سقوط عمودي
11-12-2012 01:48 PM


(كلام عابر)

سقوط عمودي

عبدالله علقم
[email protected]

شاهدت قبل فترة من الزمن في اليوتيوب محمد العريفي، وهو رجل يظهر أحيانا على شاشات التلفزيون مسبوقا بلقب (شيخ) وأحيانا (فضيلة الشيخ)، لقب الشيخ أصبح يوزع بسخاء على الناس، فتارة يطلق على الملتحي وتارة أخرى يطلق على المتفقه في الدين وأحيانا يطلق على كبير السن أو على إمام المسجد وأحيانا أخرى يطلق على كل من يعتلي منابر الوعظ والإرشاد، و يطلق أيضا على القاضي، وارتبط اللقب تاريخيا بزعيم القبيلة أو العشيرة، ومؤخرا أصبح لقب شيخ يطلق على كل ذي مال. شاهدت في اليوتيوب محمد العريفي واقفا أمام مجموعة من مشاهديه ومستمعيه وهو يقص عليهم حكاية مسلية. سوداني كان يطوف حول الكعبة المشرفة وهو يردد الدعاء "اللهم أغفر لنا وتجاوز أنّا" استبدل محمد العريفي حرف الميم في كلمة "عنّا" بحرف الألف فأصبحت "أنّا" بدلا من "أنّا" تقليدا لنطق السودانيين للحروف العربية وزيادة منه في جرعات المتعة التي يقدمها لمستمعيه، فأصيب السوداني بضربة شمس أثناء طوافه ونقل لمستشفى جياد القريب من الحرم الشريف، وهناك قدمت له الإسعافات اللازمة فأفاق بعد نحو أربع ساعات من غيبوبته ، فوجد حوله الممرضات الفلبينيات بأزيائهن البيضاء ، وكان اللون الأبيض كذلك هو لون جدران الغرفة وفرش السرير ،تزامن ذلك مع رائحة مطهر الديتول التي كانت تملأ الغرفة، وهي رائحة وإن كانت كريهة لكنها بلا شك أفضل من رائحة المريض السوداني، فأعجب المريض السوداني بالرائحة مثلما أعجب بالممرضات والمكان كله ،للدرجة التي حسب فيها أنه في الجنة، فصاح "الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد ان وأد(وعد) الله حق.. الجنة.. الهور الإين (الحور العين)، واجتذب صياحه الممرضات، فتدافعن نحوه لمساعدته ظنا منهن أن الرجل قد أصيب بلوثة في عقله بفعل ضربة الشمس ، فحسب السوداني أن الممرضات هن الحور العين أنفسهن يتسابقن للفوز به ، فصاح فيهن: واهد.. واهد (واحد.. واحد). هكذا حكى (الشيخ). واكتفى (الشيخ) بالوقوف عند هذا الحد ولم يدخل في مزيد من الشرح والتفاصيل. كان (الشيخ) يعمل على إضحاك مشاهديه بمثلما يفعل مقدمو الفقرات الترفيهية المغمورين في مسارح المنوعات، فحوّل (الشيخ) المكان بأكمله إلى "مسرح منوعات"، ومسرح المنوعات هو الاسم الذي يطلقونه في مصر على الكباريه تجميلا للقبح والتفافا مأذونا حول القوانين.
نكتة (الشيخ) نكتة قديمة ساقطة تتداول في أكثر من بلد، وفي كل بلد يعاد صياغتها حسب معطيات ومكونات مجتمع البلد ولكنها لا تتداول في العلن لأنها نكتة غير محترمة، ولا أود هنا أن أنقل الصيغة التي كانت تتداول بها في السودان قبل عقود من الزمان. وفي جميع الأحوال ليست منابر الوعظ هي المكان المناسب لمثل هذا النوع من (خفة الدم).
قد يكون هناك من يبادر فيقول إن محمد العريفي لا يتعمد الإساءة لأحد ولكنها دعابة بريئة، ويمكن بهذا المنطق أن نقبل تقليده للهجة السودانيين الذين ينطقون الحاء هاءا "اللهم اغفر وتجاوز أنّا" .. "الهور الإين"، وليس في ذلك ما يسوء أحدا، فأهل السودان في معظمهم لا تمت جذورهم للعرب ولا للعربية بشيء أو أنهم يتحدثون لغاتهم القبلية وهي لغة الأم لديهم بجانب العربية، فليس غريبا وليس مسيئا في شيء أن يبدل العين الفا والحاء هاءا، والدم العربي والعربية ليست بأي حال من الأحوال سدرة المنتهى رغم ادعاءات بعضهم، لكن المسيء فعلا هو قول (الشيخ) أن رائحة مطهر الديتول، رغم أنها رائحة كريهة،إلا أنها أفضل من رائحة ذلك السوداني. هذا هو السقوط الذي لا يمكن تبريره. اعتدنا مثل هذا السقوط في الأفلام والمسلسلات المصرية التي تسخر من اللون الاسمر والرائحة الكريهة التي هي ماركة مسجلة باسم السودانيين مثل فيلم "عيال حبيبة"،ورغم ذلك لا يمكننا أن نحمل كل المصريين وزر سقوط بعضهم ونظرتهم العنصرية المتعالية للسوداني. كانت آخر هذه الأعمال الفنية المصرية الساقطة مسلسل "فرقة ناجي عطا الله" لصاحبه عادل إمام وأولاده،الذي عرض في شهر رمضان الماضي، وفي مشاهد من هذا المسلسل في نفق من أنفاق سيناء الموصلة إلى غزة يتبادل عادل إمام مع ابنه محمد الممثل في نفس مسلسل والده، السخرية من بشرة السودانيين ومن نادي الهلال بألفاظ ساقطة ورثها الإبن عن الأب، وكانت تلك المشاهد مستفزة لي كسوداني أعتز بوطني وبلون بشرتي وأعتز بنادي الهلال كرمز من رموز ذلك الوطن رغم عشقي للمريخ.نأمل أن نتناول هذه الرؤي المصرية الساقطة في مرة قادمة مع الوقوف بضع لحظات عند "لعنة الجغرافيا"،على حد تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، التي جلبت لنا كل هذا الضرر.
لم أجد تشخيصا لحالة محمد العريفي سوى أنه ساقط غارق في التعالي العنصري العفوي ويحمل شهادة الدكتوراة. لكأن الرجل لم يقرأ قول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"،صدق الله العظيم، ولكأنه لم يسمع قول رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام " ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء".
زرت قبل بضعة أيام موقعه الخاص على الانترنيت فعلمت أنه كان في زيارة للسودان في أواخر شهر سبتمبر 2012م بدعوة من قناة طيبة الفضائية واستغرقت هذه الزيارة عدة أيام ألقى فيها أكثر من محاضرة في أكثر من موقع في الخرطوم ولقي في السودان ما يلقاه كل زائر من حفاوة متوارثة، فكتب عن ذلك في موقعه:"ما أسعدني.. أنا اليوم على موعد مع الكرم والطيبة والأمانة والبشاشة وسلامة الصدر إنها زيارة للسودان.. كم أحب السودان وأهله". سبحان الله!. وكان العريفي يكرر كثيرا في كل مكان زاره في السودان قوله: "أحببت أهل السودان وأنا بعيد عنهم، فلما لمست حبهم زاد في قلبي حبي لهم" ، بعد كل ما قاله عن "الهور الإين" ورائحة الديتول، فاستفزني (فضيلة الشيخ الداعية الدكتور) مرة أخرى بتناقضه ودفعني لكتابة هذه السطور.
يبدو أننا قد صرنا "ملطشة" لمن يسوى ومن لا يسوى في أزمنة محمد العريفي.



تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 999

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#510530 [المنصور]
0.00/5 (0 صوت)

11-13-2012 11:53 AM
لاتحزن اخي
فليس بك وبنا عيب
العيب في جهلهم ونفاقهم
فانهم يلبسون ما لا يليق بهم
فكيف لحاج ان تكون رائحتة منتنة
أي حاج
والدين
اساسه الطهارة والنقاء
والنفاق ليس من الدين في شيء
ففي أوطانهم يقولون كلاما وأمامنا يقولون شيئا اخر
والايات والاحاديث كثيرة عن هذا الصنف من الناس
ارفع رأسك عاليا وأعتز بنفسك وقيمك
وصيح بأعلي صوتك وقل
أنا مسلم وأعتز بديني وقيمه
أنا سوداني انا سوداني


#510372 [اللالوب]
0.00/5 (0 صوت)

11-13-2012 09:31 AM
لا ادري من اين كاتب المقال بهذا الفديو فما اعرفه عن القصة تتحدث عن هندي وليس سوداني ، نعم هو تهكم وسخرية من الشعوب ومرفوض لكن موضوع المقال لم يمس السودانيين بشيء.


#510160 [ahmmed]
0.00/5 (0 صوت)

11-12-2012 11:25 PM
والله لو في اعلام ذوحس سليم كان نقل هذه الاهانة والمسخرة للشعب السوداني،ولو في مجتمع مدني متمدن كان طلع مظاهرات لا مرحبا بك ايها العنصري البغيض،ولو في دولة محترمة لن تعطي من يسئ ويسخر من مواطنيها تاشيرة دخول لو كان الملك ذاتو،ولكن،من يهن يسهل الهوان عليه،مالجرح بميت ايلام,


#510144 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

11-12-2012 11:09 PM
من هو محمد العريفى هذا؟؟؟انا بعرف كاميرون دياز واتشرف بذلك واعرف اوباما واتشرف بذلك واعرف توم كروز واتشرف بذلك لكن لا اتشرف بمعرفة هذا الاسمه منو؟؟؟محمد العريفى ؟؟ وده بيعرف شنو؟؟؟ قول ليه يا جاهل يا ابو جهل السودانيين اصحاب حضارة نوبية ضاربة فى القدم ولمن جاء الاعرابى الصحابى عبد الله ابن ابى السرح عقد اتفاقية مع عظيم الدولة النوبية وكانوا يسمونهم رماة الحدق يعنى لو حاربهم هذا الاعرابى كان لحق امات طه عشان كده وبى ادب شديد عمل اتفاقية مع السودانيين!! وقول لهذا العريفى لمن يتكلم عن اسياده السودانيين يكون عنده ادب ويبدوا انه قليل الادب وما متربى!!!!! بلا داعية بلا شيخ بلا كلام فارغ!!!!


#510076 [كنى]
0.00/5 (0 صوت)

11-12-2012 09:33 PM
يا معلم نحن شعب ساذج مافى زول زار السودان ولا اتحدث عن الكرم الفياض والحب والطيبه هو متواجد داخل السودان وما ان حتى من السودان ولا نسمع العكس بل الاستخفاف والاستهتار طبعا الناس ما عورين عشان اتناقض بس بقولوا كد عشان عارفين السودانين بحب الكلام ذى دة طبين كرمين بلاهى عليكم الله صحى انخنا طبين ؟ الاجابه لو كانت نعم اذن انحنا كعبين مع بعض فقط = اى كرم هذا غير مرئى؟ بنسمع بيهو ومانشوفو - مسمعنا بى شعب كان كريم السودانين


#509951 [[email protected]]
0.00/5 (0 صوت)

11-12-2012 06:13 PM
هههه ديل هم الانبياء الكذبة@


عبدالله علقم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة