قصة ( ذاكرة الوطن)
11-07-2012 08:28 PM


قصة ( ذاكرة الوطن)

إيمان كمال الدين يوسف أحمد
[email protected]

الأول من أكتوبر ، يوم وفاتها، لحظات قليلة قضيتها معها، لم يتسني لي الكثير من الوقت لأتحدث معها ، ذلك الوقت الذي طالما توفر لنقول الكثير ،، الكثير وأحجمنا عن قوله..
أذكر حينها أني حزمت أمتعتي وهيئت حقائبي للسفر، وخرجت قبل موعد الطائرة أتمشي في مدينتي ، زرت المكتبة القديمة ، أقتنيت عددا من الروايات والكتب العلمية ، وسرت متوجهة نحو الحديقة العامة ، أقرأ فيها قليلا بعدها أعود إلي منزلي ، عادة أتخذتها في السنوات الخمس الأخيرة، بدأت أتجول في المكان ، ونظرات يملأؤها الشوق والحنين ، أتفرس ملامح المدينة بشغف كأني عائدة لتوي من الغربة ، كأني هائمة ، ولهانة، فأنظر إلي ملامح المدينة التي تغيرت بشغف غريب ، وشوق شديد ، بلهفة ، بدوت كالتائه في الصحراء أياما عديدة يوم تلو يوم يري السراب يتوهمه ماء يركض ولا يجد شيئا، يزداد عطشه ، يري واحة يركض يجدها سرابا، يري النبع يركض يجده سرابا، يتوقف يري بركة صغيرة يسير الهويني يقول ليست إلا سرابا يواصل المسير، يقترب تتهلل أساريره ليست سرابا، يقفز في البركة.
هل سأشتاق إليك إلي هذه الدرجة مدينتي...؟؟ أم أنني سأشتاق إلي تلك الملامح وتلك الوجوه في مدينتي..؟
سأشتاق إليك يا مدينتي بكل تفاصيلك، الطريق الذي كنت أسير عليه، المكتبة القديمة، الحديقة العامة ، كل شئ ساكن فيها سأشتاق إليه.
في طريق عودتي إلي المنزل أعرج علي بيت قديم علي مقربة من البحر تقيم فيه أمرأة عجوز ، أحمل لها الطعام معي أجلس معها تحدثني عن أبنها الغائب ، تخبرني ذات القصة كل يوم ، وأسمعها كل يوم كأني أسمعها لأول مرة.
تقول : أنها أختارت أن تسكن بالقرب من البحر حيث غادر علي متن الباخرة ووعدها بالعودة وما عاد، تنتظره كل يوم لعل البحر يحمل يوما علي عي ظهره أولئك الراحلون، أجلس معها بالقرب من البحر حتي تغيب الشمس تعود هي إلي منزلها وأعود أنا إلي منزلي ، واليوم لم أدري ما أقول لها هل أخبرها أنني أيضا سأرحل ، وأعدها أنا أيضا بالعودة ولا أعود.
كل لحظات الحياة غياب وغائبون ولا حضور إلا لتلك اللحظات التي ندونها ، كل حروف الرحيل مدونة علي مذكرة الإنتظار.
أطرق برأسي إلي الأرض وأعود أدراجي إلي منزلي ولا أقول شيئا.
أتناول كوب من الشاي أسمع طرقا علي الباب، من الطارق...؟؟ أتاني الصوت من خلف الباب قائلا: ساعي البريد ، تريثت لبرهة ثم نهضت ونفسي تحدثني : ساعي البريد..!! ساعي البريد عندي لا يأتي إلا بالفواتير ، لكني سددتها كلها الماء ، الكهرباء ، الهاتف...؟
فتحت الباب ألقي علي التحية وسلمني البريد قائلا : هذا لك وقعي علي الإستلام...أخذت الظرف قلبته يمنة ويسري وقلت : لي أنا ...؟؟ لعلك أخطأت العنوان... قال : لا معنون بإسمك..وقعت علي أستلامه، فتحت الظرف وجدتها رسالة مكتوبة بإسمي ، فقط إسمي مرفق معها قلادة عندما رأيتها أنتفض قلبي ، وتسارع نبضه ، يداي ترتجفان ، طالعت آخر الرسالة مكتوب عنوان مشفي خاص بمرضي السرطان، تملكني الرعب، جلست أبكي مدة من الزمن.
نظرت إلي ساعة يدي مازال هناك متسع من الوقت يمكنني الذهاب ستغادر الطائرة بعد 5 ساعات من الآن، أرتديت القلادة وخرجت، وصلت إلي المشفي سألت عن أسم المريض وغرفته : سألني الطبيب عن أسمي ، أجبته ، قال : تفضلي هناك من يرغب في رؤيتك.
وصلت إلي الغرفة وضعت يدي علي مقبض الباب مدة من الزمن ، إجتاحتني أحاسيس لا حصر لها وكدت أعود من حيث أتيت ، لم أقوي علي تحريك مقبض الباب ، تريثت لبرهة أبعدت يدي مرت ممرضة طلبت منها بلطف أن تطرق الباب وتفتحه ، ففعلت ، وكأني أحمل جبل علي أقدامي ، خطوات متثاقلة ، وكأني لا أسير ، عيناي إلي الأرض ، وكخطواتي المتثاقلة ، رفعت بصري أنظر إلي ذلك الجسد المستلقي علي الفراش، فشعرت كأن لهيب أصاب عيني ، تساقطت دموعي ساااااخنة، ووقفت أشهق في مكاني ، أستيقظت علي صوت نحيبي.
أخذ المرض منها ما أخذ، تساقط شعرها، ونحل جسدها بدت ملامحها غائرة، كان من الصعب التعرف عليها حتي من أقرب الأقربين ، لكني مهما تغيرت ملامح ساكني قلوبنا ، أعرفهم ، ولا أنساهم ، أقتربت منها وأحتضنتني طويلا .
جلستها بعدها بجوارها علي الفراش لكنها ظلت ممسكة بيدي، كست التجاعيد وجهها ، مع أن عمرنا واحد ، لعله المرض ، وتساءلت في نفسي : تري من أين نبدأ بالحديث: عن ماذا سأسالها ...؟ منذ متي هي هنا...؟ كانت تعرف أني أقيم هنا لم لم تأتي إلي..؟ تري ماذا أقول....؟؟ صمت كثيرا وأول ما فعلته أني خلعت القلادة وقلت : ما زلت أذكر ذلك اليوم.
إبتسمت فلم الأحظ إبتسامتها إلا عندما رأيت أسنانها بارزة علمت أنها أبتسمت ، حتي ملامح البسمة تختفي من وجوهنا قالت : أحبك يا صديقتي، وأشارت إلي أن أزيح الستائر وأفتح النافذة ، قالت : مضي عام وأنا هنا ، لم أجرؤ يوما علي فتح نافذة الغرفة، كل يوم يطرق العصفور علي زجاج النافذة ، أقف بهدوء أمامها وأزيح الستائر قليلا ، قليلا جدا حتي الضوء لا يتسرب إلي غرفتي ، فقط أري ذلك العصفور الصغير كان يذكرني بك ، تمنيت لو تحملك الصدفة يوما ما لتطرقي باب غرفتي كما يطرق العصفور الصغير هذا علي نافذتي كل يوم، لعله يخبرني أن اليوم يوم جديد ، كنت أخاف شيئا ما لا أدري ما هو....!! كنت أخاف أن يتساقط شعري بسبب المرض والعلاج ، وها قد تساقط ، كخوفي من رؤية رأسي وهو أصلع ، كخوفي من أن أفتح النافذة ، لأري الحياة ولا أشعر بها ، خشيتي أن أكون أصبت بالشلل في دواخلي ، وربما كخوفك من رؤيتي وأنا هنا.. ولكني اليوم عندما رأيتك شعرت أنه في الأمكان فتح النافذة.
منذ أن قدمت إلي هنا لم أري المدينة، عام كامل لا أشعر بالحياة سوي بنبضات قلبي وزفيري وشهيقي ، سوي من أنفاسي المتصاعدة كل يوم ، وربما لأني كنت أفضل أن أحتفظ بصورة موطني ومدينتي وأرسمها علي كل ملامح المدن ، لم أكن أحب أشعر يوما أني غادرت الوطن.
حانت مني إلتفاتة إليها بعد أن فتحت النافذة ، وبعد أن وقع علي مسامعي أننا لسنا علي أرض الوطن،، تنهدت تنهيدة عميقة وقلت : إذن أنا عائدة ولست مغادرة.....!! وعلت وجهي إبتسامة ساخرة ، باهتة ، طيلة هذه السنوات الخمس وأنا أقول كل يوم أني سأغادر لم أكن أدرك أني سأعود ، عاودت النظر من النافذة ، فوجدت أن المدينة لا تشبه مدينتي ، والوطن لا يشبه موطني ، وتلك الملامح ليست لهم ، وتلك الوجوه البيضاء ليست سمراء.......!! عجبي...
في المنفي نفقد شئ ما ، كالبوصلة في تحديد الإتجاهات ، ونكتسب شئ ما ، شئ طبيعي لا يتغير ولا يغيره الزمن شئ كعاطفة الام تجاه أبنائها ، شئ لا يتغير بتغير الأمكنة والأزمنة.
هل تعلمين أنك أخبرتني بما كنت أجهله...؟؟ وأنتظرت ردا من صديقتي فلم تكلمني ، عدت ووقفت بجوارها ناديتها مرة وأثنتان وثلاث فلم تجب... وضعت يدي علي قلبها فما شعرت بشئ ، ناديت الطبيب ، تلك النظرة أعرفها جيدا غطي وجهها وأطرق برأسه إلي الأرض ومضي.
تحسست القلادة في يدي ، وقبضت عليها بقوة لم أدري ما أقول ، ترحمت عليها ، أغلقت النافذة أسدلت الستائر غادرت الغرفة بهدوء ، سيأتي العصفور ويطرق كل يوم علي النافذة يخبرنا أن اليوم يوم جديد.
وسيبقي الحب يخبرنا أن الأوطان هي الأوطان.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 977

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#505611 [السودان الوطن الواحد .. لقد كان وماسيكون]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2012 10:48 PM
الغربة مابعد المسافة ... ولا السفر آخر مطافا ...
الغربة في الضيق البعاند ... في السحاب الطشا جافا ...
رحم الله السودان الذي كان وطنا واحدا ....!!!!!!!!!!!!!!!!!


إيمان كمال الدين يوسف أحمد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة