك كل الاحترام


ردود على حسن
Kenya [muslim.ana] 11-05-2012 04:04 PM
ياحسن بالغت، داير برقاوي يكتب زي تاج السر!
ياخي اقراء لي تاج السر براحتك لكن كفاية تاج السر واحد بس في الراكوبة دي عشان وجع البطن وكده!

Saudi Arabia [ود الحاجة] 11-05-2012 06:47 AM
قال تعالى :" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ "

فالقلب هولذي يعقل و العقل في القلب أي في الصدر


#502471 [muslim.ana]
5.00/5 (2 صوت)

11-04-2012 06:11 PM
المحترم برقاوي
كلام رصين كالعادة، وساتناول بعض الجزئيات بهذا التعليق ولي عودة بتعليق آخر ان شاء العزيز.

في تعليقي على المقال السابق بأن الغرض من التعليق هو الرد على العلمانيون الاقصائيون (ذوي العلمانية الشاملة والصلبة حسب التعريف العلمي). وتوقعي كان بأنك لست ممن يتشدد على الفكر الآخر ولكن يقارع الحجة بالحجة وما خاب ظني ولله الحمد.

بالنسبة لتعليقك على الاستدلال بمقولة جون لوك من أنه قد فاتني بأن الحكم بالدولة المدنية يكون بشكل دورات وليس لشخص او الجماعة السيادة الابدية، فأنني اتفق معك ولا أرى في ذلك ما يعارض الشريعة ولم اذكرها ليس لان المر فاتني ولكن لانها من بديهيات عصرنا ولا داعي لذكرها. ومن ابسط الامثلة لاثبات عدم تعارض فكرة دورات الحكم مع الشريعة هو ما حدث في سقيفة بني ساعدة (القصة المفترى عليها) حين كان احد الاقتراحات بأن تكون الخلافة (الرئاسة) على شكل دورات بين المهاجرين والانصار وكما تعلم فإن هذا الاقتراح لم يرفض او يعترض عليه احد من الموجودين لاسباب دينية أو شرعية (بما فيهم ابي بكر وعمر رضي الله عنهم وغيرهم من كبار الصحابة) ولكن تمت مناقشته من ناحية استراتيجية مع البدائل الاخرى ومن ثم ثم الاتفاق في النهاية على ابي بكر رضي الله عنهم اجمعين. وأعتقد بأنه لو كان في الامر مانعاً شرعياً لما ناقش هؤلاء الصحابة هذا الاقتراح من الاساس! وعليه فإن كان العرف والمصلحة او اراد الناس بأن يكون الحكم بنظام دورات كما في عصرنا هذا فلا حرج بذلك على الاطلاق.

واضيف ايضاً بهذه المناسبة بأن الحديث عن الشريعة لا يعني اجترار تجارب الماضي كما هي ولكنه يعني اخذ هذه التجارب في الاعتبار (كما ذكرت انت) وقبل ذلك التقيد بكل الاخكام او القيم التي ثبتت قطعياً من المولى عز وجل لتنظيم حياة المجتمع (وليس الافراد فقط) و من ثم الاجتهاد في فهم مراد الله عز وجل في شريعته في ما استجد في عصرنا، وأما ما ترك لنا لتجتهد فيه وتسمى بالشريعة منطقة العفو (وهي المنطقة المسموح فيها للانسان بحرية الاختيار والتقدير الكاملة) فلنا حرية الاجتهاد والتقدير فيها وستجد ان هذه الاخيرة (منطقة العفو) هي المساحة الاكبر في الشريعة وبالتالي يمكن وضع الدساتير التي تتوافق مع العصرية ولن تجد من قيود الشريعة ما يسبب مشكلة إلا في الامور التي تسبب خطورة على المجتمع المسلم. ولذاك دائماً ما أقول بأن موضوع علاقة الشريعة بالحكم هذا مضخم بصورة كبيرة (ربما من الطرفين انصار الشريعة والليبراليون او العلمانيون).

وبالنسبة لوضع الاديان الاخرى فإن الشريعة (الدين) نفسها قد كفلت لهم حرية التعبد وكل شروط المواطنة، ولكن ما تدعوا اليه من مساواة مطلقة لا يوجد عملياً لا في الغرب ولا في أي فكر، واذا رجعت اقوال جون لوك نفسه او الى كتاب (حدود العدالة في الليبرالية) فستجد ايضاً ان من هؤلاء الكبار في الفكر الليبرالي من يقولون بان الملحدين يجب ان لا يكونوا جزءاً من الدولة لانهم مثل الشخص الذي ينتمي الى دولة اخرى ولانهم يشكلون خطراً على (سلامة) المجتمع.

ولو قارنت هذا الرأي بما كفلته الشريعة لهؤلاء او الى اصحاب الديانات الاخرى فستلاحظ ان الفكر الليبرالي يعتبر متطرفاً في التعاطي مع الاخر مقارنة بالشريعة.

وحتى لو سلمنا بأن رأي هؤلاء غير ملزم لمن يتبع الفكر العلماني او الليبرالي فإن ذلك سيؤدي الى التسليم بأن العدالة او المساواة هي ليست قيمة مطلقة لانه حتى داخل الفكر الواحد تختلف حدود فهمها وتقييدها، وبالتالي يصبح الموضوع قابلاً للنقاش ولا يحق لأحد بأن يقول ان الفكر الاخر لا يحقق المساواة لان هذا الفكر لا يتعاطى مع المساواة بنفس مفهومه هو. ويصبح الامر عندئذ قائماً على الحجة والبرهان فيما يحقق مصلحة المجتمع ككل او على الاقل مصلحة الغالبية دون اهدار حقوق الاقلية. ولا اجد مثالاً افضل من الشريعة قد تعاطي عملياً مع هذا الموضوع (نتحدث عن الشريعة من مصادرها وليس شريعة الكيزان او طالبان)!

وأخيراً، لا اعتقد ان عزل الدين عن السياسة (كدولة أو نظام خكم) هو الحل لضمان عدم استغلال الدين لأن هذا الاستغلال للدين موجود في مناحي الحياة المختلفة فمثلاً ستجد من يستغل الدين في التجارة لتحقيق المكاسب ولن يكون الحل بأن نطالب ايضاً بعزل الدين عن التجارة لانه مرجع تنظيمي (يمنع الربا والتطفيف وكنز الاموال كمثال وغيرها من القيم). فالدين هو مرجع تنظيمي لبعض الجوانب في حياة المجتمع (وليس كلها كما ذكرنا "منطقة العفو") وعزله عن الدولة (التي تمثل المجتمع وقيمه ومصالحه)ليس هو الحل و لكن الحل هو بالرجوع الى هذا الدين وفهمه لعدم تمكين الغير من استغلاله. وأجد ان اقرب مثال لذلك هو ان بعض رجال الشرطة قد يستغلوا القانون لمصالهم الشخصية (ويلوثوا هذا القانون) ولكن لن يكون الحل هو عزل القانون عن حياة المجتمع او الدولة ولكن الحل هو بأن يعرف افراد هذا المجتمع القانون وحقوقهم وواجباتهم فيه حتى لا يخدعهم احد بأسمه.

وأسأل الله ان يستجيب لدعائك ودعائنا بأن يقيض لحكم هذا السودان من يصلح شأنه وشأن هذا الشعب الطيب المغلوب على أمره.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل


ردود على muslim.ana
United States [حسن] 11-05-2012 04:36 PM
تاج السر الله يكتر خيرو بازل مجهود كبير حتى تتحرر العقول المتحجره
الله يكتر من امثالو حتى لا ياتى من جديد من يعيد المشروع الحضارى


محمد عبد الله برقاوي.
محمد عبد الله برقاوي.

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة