"شكر الله سعيكم"
11-05-2012 01:09 PM

"شكر الله سعيكم"

د.علي عبدالقادر / باحث أكاديمي/ باريس
[email protected]

لعل حسن الخلق يأتي كأعظم نتيجة لتزكية النفس الانسانية التي تتلخص في عملية التخلية والتحلية ولعله أعلى مراتب التدين الصادق، قال رسول الله" ص" "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا". عن عبدالله بن مسعود، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : " اقرأ علي القرآن" قلت:"يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟" قال : "إني أشتهي أن أسمعه من غيري / إني أحب أن أسمعه من غيري" . إن صاحب الرسالة المعصوم "ص" لا يستنكف أن يسمع من غيره ذلك القران الذي أنزل عليه بواسطة الروح الامين جبريل؟ ولعل في ذلك قمة التواضع، فلم يستأثر "ص" بكلام الله ويقول لقد اختارني الله لرسالته وتلقي وحيه من بين جميع خلقه ومن ثم يسعى ليلبس نفسه نوع من القدسية والتجلة، بل على العكس تماماً فهو القائل "… لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ". فكيف يتأتى إذن لبشر أخر أن ينسب بل يحيط كل تصرفاته بل أخطائه بهالة من المشئية الإلهية مثل القائلين "هي لله هي لله" ، دونما آدنى حياء من الله.
إن المصطفي "ص" لم يستأثر بجاه دون غيره بل لم تفض روحه الطاهرة الا وهو يأمر بأن يتصدقوا بما بقي في بيته من دنانير، " سَبعةُ دنانيرَ أو تسعةٌ " ،" ثم قالَ : ما ظَنُّ مُحَمدٍ ، أن لو لقيَ اللهَ وهذه عندَهُ " .
أما تجار الدين فقد إستأثروا بادي ذي بدء بالمصارف واستحلوا ما فيها من أموال لتقوية دعائم التنظيم سعياَ للانقضاض على السلطة التي أغتصبوها وسرقوها بليل، ثم نسبوا ذلك الاغتصاب وتلك السرقة للدين " الزارعنا ..." !!!.
بينا أن الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" توفي وليس في بيته شيء يذكر إلا بضعة دنانير. فليتجرأ أصغر مسؤول في الدولة اليوم ويعدد لنا ممتلكاته، والله سنبارك له ذلك الخير ولن نسأله "من أين لك هذا" ؟ فذلك امر بينه وبين الله، ولكن ان يصل الامر بأحدهم ان يذهب للعمرة ويترك في بيته 91) ألف جنيه و(13.140) يورو و(100.063) فرنك سويسري و(345) ألف ليرة لبنانية و(15) ألف أسترليني و(2) ألف جنيه مصري و(420) ليرة سورية و(9) آلاف ريال سعودي و(26) ألف دولار، ثم "جاء يكحلها عماها" وقال بأنها "تخص أحد أقاربه بخارج السودان وأنها إيجارات عقارات يستلمها ويرسلها له "؟؟؟ فتلك جرأة على الباطل واستهزاء بالشعب السوداني!!!، وقال أخر بأن راتبه الشهري 15000 جنيه وبعملية حسابية بسيطة) 15000جنيه×23 سنة×12شهر( يكون الناتج 4.440.000 جنيه، في حين ان ثمن بيته فقط يقدر بالمليارات، لحسن الحظ "بالقديم" ؟؟؟ . وأفتخر احدهم بأنه يملك مئات الالاف من الفدادين من أراضي السودان، او يملك أحدهم حق التصرف في أموال الشعب و الامضاء على شيك على بياض من اموال الشعب لقريب له ويكتب على ظهر الشيك لمسؤول البنك "آرضه"، او "يكفي رصيده من الايمان" كضمان، والله عز وجل يقول " لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ...". ويلح على الخاطر سؤال هنا، لماذا لم يكن هؤلاء المسؤولين قبل سرقة السلطة والانقلاب على الحكومة الشرعية اصحاب مثني وثلاث ورباع ولم يستطيعوا ما هو فوق الباءة الا بعد الاستيلاءعلى المنصب ألحكومي !!!، ولماذا لم يتحصل كثير من المسؤولين على القاب جامعية مرموقة الا في عهد الإنقاذ! ولا اظن ان من العقل أن يقول شخص انه خلال مهمته كرئيس دولة كان يداوم كطالب انتظامي لمدة ثلاث سنوات لنيل الماجستير؟؟؟ ، علق احد الظرفاء قائلاً "الرئيس لا يعرس، لا يقرأ ، يعني يعمل شنو طيب" !! ؟؟؟.
ما اشرنا اليه سابقاَ ذرة من الفساد المادي يعلمها الداني والقاصي، لا تعد ولا تذكر بجانب الفساد في الارض المتمثل في الالاف من الأرواح التي راحت في حرب الجنوب ورغم ذلك إنفصل الجنوب، وكذلك ضحايا دارفور، والذين شردوا بالفصل للصالح العام، والضحايا الذين قتلوا بليل او سجنوا وعذبوا؟
ببساطة يمكن ان نقول ان الفساد الذي اصاب البلاد والعباد خلال حكم الانقاذ وعلى جميع الأصعدة والنواحي، لم يحدث منذ ان وجد السودان الحالي، فساد اخلاقي وتفسخ وتحلل وانتشار للرذيلة المقننة التي يقودها مسئولي الدولة كصاحب الدفع الرباعي وغيره، وتحولت الاخلاق السودانية من "الحامي بنوت فريقه" إلى "زوجتي بطلقها ليكم لكن الجنوب ما بمشي" وما تحمله من قيم اجتماعية سلبية ، وظهور انواع جديدة من الزيجات المشبوهة كزواج الخميس، وصولاً لزواج الصغيرات، وإنتشار أسلوب قضاء الحاجات عن طريق "بوخة المسؤول"، ونتيجة ما سبق هو انتشار بيوت كبيت المايقوما وغيره. فساد مالي ومنه بيع كل ممتلكات الشعب كالسكك الحديدية والناقل الوطني الخطوط الجوية السودانية واسطول النقل البحري،والنقل النهري ثم بيع المستشفيات، والسعي لبيع مشروع الجزيرة، وانهيار كل ممتلكات الدولة بما فيها المصارف والبنوك وبيعها تحت مسمى الخصخصة. فساد سياسي أدى الى انفصال الجنوب ومذابح دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وتجويع اهل الشرق، وانتشار امراض السرطان والفشل الكلوي في الشمال، ناهيك عن إحياء الجاهليات من عصبية وجهوية وقبلية حتى باتت النفوس تحمل الكثير من الإحن والضغائن تارة باسم الهامش ضد المركز وتارة تحت مسميات عرقية تنذر بالحروب الاهلية و"الصوملة" وتفتيت البلاد بحسب القبيلة، لتصبح كل قبيلة "بما لديها فرحون" !!!، فهناك من ينادي اليوم بإنفصال دارفور وأخر يدعو لجمهورية جبال النوبة!!!، ونشر المحسوبية بحسب درجة الولاء للانقاذ، والتمكين للفساد والمفسدين من خلال التدين المظهري الكاذب المتمثل في لحية وعصا وعبارات جوفاء مثل "التكبير" تردد في دراما مسرحية تحمل شيء من الإستهزاء والسخرية بالمعاني الاسلامية بل بالدين نفسه !!!. مما جاء في خطبة حجة الوداع "... "وبقى الدين بينكم لفظاً بألسنتكم"...."مساجدهم معمورة بالاذان، وقلوبهم خالية من الإيمان بما استخفوا بالقرآن " .
دعونا الان بالمقابل، نتطرق لبعض الدول الغربية التي يتحقق فيها الاطعام من الجوع والأمن من الخوف بنفس الدرجة للحاكم والمحكوم، وقد يكون بعض الحكام منهم يعلم شيء عن الدين ولكنه لا يتخفى تحت عباءته ولا يدعى احدهم قدسية أي تصرف له او الحديث باسم الدين او الإله، بل يتحمل نتائج سياسته وتصرفاته في شمم ورجولة قد تكلفه حياته، وعلى سبيل المثال إنتحار رئيس الوزراء الفرنسي "بيروقوفوا" في 1993م، لانه اتهم بالحصول بصورة غير صحيحة على قرض لشراء بيت له، وكذلك انتحار وزير المالية الياباني تاداهيرو ماتسو شيتا في 10/09/2012م ، خوفا من الفضيحة التي قد تنتج من الكشف عن علاقة عاطفية له خارج إطار الزواج.
نسب لابن تيمية قوله في الفتاوى في " رسالة في الحسبة " ما نصه :
فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى : " اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً " .
ختاماً، في هذه الايام المباركة لا نملك الا ان نخاطب العقلاء من الإنقاذ ونذكرهم بان السانحة مؤاتية لهم، للتطبيق العملي والحقيقي لمقولة د.مصطفى عثمان التى أوردها خلال مؤتمر الوسطية الذي انعقد بالاردن في نوفمبر 2008م عندما قال، "...... أن الإنقلاب العسكري غير محلل، واستخدامنا له كان استثناء.... نحن ندفع الآن جزءاً من الثمن، ويكون العلاج برد الأمر لأهله"..... " الآن نريد أن نرد السلطة إلى الشعب، وله أن يعيدنا إلى السلطة انتخابيا". والدعوة لتكوين حكومة وطنية من النقابات ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية، وهذه الاخيرة تقوم بالتحضير لانتخابات نزيهة يشرف عليها المجتمع الدولي .وحينها قد يعفو لكم الشعب السوداني بسماحته المعهودة "باركوها" ويقول لكم "شكر الله سعيكم".
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 1 | زيارات 1322

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#506400 [HIND HAIDER]
0.00/5 (0 صوت)

11-08-2012 05:44 PM
SALAM DR ALI,
si seulement on écoute vraiment ce que tu dis , car tes paroles sont censées et logiques mais qui tient vraiment à la patrie déchirée? si seulement ces " responsables prennent leur responsabilité pour de vrai.


#503490 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

11-05-2012 10:10 PM
ما فيش شكر الله سعيكم...بل من اين لك هذا


#503489 [سعودي]
0.00/5 (0 صوت)

11-05-2012 10:09 PM
الأخ الأديب الدكتور /علي عبد القادر
تحيه طيبه أُحييك علي مقالاتك الجميله
زاد من إعجبي بمقالك الجميل إستشهادك بتلك الأيات القرآنيه وبقول الرسول [ص]
بإختصار ما تم زكره عن حرب الجنوب والأرواح التي زهقت خلالها ومن بعد ذلك ياتي وينفصل الجنوب فتلك هي الكارثه بعينها .
أما فيما يخص ذلك المسؤل الذي ذهب لاداء العمره وترك خلفه كل تلك الثوره فلا إعتقد شخصياً أن ذلك من راتبه الشهري ولا إيجار منزل لأحد أقربائه كما ذكر .
أما فيما يختص بخصخصه وبيع ممتلكات الدوله فتلك هي من الماسي الكبيره التي حلت بوطننا نتمني أن تكون هنالك دراسات ووضع جدوي وحلول قبل إتخاز مثل تلك الخطوات التي تدمر الوطن .
لكن شخصياً بدون أي إنتماء حزبي نتمني لوطننا الغالي التقدم والرفعه والرقي أسوهٍ بالدول التي سبقتنا وكان وطننا يوماٍ ما أحسن حالاً من تلك الدول
وفق الله الجميع وسد الله الخُطي.


#503239 [كنكشة]
5.00/5 (1 صوت)

11-05-2012 04:38 PM
قد أسمعت اذ ناديت حيآ ولا حياة لمن تنادى ..و المؤسف حفآ ليس بينهم رجل رشيد فقد أعمتهم شهوة السلطة ..
و نسأل الله ان يهديهم الى الصواب و يبعد عنهم داء الكنكشة .. فما دامت السلطة لهامان و فرعون .


د.علي عبدالقادر
د.علي عبدالقادر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة