المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
البلد دي ماشة لي وين؟ا
البلد دي ماشة لي وين؟ا
10-21-2010 12:47 PM

البلد دي ماشة لي وين؟

قراءة في المشهد السياسي:

د. الشفيع خضر سعيد

** الرغبة في الانفصال وبناء دولة مستقلة في جنوب الوطن يعكس حالة يأس من تواريخ الفشل الموروثة المتكررة، ومن الاحباطات التي صاحبت بناء الديمقراطية وتحقيق التنمية في السودان.

** التجربة السودانية تؤكد أن اسهل شيئ يمكن حدوثه هو سقوط القادة في امتحان تلبية رغبة واحتياجات الجماهير.

** لا أظن أن الجيش الشعبي والقوات المسلحة لديهما الرغبة والاستعداد في خوض حرب جديدة.

** هل تأجيج مشاعر الحرب والعصبوية سيجعل الناس ينسون أن إنفصال جنوب السودان حدث في عهد المؤتمر الوطني ونتيجة لفشل سياساته؟ وهل هذا التأجيج هو بمثابة آليات دفاعية للحماية الذاتية حتى يخفف المؤتمر الوطني من شعوره بجريمته التاريخية في تمزيق السودان؟



أين سيكون ميدان الحرب القادمة؟

“البلد دي ماشة لى وين؟” وهو البمشّي وبدوّر البلد دي منو؟” “ناس الحكومة ديل ما فيهم عاقل؟”. هذه الاسئلة وغيرها أصبحت من متلازمات الحياة اليومية في السودان، تواجهك في المواصلات، في موقع العمل، في الأفراح وفي الأتراح، وحتى كمدخل تعارف من أناس تلتقيهم لأول مرة. وعندما يكتشف السائل إنك تتعاطى السياسة، ومن موقع المعارضة، يوجه إليك سؤالا أكثر تحديداً: “صحي في حاجة تحت تحت ماشة بين الحكومة والحركة والأمريكان في أديس أبابا؟”. قد تجيبه بهمهمة ما، وقد لا ينتظر إجابتك، لكنه في الغالب سيعلق قائلا: “الناس ديل ودوا البلد في داهية…لكن معارضتكم تعبانة!”. وقطعاً ستتأكد لك معقولية ومشروعية هذه الاسئلة إذا تابعت أخبار الصفحة الأولى في الصحف اليومية خلال الثلاثة أيام الماضية فقط: ” المصادر الرسمية تؤكد أن 850 طبيب هجروا البلد، والمصادر الشعبية تقول إنهم خمسة الآف طبيب!”، “مقتل القائد الزبيدي، رئيس الجبهة الثورية المتحدة، إحدى حركات دارفور، في كمين”، “صدور قرار مفاجئ بتعيين مدعيا عاما جديدا لجرائم دارفور وإعفاء المدعي العام السابق!”، “CIA ترشح الجنوب لدوامة من العنف!”، “إشتباكات مسلحة في دنقلا وفي جامعة نيالا”، “إختطاف 11 موظفاً من الهلال الأحمر بجنوب دارفور”، “مفوضية الاستفتاء تقول أن عامل الوقت وضعف التمويل يشكلان عقبة أمام المفوضية لتنفيذ برامجها”، “وزير الدفاع يبحث في القاهرة دعم الجيش السوداني”، “الجيش الشعبي يتوقع حرباً بمناطق التماس منتصف نوفمبر”…الخ.

وقبل يومين شهدت مرافعة لسيدة، عرفت فيما بعد أنها كانت من أكفأ مدراء المدارس الثانوية لكن حكومة الإنقاذ أحالتها للصالح العام دون إبداء أي سبب، شهدت السيدة المديرة وهي تتحدث بإنفعال شديد أقرب إلى الصياح، قائلة: لا أتوقع من جماهير الشعب السوداني التي يهاجر أطباؤها بسبب ظروف العمل الطاردة، والتي تشهد مندهشة عراك قائمتين من منسوبي المؤتمر الوطني تتصارعان على منصب الرئيس في انتخابات شعبة مستوردي الأدوية والمستحضرات الطبية!!، والتي تشتري رطل السكر بجنيه ونصف، وتصوم غالبيتها عن اللحوم والفواكه، ويعاني أطفالها من وباء الحصبة في الشمال والاسهالات المائية في الجنوب… لا اتوقع من هذه الجماهير أن تقبل حربا جديدة في البلاد، يموت فيها الشباب الذين يقاتلون بالوكالة لصالح نخب ستدفع بهذا البلد إلى الهاوية. وإذا كانت هنالك حرب قادمة فلتتقدم الصفوف الأمامية هذه النخب!!!.

شخصيا، لا أتوقع حربا بين الشمال والجنوب عقب الاستفتاء. وبالطبع هذا لا يعني إنتفاء المناوشات، عمليات التخريب، الإغتيالات…الخ. توقعاتي هذه مبنية على المعطيات التالية:

أولاً لا أظن أن الجيش الشعبي والقوات المسلحة لديهما الرغبة والاستعداد في خوض حرب جديدة. فكلاهما اصيب برهق وإجهاد الحرب (war fatigue) نتيجة الإحتراب المتواصل لعقود من الزمان، وأيضا لغياب الدافع للقتال عند الجندي البسيط هنا وهناك: فلماذا يظل هذ الجندي وقودا لسياسات لا يرى عائدها في نفسه وأهله وأبنائه؟.

ثانياً، لا أعتقد أن دولة الجنوب الفتية بعد الاستفتاء مستعدة لخوض حرب من أولى تبعاتها توقف تدفق البترول، المصدر الرئيسي وربما الوحيد لتوفير مواردها، وأيضاً لا أعتقد أن دولة الشمال بعد الاستفتاء على استعداد لتحمل توقف نصيبها من البترول وتوقف تدفقه في انابيب الشمال المتجهة نحو مصافي الجيلي وميناء بورتسودان.

ثالثاً لا أعتقد أن عدم الاتفاق على ترسيم الحدود قبل الاستفتاء سيكون سببا للحرب القادمة. فتجربة استفتاء حق تقرير المصير في السودان ليست الاولى من نوعها في العالم، وفي العديد من التجارب المماثلة لم تكن مسألة ترسيم الحدود شرطا لممارسة الاستفتاء. صحيح أنها كانت من أسباب التوترات المزمنة، بما في ذلك اندلاع القتال، ولكن في سياق وجود قنابل موقوتة أخرى، وبعد مرور الكثير من الوقت دون نزع فتيل إشتعال هذه القنابل. رابعا، لا أظن أن الإدارة الامريكية الجديدة، والرئيس أوباما شخصيا، يملكان الجرأة للتورط مرة أخرى في ما من شأنه أن يضاعف من تعقيدات السياسة الخارجية الأمريكية التي بالكاد تستطيع تدارك الأمر في أفعانستان والعراق وفلسطين. لذلك، ستبذل أمريكا قصارى جهدها لتفادي أي وضع كارثي جديد. كما أن المجتمع الدولي بأكمله غير مهيأ لتحمل تبعات المزيد من الكوارث، سيما وأن اتفاقية السلام الشامل نمت وترعرعت تحت كنفه. وهكذا، ستبذل الولايات المتحدة وأركان المجتمع الدولي ما بوسعها، عصا وجزرا، لتتوصل النخب المتفاوضة من الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني لصيغة تمنع تجدد الحرب، وفي نفس الوقت تضمن بقائها في سدة الحكم، شمالا وجنوبا، غير عابئين باستمرار الوضع المتأزم أصلاً .

ومن زاوية أخرى، فإن توقعاتي بشأن عدم تجدد الحرب تتماشى مع ملاحظاتي المتكررة حول إن المواطن الجنوبي ليس لديه رغبة اصيلة في الانفصال، مثلما أن المواطن الشمالي سيتمزق داخليا إذا ذهب الجنوب. فالسودان الوطن الممتد من حلفا إلى راجا يعني لهولاء واولئك الكثير، كما أن التجربة السودانية تؤكد أن أسهل شيء يمكن حدوثه هو سقوط القادة في امتحان تلبية رغبة واحتياجات الجماهير.

ولكن، لماذا كل هذا الحديث عن أن الحرب بين الشمال والجنوب قادمة لا محالة؟ وإذا كانت المهمة الأولى لأي شخص في موقع القيادة الرسمي وعلى مستوى الدولة هي زرع بذور الأمن والطمأنينة والمحبة والتعايش السلمي في “الرعية”، فلماذا ينبري قادة في الدولة لتأجيج العصبوية والنعرات العنصرية لتلتقطها مستقبلات المشاعر الغرائزية البدائية عند المواطن البسيط فتهيئه لسفك دماء من كان يلاطفه ويبتسم له ويقتسم معه المسكن والطعام بالأمس؟.

السودانيون مولعون بالتحليلات والتفسيرات، فتجدهم يقترحون عدداً من الإجابات، في شكل تساؤلات غيرشاطحة، من نوع:

- هل تنطلق صيحات الحرب لتشغل الناس عما يدور في دهاليز الحكومة نتيجة فشل سياساتها، ونتيجة تخبطها وأنقسامها إزاء عروض المجتمع الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة؟

- هل فشلت الحكومة، من خلال محادثات نيويورك وأديس أبابا، في توفير سلك شائك مكهرب لحمايتها؟

- هل هنالك خلافات وسط المؤتمر الوطني؟ هل هنالك “شماتة غبية” من بعض قيادات المؤتمر الوطني التي كانت ترفض إتفاقية السلام الشامل؟.

- هل تأجيج مشاعر الحرب والعصبوية سيجعل الناس ينسون أن إنفصال جنوب السودان حدث في عهد المؤتمر الوطني ونتيجة لفشل سياساته؟ وهل هذا التأجيج هو بمثابة آليات دفاعية للحماية الذاتية حتى يخفف المؤتمر الوطني من شعوره بجريمته التاريخية في تمزيق السودان؟ أليست هي محاولة بائسة لإلغاء العقل تعكس حالة الخواء السياسي الذي تعانيه المؤسسة الحاكمة؟

عموماً، يعتقد الكثيرون أن هولاء المسؤولين الذين يطلقون صيحات الحرب يدركون تماما أن هذه الصيحات ستجد أصداءً متجاوبة معها في ظل أجواء الاحباط والاحتقان السياسي الراهن، وفي ظل وعي هولاء الرسميين بإنعدام المؤسسات الجماهيرية التي تنشر الوعي والمعرفة، لذلك فهو منهج مرسوم ومخطط تمهيداً لحرب قادمة، ولكن ليس مع الجنوب الذي سيذهب، وإنما مع الجنوب القادم…فإنفصال الجنوب الحالي سيخلفه جنوب جديد، جغرافياً وسياسياً..!

الوحدة على أسس جديدة: لا لمنع انفصال الجنوب وإنما لمنع تفتت السودان!

أعتقد أن الرغبة في الانفصال وبناء دولة مستقلة في جنوب الوطن يعكس حالة يأس من تواريخ الفشل الموروثة المتكررة، ومن الاحباطات التي صاحبت بناء الديمقراطية وتحقيق التنمية في السودان، ولكون الجنوبيون يتطلعون بشدة لبناء عالم بلا سجون وأقبية للتعذيب، عالم تحفظ فيه كرامتهم ويحتفى فيه بثقافتهم وتتحقق فيه أحلامهم، يعوضهم عما ذاقوه من مر التهميش منذ فجر الاستقلال، والذي وصل ذروته في سنوات الحرب الجهادية، خاصة وأن النخبة المتأسلمة في الخرطوم ترفض مشروع الدولة المدنية الديمقراطية. وأنا شخصياً أرى أن هذه الرغبة وهذا التطلع، يتمتعان بكل المشروعية والمعقولية ويجدان مني كل الاحترام. غير أنني، كنت، ولا زلت، أرى أن كل ذلك ممكنا ببناء دولة سودانية موحدة على أسس جديدة يكون فيها الفرد مواطن غض النظر عن لونه أو لسانه أو دينه أو مرجعيته الفكرية.

وفي الحقيقة، فإن مشروع وحدة السودان على اسس جديدة لا يخاطب فقط قضية الحرب الأهلية في الجنوب، كما أنه لن يصبح في ذمة التاريخ إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم للإنفصال. بالعكس، سيظل هذا المشروع دائما مطروحا، بل وسيكتسب يوميا أهمية قصوى وأبعاد جديدة، إذ على أساسه هو فقط يمكننا ضمان، أولا: بحث إمكانية إعادة توحيد الدولتين المنفصلتين عن بعضهما البعض بعد 9 يناير القادم إذا كانت نتيجة الاستفتاء هي الانفصال.

وثانيا: منع تفتت وتمزق ما سيتبقى من السودان الشمالي بعد الاستفتاء، في ظل غياب مشروع وطني لبناء دولة سودانية قومية ظللنا نبحث عنه منذ فجر الاستقلال، وفي ظل السياسات المتعسفة التي يدير بها المؤتمر الوطني أمور الشعب والبلاد، والتي تؤكد، إستمرار التوتر والصراع في الجنوب الجديد، في الشرق، في الشمال، والذي قد يصل مرحلة الحرب كما هو الحال اليوم في الغرب، بل وحتى في الخرطوم طالما التنمية محدودة الحركة والمال حكرا على عدد من الجيوب والحكم لا يحترم الاختلاف.

في المقال القادم سأناقش بتفصيل أكثر لمشروع الوحدة على أسس جديدة، وللبدائل الممكنة للتعايش التكاملي السلمي إذا وقع الانفصال.

الميدان


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1908

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#37763 [خالد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

10-22-2010 05:20 PM
شمس الدين دا مش الضابط الكتلوه وازوجوا مرته؟


#37589 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

10-22-2010 08:07 AM
يا اهل الانقاذ اغلطوا وادونا سلاح

لن تحارب الانقاذ لسبب بسيط وهو ان الصادقين فى حزب المتأسلمين قدموا قرابين فى المتحركات والميل 40 وصيف العبور ولم يتبقى الا الارزقيه وهم يعرفون جيدآ ان الشعب الفضل قد وصل لقناعه بفسادهم وظلمهم وعدم كفأتهم مما يستوجب ازاحتهم للحفاظ على ما تبقى من مقدرات الوطن

المتأسلمون الان يحتكرون القوة والسلاح ==وليس الجيش السودانى الذى افرغ من اهل الخبره والكفأة ونكاد نقول الوطنيه وهمش و حل محله امن النظام بكل تسمياته وغزوة خليل لأمدرمان شاهد== والانقاذيين يعلمون تمام العلم انهم الان يحكمون بقوة المال والسلاح وعند تغير موازين القوه وتوفر السلاح بايدى الشعب الفضل فالبنادق تتجه الى من افسدوا وظلموا وعندها الحشاش يملأ شبكته

الخرطوم التى عانت من الانقاذيين == غزوات ابراهيم شمس الدين الليليه والنكته المشهوره ابراهيم شخص الدين شمسيآ لا زالت تتردد == تغلى وارى تحت الرماد وميض نار


د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة