المقالات
السياسة
من الذى تمرَّدَ على ثورةِ 1924م ؟ معاً نحو إصلاح مفاهِيمِى(4)
من الذى تمرَّدَ على ثورةِ 1924م ؟ معاً نحو إصلاح مفاهِيمِى(4)
01-05-2016 12:49 PM


أسَّسَ ضُبَّاط أحرار من أبناءِ السودان القديم، بقيادة البطل/ على عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين جمعية اللواء الأبيض 1923م التى قادَت ثورة 1924م التى تُعرف أيضاً بـ"حركةِ اللواءِ الأبيض". رَدَّ أهلُ المركز على ثورةِ 1924م بعَمَالتِهِم وإرتزاقهم (الجِيِّنِى) التأريخى المَعهُود، فقدَّمُوا لسلطاتِ الإحتلال الإنجليزى"عريضة" ممْهُورة بأسماءِ كبار زُعمَاءِهم مع بيانِ مواقِعِهم السياسية والدينية والإجتماعية، يؤيِّدُون فيها سلطات الإحتلال الإنجليزى، ويرفضون ثورة 1924م ويقاوِمُونَها!. وسوف نبعثُ للنشرِ كشف بأسماءِ الموقِعيِّن على هذه العريضة، وهى وثيقة قد لا يعرَفها الأجيال الجديدة رُغم أنَّها من أرشيفِ حكومة السودان، (ملف رقم 705) وموجُودة ومُتاحَة فى دارِ الوثائقِ القومية.
هذا، ويتقدَّم كشف الموقعين على "العريضةِ" المؤيدة لسلطاتِ الإحتلالِ ضدّ ثورة 1924م، السيد/ عبد الرحمن المهدى (زعيم دينى)، والسيد/ إسماعيل الأزهرى الكبير (مفتش محاكم)، ورائد تعليم البنات السيد/ بابكر بدرى (مفتش بوزارةِ المعارف)، ومولانا/ أبوالقاسم أحمد هاشم (رئيس مجلس العلماء). الكشف طويل وقّعَ عليه (28) قائد مجتمع وزعيم دينى وشيخ قبيلة من العيارِ الثقيل، بحُسبانِهم ذَرّوةِ سِنام أهل المركز، و مَرَدَةِ عُملاءِ الإنجليز وحُلفاءِهم للأبد.
أوردَتْ صحيفة "التايمز" فى يوم 29 يوليو 1919م نبأ زيارة وفدِ الزُعماء السودانيين (وهم فى ملابسهم التقليديَّة) لقصرِ بكنغهام فى اليوم السابق، حيث قدَّمُوا للملكِ (جورج الخامس) خطاب تهنئة و وَلاء بمناسبة انتهاء الحرب بنصرٍ مُبين. وكان يرافقُ الوفد السوداني (الذى ترأسه السيد السير/ على الميرغني) كُلٍّ من اللواء السير ريجيلاند وِنجت والمُشير لورد قرينفيل والسير ايدقارد بيرنارد. وإستقْبلَ الوفدُ فى القصرِ أولاً لورد كرومر الذى أخذّهُم لمقابلةِ الملكِ والملِكة. وألقى رئيس وفد الزعماء السودانيين كلمة باللغة العربية توَلَّى ترجمتِها للإنجليزية السير وِنجت. وختم السير/ على الميرغنى رئيس الوفد خطابه بالعبارة التالية: (وأخيراً نُقدِّمُ، وبكُلِّ تواضُع، لعرشِ جلالتِكُم كامِلَ وَلائِنَا وخُضوعِنا.)
أمّا السيد/ عبد الرحمن المهدى فقد ذهبَ فى هذه الزيارة مُستسْلِمَاً، خافِضاً رأسَهُ لملكِ بريطانيا العُظمَى، حامِلاً معه فى تذلّلٍ وانكِسار سيفَ جِدِّه الإمام المهدى ليُقدِّمَهُ هدِيَّة لجلالةِ ملك بريطانيا، تعبيراً عن توْبَتِه، وإعتذاراً عمّا فعلَ أسلافهُ وإستسلامَاً. وجاء خطابه أمام "جورج الخامس" ملك بريطانيا كالآتى: (يا جلالةَ المَلِك، أنتهِزُ هذه السانِحة الكريمة لأضعَ فى يَدىِّ جلالتِكُم هذا السَيْف التاريخي، "سيفُ النصر"، الذى كانَ عِندَ وآلدِى، كعربونٍ حقيقى للوَلاءِ والخُضُوع لمَقامِ عرشِكُم السَامِى. وأعدّ نقل هذا السيف لجلالتِكُم دليلاً قاطِعاً ومُطلقَا لرَغْبتِى فى أنْ تعتبِرُونِى أنا وأتباعِى فى السودان خُدَّامَاً مُطِيِعين لكم. لقد أظهَرْتُ، ولسنواتٍ بعد إعادة إحتلالِ السودان، لرِجالِكم العاملين فى السودان وبطُرِقٍ مُختلفة خدماتى وكامِل وَلَائِى. وهنالك الكثير من أفرادِ شعبى الذين ينتظِرُونَ عودَتِى عقبَ مُقابلتِى لجلالَتِكُم ظافِراً بكريمِ عَطْفِكم، ويتمّنُونَ أنْ يكونُوا من ضمنِ رَعايَاكُم المُخْلِصِين. وأنا الآنَ أعرِضُ على جلالَتِكم خدَمَاتِى المُخلِصَةُ والمُتواضِعَة.
وقام الملك جورج الخامس بالرَدِّ عليه كما يلى:
(أقبلُ منكَ هذا السيف، وأقدِّرُ لكم رُوحَ الإخلاص والوَلاء لنا، والتى دفعتكُم لتقديم هذه الهَدِيَّة. وسأعُيدُ هذا السيف لك ولِوَرَثتِكَ لتحتفِظُوا به، وتستخدموه نيابة عنِّى فى حمايةِ عرشِى وإمبراطوريَّتِى، وكدليلٍ على قبولِى بخُضوعِكُم وإخلاصِكُم و وَلَائِكُم، أنتُم وأتبَاعِكم، لنا.)!!
هؤلاء وأبناءهم وأحفادهم من ظلّوا يحكمون السودان تحت التاج البريطانى/ المصرى/ التركى منذ الأزل وإلى الأبد، بنفس الخضوع والإستسلام والعمالة، إن لم يتم قهرهم ورَميِهِم إلى حيث يستحِقّون.
وأقولُ بثِقة أنَّ تعهُدَاتَ السيِّدين لملكِ بريطانيا جورج الخامس لدى زيارتِهما له فى قصرِ بكنغهام فى يوليو 1919م بالخدمةِ بإخلاص، وتقديمِ الخدماتِ بولاء همّ وأتباعِهم هى تعهدات باقية ومستمرَّة. وتلك التعهُدَات تُفسِّر تمرّد أهل المركز على ثورةِ حركة اللواء الأبيض بقيادةِ البطل على عبد اللطيف وصحْبِة فى 1924م، والذى جاء تنفيذاً لتلك التعهدات العريضة التى قدَّمَها السيدان واتباعِهُما لبريطانيا رفضاً ومقاومة لثورة 1924م وتأييداً لسلطاتِ الإحتلال الإنجليزى. وتقع العريضة خيانة عُظمَّى وتمرَّداً على الشعبِ السودانى وآماله وتطلعَاتِه فى الانعتاقِ من عَمَالةِ المركز ومرَدَتِه من زُعمَاءِ الطائفتين واتباعِهم وبقية العقائديِّن، وزُعمَاءِ العشائِر.
كتب د. صابر عابدين أحمد مقالاً مُهمِّاً ومفصَّلاً بإتباعِ منهجِ بحث عِلمى سليم بعنوان (البطل على عبد اللطيف و1924.. دلالات الرمز والثورة) نشرته جريدة "الصحافة" والمواقع الإلكترونية بتاريخ 24 نوفمبر 2012م. سوف أعتمد فحوى المقال فى إيرادِ الحالة النفسية التى إعتَرَتْ مَرَدَة أهل المركز ودفَعَتهم دفعاً لمقاومةِ ورفضِ ثورةِ 1924م وتأيِّيد سلطات الإحتلال وإصدار هذه العرِيضة التى تشكِّل جريمة "الخيانة العُظمَى" فى أوضحِ صُورِها وتجلّياتِها.
يقول دكتور صابر فى مقالِه: (لقد كان الحُكَّامُ الإنجليز على درجةٍ عاليةٍ من الدهاءِ والمُكر واستخدموا سياسة (فرِّق تسُد) ووظَفُوها خير توظيف، وذلك بعد أن ألمّوا إلمَامَاً دقيقاً بمكنوناتِ الذاتِ السودانية وما تعرَّضت له خلال قرون منذ فقدانِهم لسيادتِهم وإرثِهم الحضارى، وعَلِمُوا بأسرارِ تكويناتها وتركيباتها الاجتماعية والثقافية والاثنية والفئوية، ولذا فإنَّهم تحالفوا مع الزعماء القبليين والقادة الدينيين، والذين تركوا برامجهم ليتبنوا مشروع الدولة الوطنية ذات السيادة والتي من حقها تقرير مصيرها وإعلان استقلالها، والقادة والزعماء حينما يفعلون ذلك، ليس حُبَّاً فى مبادئ المشروع الوطني ولا حُبَّاً فى عيونِ الإنجليز أو غيرهم، إنما يفعلون ذلك بـ "براجماتية" مشهودة، لأن هذا هو الطريق المُعبَّد الوحيد للوصول للسلطة، وإبعاد كل قوى حديثة ناشئة بعيداً عن عباءَتِهم، وإبعاد وإقصاء كل المجموعات والعناصر الدُنيا فى السلّمِ الاجتماعى، وبل ما يسمّونها الفئات المُنبتَّة قَبلِيَّاً.
وكان على رأس هذه المجموعات حركة على عبد اللطيف وثوار 1924م، وبهذا نجح السادة الحُكَّام فى قطع الطريق أمام هذه القوى الاجتماعية الحديثة حتى لا تقود حركة الجماهير الشعبية، وتشعل الثورة ضد نظام الحُكم الدخيل، وتهنأ بمقاعد السلطة، وبذا يضمنون استمرار الانقسام والشرخ فى بنيَّةِ المجتمع السوداني مستقبلاً وفق هذه التاكتيكات والتحالفات مع القوى التقليدية والطائفية، ولذا استطاع المُستعْمِر ضرب ثورة 1924م و وَأدِ تحرّكها فى مَهْدِه، تلك الحركة الوليدة التى كانت تتلمّس طريقها لقيام وتأسيس دولة سودانية حُرَّة مستقلة مدنية ديمقراطية. الأمر الذى لو تمّ لكان قد اختصر الطريق للأجيال القادمة، و وفّرَ كثيراً من الجهد والوقت، ونحن هنا ليس فى مقامِ النحيب والعزاء أو سكب مزيد من الدموع، صحيح أننا نتعاطف مع هذه الثورة التى فجرها هؤلاء الأبطال، ولكن علينا أن نتفحص وننظر بعُمق فى ما نادت به هذه الطليعة المُتقدِّمة من أفكار و رُؤى وطنية. كما ندعو لإعادة الاعتبار لرمُوزِها وتكريم قادتها التكريم الذى يستحقّون عسى أن نزيلَ بعضاً من الغبن والقهر الذى ألَمَّ بهم. وفعلاً لو كانت هذه الحركة قد بلغت مراميها وحققت أهدافها السامية، لكنا قد أسسنا لخلق أمَّة سودانية حُرَّة عزيزة مُكرَّمة مُستقلّة عن النفوذ الاستعمارى بكلِّ أشكاله، وعن الهيمنة الطائفية والعشائرية.) إنتهى.
ظهرت للوجود حركة جمعية اللواء الأبيض التى من ضمن مؤسسيها البطل عبيد حاج الأمين الذى كَوَّنَ مع زميله البطل علي عبد اللطيف جمعية اللواء الأبيض التي قادت فيما بعد ثورة 1924م التى سُمِّيَت باسمِها (حركة اللواء الأبيض). والمُلفِت للنظر أن بعض ابناء المركز الناشطين سياسياً لم ينضمّوا لجمعية اللواء الأبيض، مثل التاجر الثرى سليمان كشة، وعبد الله بك خليك المثقف الذى أصبح رئيساً للوزراءِ فيما بعد.
تكوَّنت جمعية اللواء الأبيض عام 1923م، و أوْردَ دكتور/ فرنسيس دينق فى كتابهِ (صِراع الرُؤى) أنّه وقبل ذلك فى العام 1922م كتب على عبد اللطيف مقالة بعنوان (مطالب الأمَّة السودانية) وبعث بها لتنشر فى جريدة (حضارة السودان)،عَبَّرَ فيها عن عدد من المظالم ضد الحُكم البريطانى الاستعمارى ونادَى فيها بتقريرِ المصير. وبالرُغمِ من أنَّ المقالةَ لم تُنشر أبدَاً إلّا أنه تمَّت مُحاكمة على عبد اللطيف بموجِبها وأدِين، وحُكِمَ عليه بالسجن لمُدّةِ عام. وعندما أطلِقَ سراحَهُ كان قد أصبح شخصية وطنِيَّة مرمُوقة. ولقد شكَّل ذلك الحدث مُنعطَفاً فى تطورِ القومِيَّةِ السودانية، إذ بدَأ الاعتراف الواسع بعلىِ عبد اللطيف وتأييده، مِثالاً للقائدِ الوطنى العِلمَانى الحديث. ومتزامِناً مع هذه النشاطات فى السودان، اشتدَّ أوَّارُ المقاومة الوطنية فى مصر تحت قيادة الزعيم سعد زغلول، وفى السودان زادت مشاعر البغض ضد الإنجليز، وتأثرت الأوضاع بما يحدث فى مصر، وبالأخص من وضعِ الأحزاب والتيارات الفكرية هناك، ولذا نجد أن التيارات الوطنية فى السودان قد انقسمت إلى تيارين، فهناك تيَّار يساند الحركة الوطنية فى مصر ضد بريطانيا، ويسعى لقيام اتحاد بين شطرى وآدى النيل لإكمال الاستقلال عن بريطانيا، وهذا تقوده مجموعة من المثقفين والخريجين، وهناك تيار آخر يدعو لاستقلال الدولة السودانية بعيداً عن أية وُحدَة مع أية دولة، وهذا التيار تقوده مجموعة الزعماء القبليون والقادة الدينيون. (مقتبس من مقال د. صابر).
ولن أجدَ أسهل و أوضحَ من مقالِ دكتور صابر لتوضيح مسألة تَمرّد وعَمَالة أهل المركز وظلمِهم لأبناء الهامش، وتمكّنُوا بذلك التمَرّد وتلك العمَالة من تقويضِ مشروع الدولة الوطنية الحُرَّة الديمقراطية تماماً، وهزمُوا كل النضالات الوطنية الصادقة التى قادَها أبناء هوامش السودان لبناءِ دولة المواطنة المتساوية، ودونَكم هذا الإقتباس من مقالهِ المُشار إليه أعلاه: (لقد كان لشخصية على عبد اللطيف القَدْح المُعلَّى فى قيادةِ وتحريك القوى الاجتماعية بالسودان، وما حدث من رَدَّة فعل من القوى التقليدية. وبحُكِم تركيبته الاثنية (أم دينكاوية وأب نوباوى) أو العكس، وبإحساسه الفِطرى بانتمائهِ لهذا الوطن، وما يراه من عسفٍ لأبناء جِلدَته، كانت سبباً قوياً لهذا التأييد الشعبى الذى وجده من المجموعات الحضرية فى أم درمان والخرطوم بحرى والخرطوم. وبما أنه كان من القوى المُتعلمة وينتمى بحُكمِ تخرّجه إلى تجمٌّعاتِ الصفوة وطبقة الأفندية بالعاصمة، وبالتالى صار جسرَاً بين هذه المجموعات (دينكا ونوبة)، ومجتمعات الصفوة المخمَلِيَّة والقوى الاجتماعية الحديثة، متفوِّقاً على رفيقِ دربِه عبيد حاج الأمين فى هذه الصِفة.
وكان على عبد اللطيف رائداً لحركةِ الاتحاد، ليس مع مصر أو وُحْدَة وآدِى النيل الشعار المعروف فقط، وإنما يدعو أولاً لاتحادٍ بين السودانيين أنفسهم. وكما تقول د. يوشيكو كورينا فى كتابِها (على عبد اللطيف وثورة 1924م ترجمة مجدى النعيم)، فإنَّ دور على عبد اللطيف كان حاسِمَاً فى إبرازِ الطبيعة التقدُمِيَّة للحركة. فقد كان ضابِطاً فى الجيش وانتمى فى الوقت نفسه إلى مجموعة اجتماعية درجَ البريطانيون على تسميتِها بالزُنوج المُنبتِّين قبلِيَّاً (de-tribalized people) لذا فقد كان طبيعياً أن يصرَّ على أنَّ الأمَّة السودانية يجب أن تمثلها قوى اجتماعية حديثة مثل (الأفندية) طالما كان الزعماء القبليون (العرب) والقادة الدينيون (المسلمون) لا يستطيعون تمثيل مناطق مثل جبال النوبة والجنوب، ولا الناس الذين ينحدرون من هذه المناطق ويعيشون في الشمال، باعتبار أن هؤلاء "المُنبتِّين" كانوا رقيقاً سابقاً، ووصلوا الشمال كأرِقَّاء، ولكن كيف جاز للبريطانيين هذه التسمية ؟ وهم الذين ينادُون بدولة أساسها حقوق المواطنة، وألَّا يكون التعامل حسب الألوان والأعراق ؟ ونقلوا هذا المفهوم لأتباعِهم من مجموعةِ القادة والزُعماء!!.
كما أنَّ على عبد اللطيف يُصرّ على ألا يكون هناك تمييز بين السودانيين على أساسِ الانتماء القبلى أو الدينى، ولهذا قد وَبَّخَ على عبد اللطيف سليمان كشة عندما قال فى إحتفالِ المولد: (أيها الشعب العربى الكريم) فقال له على عبد اللطيف أنه ينبغِى أن يقول: (أيها الشعب السودانى الكريم). ومن هُنا تتجلّى أفكاره القائمة على "السودانوِيَّة" والهُوِيَّة الوطنية.
إذاً، ما هى أسباب الاختلاف بين الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض؟ وأسباب الاختلاف بين الأفندية أنفسهم مثل على عبد اللطيف وسليمان كشة؟ تُرجِع د. يوشيكو الخلاف فى ثورةِ 1924م إلى عامِلى الطبقة والعُنصر. وتقول إنَّ الراحل محمد عمر بشير عبَّرَ عن اعتقاده بأنَّ المسألة الاثنية لم تكن ذات أهمية فى تلك المرحلة، وتقول إنَّ الراحل خالد الكِد كان على خِلاف ذلك باعتبارِ أنَّ المسألة الاثنية كانت قضية مركزية من 1924م، وعندما ربطت بين العنصر والطبقة.. ذكرت أنَّ الكِد انتقدها لوضع العامل الاقتصادي فقط، كما أوردت فى ذاتِ السِياق رَأياً للراحلِ الأب فيليب عباس غبّوش بأنَّ ثورة 1924م (كانت فى الأساس ثورة قادتها العناصر السَوْدَاءْ فى المجتمعِ السودانى). وتعزو بوشيكو أسباب فشل الثورة إلى أنَّ قادتَها هم من البرجوازيِّة الصغيرة. ولكنها تعترف بأنَّها كانت ثورة شعبية شارك فيها الخيَّاطون والنجَّارُون وأولاد الشوارع.
وبالرُغمِ من أنَّ على عبد اللطيف كان يركِّز على أنَّه سودانِى وَحْدَوِى، ولم يرجع البَتَّة إلى مرجعيته الاثنية، ولكنه كان مشهوداً له الوقوف ضد مجموعة الزعماء القبليين والقادة الدينيين، باعتبارِ أنَّهم سبب أزمة الأمَّة السودانية.
ومعرُوفٌ أنَّ ولاءَ على الميرغنى كان لمصر، ووَلاء المهدى والاستقلاليين كان لبريطانيا. وإذا علِمْنَا أنَّ حركةَ الأشقّاء كانت مُحصَّلة لجمعيةِ أبو رَوف الثقافية، والحركة الاستقلالية كانت محصلة لمدرسةِ الهاشْمَاب الثقافية، ومعروف رؤية هاتيِّن الجهتين من أمرِ المجموعات المُهمَّشة أو الأصيلة الانتماء كالدينكا والنوبة.
وبالتالى فإنَّ هذا الرأى كان رأى مجموعة الزعماء القبليين والدينيين، وصحيفتهم (الحضَارة) كانت ضد جمعية اللواء الأبيض، ومجامِيعِ المُثقَّفين والخريجين الذين كانوا يعارضُونَ دورَاً تلعبه هذه القيادات، وإذا أخذنا "سليمان كشة التاجر الغني" المؤيد للاتحاد مع مصر وضد هذه القيادات والزعماء القبليِّوُن والقادة المدنيون، فلماذا اختلف مع على عبد اللطيف ولم ينضمَّ لحركةِ اللواءِ الأبيض؟)
وأجِيبُ على سؤال دكتور صابر بأنَّ السؤال يجب أنْ يكونَ: "على ماذا اختلفَا" ؟ والإجابة هى: انظر الكشف المُرفق بأسماءِ مُقدِّمى عرِيضة "الخيانة العظمى" المؤيدة لسلطات الإحتلال ضد ثورة 1924م.
شكراً دكتور صابر عابدين على هذا التنوير المُهم بأزمةِ الحُكم والمُجتمع فى الدولة السودانية الحديثة منذ الميلاد.
واخْتِمُ بسؤال: كيف تكونُ ردّة فعل أهل المركز وتنظيماتهم السياسية ومؤسساتهم الإعلامية لو أنَّ حركة مقاومة مسلّحة أو تنظيم سياسى من هوامشِ السودان تبنَّى فى دستوره أو برنامجه السياسى هدفاً أساسياً وإستراتيجياً يتمثل فى الوُحدةِ مع دولة جارةَ ؟ قُلْ تشاد أو يوغندا أو كينيا أو ليبيا أو أفريقيا الوسطى، ماذا ستكونُ رَدَّة فعل أحزاب المركز وإعلامهم فى الخرطوم؟ سيقولون: ( زول دا مجنون شيلوه لمستشفى) كما قال الراحل د. جون قرنق فى إحدى مخاطباته التنويرية الرائِعة. لكن أحزاب المركز لن يتركوا التمرّد والتبعية والعمالة للاجنبى والإستقواء به ضد أهل السودان من خارجِ المركز.
نواصل فى جزءٍ آخر، كيف كانت رَدَّة فعل أهل الهامش على خيانة أهل المركز لثورة 1924م؟.
(إلى جزءٍ خامس نتناول، رَدّة فِعل الهامش على خيانةِ ثورة 1924م)


[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 1 | زيارات 3308

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1397363 [مهدي إسماعيل مهدي]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2016 03:28 PM
تاريخنا يحتاج إلى إعادة كتابة بطريقة موضوعية، وبدون تحيز.

[مهدي إسماعيل مهدي]

#1397271 [الأزهري]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2016 05:18 AM
((تيَّار يساند الحركة الوطنية فى مصر ضد بريطانيا، ويسعى لقيام اتحاد بين شطرى وآدى النيل لإكمال الاستقلال عن بريطانيا، وهذا تقوده مجموعة من المثقفين والخريجين، وهناك تيار آخر يدعو لاستقلال الدولة السودانية بعيداً عن أية وُحدَة مع أية دولة، وهذا التيار تقوده مجموعة الزعماء القبليون والقادة الدينيون. (مقتبس من مقال د. صابر).))
مع احترامنا لدكتور صابر إلا أن توصيفه التبريري لمجموعتي الحركة الوطنية في موضوع الاستقلال نفهم منه أن بعضهم أراد الاستقلال من بريطانيا (بالاتحاد) مع مصر!! وكأن مصر لم تكن شريكاً في الاستعمار! وها ديل كانوا هم الخريجين! وهناك يريدون الاستقلال الكامل وتقوده مجموعة الزعماء القبليين (الإدارة الأهلية) والقادة الدينيون (الأنصار) الذين كانوا يريدون الاستقلال من مصر والدخول في حماية ملكهم للسودان بالانضمام الطوعي للتاج البريطاني كاستراليا ونيوزيلندة وكندا وجنوب أفريقيا لاحقاً. وهذا الوضع أظنه هو الذي أعطى المبرر والدافع القوي لموقف ابراهيم بدري ومجموعته من الادارة الأهلية حيث لم يشذ موقفهم عموما من تفكير جماع الحركة الوطنية والتي لم يكن كلا طرفيها يريد الاستقلال التام للسودان من البريطانيين والمصريين كما يفهم من كلام د. صابر المقتبس أعلاه. فكان موقف ابراهيم بدري أقوى من مواقف الطائفتين حيث أنه لم يكن يرمي إلى الاتحاد مع مصر ولا الإنضمام للتاج البريطاني مع أنه أراد تأخير الاستقلال فقط لعمل البروفات لتطبيق الجمهورية الاشتراكية وإعدادها لنظام الحكم بعد خروج الانجليز وبطبيعة الحال مثل هذا النظام هو الذي سيقرر مستقبل العلاقة مع مصر وبريطانيا إن أراد قبل نيل الاستقلال أو لاحقاً بعده عندما يتسلم مقاليد الحكم بشكل ديموقراطي.
وعليه نرجو من الجميع إعادة قراءة التاريخ الحديث للسودان بطريقة علمية وبعيدة عن التعصب الطائفي.

[الأزهري]

#1396099 [قاضي]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2016 07:33 PM
ياخي خليك أمين ، السيد علي الميرغني لم يكن من بين الموقعين علي العريضة التي ضمت جميع أعيان السودان آنئذ ،لماذا تحول ان تحشره حشرا فيها ، مارس

الشتم وسقط القول دون الافتءات علي التا ريخ

[قاضي]

#1396066 [ظفار]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2016 05:32 PM
أمّا السيد/ عبد الرحمن المهدى فقد ذهبَ فى هذه الزيارة مُستسْلِمَاً، خافِضاً رأسَهُ لملكِ بريطانيا العُظمَى، حامِلاً معه فى تذلّلٍ وانكِسار سيفَ جِدِّه الإمام المهدى ليُقدِّمَهُ هدِيَّة لجلالةِ ملك بريطانيا، تعبيراً عن توْبَتِه، وإعتذاراً عمّا فعلَ أسلافهُ وإستسلامَاً. وجاء خطابه أمام "جورج الخامس" ملك بريطانيا كالآتى: (يا جلالةَ المَلِك، أنتهِزُ هذه السانِحة الكريمة لأضعَ فى يَدىِّ جلالتِكُم هذا السَيْف التاريخي، "سيفُ النصر"، الذى كانَ عِندَ وآلدِى، كعربونٍ حقيقى للوَلاءِ والخُضُوع لمَقامِ عرشِكُم السَامِى. وأعدّ نقل هذا السيف لجلالتِكُم دليلاً قاطِعاً ومُطلقَا لرَغْبتِى فى أنْ تعتبِرُونِى أنا وأتباعِى فى السودان خُدَّامَاً مُطِيِعين لكم. لقد أظهَرْتُ، ولسنواتٍ بعد إعادة إحتلالِ السودان، لرِجالِكم العاملين فى السودان وبطُرِقٍ مُختلفة خدماتى وكامِل وَلَائِى. وهنالك الكثير من أفرادِ شعبى الذين ينتظِرُونَ عودَتِى عقبَ مُقابلتِى لجلالَتِكُم ظافِراً بكريمِ عَطْفِكم، ويتمّنُونَ أنْ يكونُوا من ضمنِ رَعايَاكُم المُخْلِصِين. وأنا الآنَ أعرِضُ على جلالَتِكم خدَمَاتِى المُخلِصَةُ والمُتواضِعَة.
السيد عبدالرحمن سليل السلاطين والدته السيدة مقبولة بنت سلطان الفور وابن الامام المهدى لن ينكسر ولن يتزلل ولن يستسلم ولن يخفض رأسه ولن يعلن توبته لاحد جده لامه قتل مع نفر عزيز من اسرته لاجل الوطن وكذلك أعمامه واخوته مضوا فى نفس الطريق
الكاتب المحترم أرجو ان يتحرى الصدق وأن يبتعد عن مخطوطات ووثائق التزوير ثم ماذا تقصد من الاساءة لتاريخنا ورموزنا فتذكر يا أخى الصحفى محمد طه محمد احمد لم يكتب بهذه الشناعة فدفع بحياته لخطأارتكبه وانت تسير فى نفس الهاوية

[ظفار]

ردود على ظفار
[السماك] 01-07-2016 01:40 PM
الأخ ظفار .. مع تلك الصفات التي أغدقتها على السيد عبدالرحمن .. فقد فعل ما جاء بالمقال! .. والأوصاف التي جاءت في تعليقك لا تنفي أنه فعل ما جاء بمقال الكاتب عنه!!

أما أنكارك لحقائق وردت في وثائق محفوظة في دار الوثائق السودانية فيثير أشد الإستغراب كون لا أحد سبق أن شكك فيها .. حتى أبناء السيد عبدالرحمن وأحفاده أنفسهم لم نسمع أنهم شككوا في صحتها..

سبحان الله .. هذه هي العبودية الطوعية نفسها التي كتب عنها الأستاذ شوقي بدري قبل أيام بجريدة الراكوبة الغراء !!

European Union [جنوبي] 01-06-2016 01:40 PM
الحقائق دائما موجعه اليس كذلك؟


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة