المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
عن مرض واحتضار وموت ابن أبي بن سلول..
عن مرض واحتضار وموت ابن أبي بن سلول..
11-09-2012 10:29 AM

عن مرض واحتضار وموت ابن أبي سلول..

سيف الحق حسن
[email protected]

هل ندعو على الكذّاب أو المنافق الذي آذانا ونسعى للتشفي منه؟.
عندما مرض عبد الله بن أُبيّ بن سلول في أواخر أيام شوال سنة 9هـ، واستمر مرضه عشرين يومًا كان يعوده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه ويدعو له بالرغم من تاريخه الأسود في الكذب وإثارة الفتن والبغضاء والضرر والمصائب التي غرسها ليهدم بها الدين والخلق القويم. فمن السيرة نعرف مواقفه مثلا في غزوة بني المصطلق الذي قال فيها: ليخرجن الأعز منها الأذل وتصدى له إبنه حينها، أو في قعوده مع الخالفين في الخروج للحديبية، أو في تبوك. بل وصل أمر خبثه وفسوقه إلى أنه قاد حملة للطعن في شرف أمنا أم المؤمنين الطاهرة السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما. وهذه أمثلة لمواقف أقل بكثير مما غفلناه.

وبالرغم من ذلك كله أدعوك لتتفكر فيما فعل صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وآله وسلم. فالقلب السليم لابد أن يكون حليما رحيما ولا يُكِنّ غيظًا فيه يدفعه إلى الرغبة في التشفي. صدقوني، فالتشفي لا يحقق غرض ولا يقدم مصلحة. فهو يضيع التركيز ولا يجعل صاحبه يسير قدما في تحقيق هدفه الأكبر. ويدلنا تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا تزر وازرة وزر أخرى. لأن إبن ابن أبي سلول (عبدالله) كان من فضلاء الصحابة الذين أثبتوا إخلاصهم، وتجردهم لله سبحانه تعالى وحبهم إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فلا يريد له أن يُسبّ بأبيه، أو يُعير بتاريخ والده الطويل في النفاق. وفي هذا منتهى اللطف والذوق والرقة والعطف.

ثم كان اليوم الأخير في حياة عبد الله بن أُبي بن سلول، ودخل عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو حزين لإقتراب أجل عبد الله بن أُبي، وهو ما زال على النفاق، فقال له: " قد نهيتك عن حب يهود "، أي الذين كانوا يؤذون ويعادون رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة. فقال عبد الله بن أُبي في سوء أدب واضح، وفي عناد إلى آخر لحظة: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فما نفعه؟ أي أن بغض أسعد بن زرارة لليهود لم يمنع أسعد بن زرارة من الموت. وكان أسعد قد مات بعد الهجرة النبوية بأربعة أشهر فقط، وكان يكره اليهود جدًّا لمعاداتهم لرسول الله.
تأويل ابن أبي سلول هذا ما يسمى بغباء النفاق لأن البصيرة طمست بكثرة الكذب. فلكل شيء نهاية، المؤمن يموت، والمنافق كذلك يموت، والمسلم والكافر يموتان، والصادق يموت، والكاذب كذلك يموت. فمن ذا الذي قال: إن حب قوم أو بغضهم يورث خلودًا في الدنيا؟! فجميع البشر يدركون أن الموت متحقق. ولكن رد ابن أُبي بن سلول يحمل غباءًا وكفرا وغلظة وعناد. واراد أن يكون أكثر واقعية عند اللحظات الأخيرة ولكن هل بصورة تعجيزية أم إنها توبة عن ما فعل (الله أعلم بحاله)، فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس هذا وقت عتاب، إنه الموت! فإن مت فاحضر غسلي، وأعطني قميصك أكفن فيه. فبهمة أعطاه صلى الله عليه وآله وسلم قميصه الأعلى، وكان عليه قميصان ولكن ابن أُبي سلول قال: أعطني قميصك الذي يلي جلدك، وصلِّ عليَّ، واستغفر لي. فعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته، ونزع ثوبه الذي يلي جلده، وأعطاه لإبنه ليكفن به أبيه.

ومات ابن أبي سلول. وعن جابر، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج، فوضع على ركبتيه، أو فخذيه، فنفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. وطعما في بحر الجود والكرم وسماء الحلم والقيم صلى الله عليه وآله وسلم طلب إبنه (عبد الله) ابن عبد الله بن أُبي بن سلول منه أن يصلِّ عليه، ويستغفر له. ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرد سائلاً قَطُّ لم يتردد وهرع للصلاة عليه ولكن تعلق به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمسك بثوبه وقال له: يا رسول الله: أتصلي عليه، وقد نهاك ربك. فقال: إن ربي خيرني فقال: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)) [التوبة:80]، وسأزيد على السبعين. أي سأحاول قدر المستطاع أن أسأل الله له المغفرة، مع أن معنى الآية الواضح أنه ليس مقصودًا فيها عدد السبعين بالذات، إنما ذكر العدد لضرب المثل للكثرة، أي مهما استغفرت لهم، فلن يغفر الله لهم، فلن يجدي أيضًا استغفار ثمانين، أو تسعين، أو مائة، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بظاهر الآية؛ لأن في ذلك موافقة لخلقه الرحمة والشفقة الذي يتصف بها ليس لأمته فقط بل للعالمين جميعا.
لم تكن الآية: ((ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)) [التوبة: 84] قد نزلت. فعندما نزلت ليثبت الله تعالى نفاق البعض وينهاه عن الصلاة عليهم أصبح هذا الحكم عامًّا في المنافقين المعلومين عن طريق الوحي بأنهم من المنافقين، ولا يجري بالطبع هذا الحكم على بقية المسلمين الذين لم يكن في أمرهم وحي ويشك أنهم منافقين. ولذلك كان التابعون يصلون على كل المسلمين، ويصلون حتى على من شك أنه منافق، إلا أن يقول لهم حُذيفة بن اليمان لا يصلى عليه لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أسر فقط لحذيفة بن اليمان بأسماء كافة المنافقين المحيطين بهم، وطبعت قلوبهم على الكفر والنفاق، فلم يفش بهذا السر لأي كان.

فما علينا هو أنه لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على منافق او حتى كافر قط. فقد كانت أخلاقه الحلم والرحمة للجميع. نعم يسعى للقصاص ليكون فيه الحياة ولكن لم يكن يسعى للتشفي من الذين ظلموه وآذوه وشردوه وقتلوا أحبابه. كان هدفه صلى الله عليه وآله وسلم أن يهتدي الجميع ويعيشوا في رحمة وسلام، ولا يأس من هداية ورحمة الله ولا قنوط حتى إلى آخر لحظة من العمر. ولهذه الأخلاق العظيمة والإلفة والمحبة ذكر ابن إسحاق والقرطبي أن كثيرًا من جماعة عبد الله بن أُبي بن سلول قد تركوا نفاقهم.
سيقول البعض لأن هذه أخلاق أنبياء ونحن لسنا بأنبياء. هنا لي سؤال أخير: فلماذا إذا أرسلهم لنا رب العزة ذو الجلال والإكرام أصلا إذا لم نحاول أن نقتدي بأخلاقهم ونفعل مثل ما فعلوا؟.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرفُ عنا سيئها إلا أنت، اللهم أصلح فساد قلوبِنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا وارحم ضعفنا وحسن أخلاقنا. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم كثيرا كثيرا بقدر حرصه ورأفته ورحمته وخلقه العظيم.

جمعة مباركة.


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 3648

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#507517 [sudani ana]
0.00/5 (0 صوت)

11-10-2012 04:32 AM
الاخ سيف الحق بعد السلام عليكم , لقد افتقدنا اخي طلة قلمك علي القراء عل المانع خيرا. ليتك تواصل الكتابه ففي المواضيع التي تطرحها فوائد كثيره يستفيد منها القارئ . وشكرا علي هذه الطله التي اثبتت لي اني لست الوحيد المقتنع اقتناعا تاما بأن اصحاب الانقاذ هم من المنافقين الذين تنطبق عليهم صفات المنافق في الايات الداله علي ذلك من القرآن الكريم .


#507431 [khalid m ali]
0.00/5 (0 صوت)

11-10-2012 12:02 AM
قول نحن الدراويش على طول الخط وكل من هب ودب يجى يملطش فينا وياخرنا الاف السنين للخلف ونقول المسامح كريم , لكن العالم اليوم بيتنظم وبيدافع عن حقوق ناس قريعتى راحت المتلنا ولايوجد فى قاموس حقوق الانسان عفى الله عن ما سلف لابد ان ينال المجرم عقابه كمجرم الحرب الذى يدعى المرض مثله مثل المجرم حسنى .


#507194 [سوداني وكفي]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2012 06:03 PM
استاذ سيف انا حاسي انك من وراء سردك لقصة سيد الانام مع بن سلول ترمي لعدم التشفي في مرض بن سلول السودان عمر البشير يجب انا تعلم انا الرسول لاينقط عن الهوي ان هو الا وحي يوحي اما انا فقد اسعدني واثلج صدري مرض ذالك المافون القمي واتمني من الله ان لايقبض روحه وان لايتم لهو الشفاء ويرد الي ارازل العمر ويهجره الناس واهله كما يفر الصحيح من الاجرب ولست في حاجة الي ايراد ماذا فعل فانتم وجميع الشعب السوداني ادري .


#507104 [محمد حسن احمد]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2012 03:41 PM
ياليت أبي سلول ودبانقا يقرأ مقالك هذا وينعم عليه الله بالعقل الذي يستوعب معاني وقيم ما كتبت ويدرك عاقبة النفاق والتجارة بإسم الدين وما أرتكبه من آثام وذنوب ومعاصي تفوق ما إرتكبه أبي سلول ومسيلمة الكذاب لعنة الله تخشاه وتخشى كل من حوله من كلاب وحمير وخنازير الجبهة النفاقية بشقيها وثني وشغبي


#507047 [خالد حسن]
5.00/5 (1 صوت)

11-09-2012 02:18 PM
هل كان ابن ابي سلول رئيس للدوله ؟ وهل كان يعذب ويقتل ويشرد شعبه ؟
وهل كان لابن ابي سلول سلطة فوق سلطة المسلمين والرسول الكريم في المدينه ؟
مقارنه غير واقعيه .. لو انك قارنت المجرم البشير بالحجاج بن يوسف لكنت اقرب للواقع
فكلاهما صاحب سلطة وكلاهما عذب وقتل وشرد مسلمين
الم يقل الرسول الكريم اللهم من شق علي امتي فاشقق عليه
والم يقل
أَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَعِيَّةً فَمَاتَ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
لماذا تلون عنق الدين وتأتون بالايات والاحاديث التي تتوافق مع ماتريدون وتغفلون مالايوافق هواكم
هل امر الدين بعدم الدعاء علي الحاكم الظالم لانه مسلم ؟
وهل سمي الدين من يفرح باستجابة دعاءه علي الظالم وهو مظلوم بالشماته ؟
وهل يحرم الدين علي من ظلموا واخرجوا من ديارهم بغير حق وقتلوا وعذبوا ان يفرحوا بعدالة الله وإنتقامه ممن ظلمهم؟
(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)
فمالكم كيف تحكمون


ردود على خالد حسن
Netherlands [الثوره الما بنص] 11-10-2012 01:41 AM
خالد حسن ردك كان زي العسل والله هذا الكلام الذي كان جواي وعاوز اقوله بالظبط اسلم قلمك وقلم كل شريف نظيف وطني مش منافق منتفع غير وطني كسير ثلج


#506999 [muslim.ana]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2012 01:06 PM
بارك الله فيك، وتقبل منك ومنا صالح الاعمال.


#506927 [بت الخرطوم]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2012 11:31 AM
سلمت يداك فالذكرى تنفع المؤمن المرض والموت لا شماتة فيهما ولكل يعرف ذلك ولكن بعض الاخوة المعلقين يتناسون ذلك فمهما كان اختلاف الناس فيجب ان نتحل بمكارم الاخلاق وبما اوصنا به سيد الخلق عليه افضل الصلاة والسلام


سيف الحق حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة