المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية

12-02-2012 12:03 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام يا.. وطن

حيدر أحمد خير الله

المدارس الخاصة.. السم الزُعاف (1-3)

سلمى طفلة ذكية، متوثبة.. تحلم بأن تحافظ على تفوقها حتى تصبح دكتورة.. ثابرت نحو هدفها.. رأى أبوها البسيط والذي يعمل ليلاً ونهاراً من كد يده.. ولما عرف بتفوق إبنته وضعف أداء المدرسة الحكومية التي يتكدس فيها الأطفال في الفصل الواحد أكثر من مائة تلميذة نصحوه أن يدبر أمره ويحوِّل إبنته النابغة إلى السرطان الذي إستشرى في مجتمعنا تحت مسمى (المدارس الخاصة) حيث البيئة الدراسية الأفضل نسبياً لأنها مدفوعة القيمة والمعلم الأفضل نسبياً لأنه مدفوع القيمة.. والقيمة التربوية الأقل لأنها محكومة بفكرة القيمة.. فعندما يتحدث المال تصمت أشياء كثيرة أهمها القيم.. قاتل والد سلمى وإقتطع من أفواه أشقائها ليحوِّلها للمدرسة الخاصة.. وقد كان.. أمضت عامها الأول والثاني وهي تواصل تفوقها.. والوالد يواصل إحتراقه في إنتظار أن تحقق الطفلة حلمها/ حلمهم.. وفي العام الثالث.. ضاقت الحياة بفعل سياسات الأستاذ على محمود وزير المالية ووالد سلمى يعجز عن أن يوفر ترحيل سلمى فتركت الترحيل أو لدى الدقة تركها الترحيل وأصرت على أن تواصل مشوارها سيراً على قدميها.. وبدأ مدير المدرسة الخاصة بشعره الأشيب واللحية الكثة البيضاء تتخللها شعيرات سوداء.. وعلامة غريبة على جبهته.. ووجه ينبئ بالشره.. عندما يتحدث يخرج من لسانه ذرات من البصاق.. ومن خلف نظارته السميكة والتي تخفي عيني الصقر.. نادى سلمى.. إرتعشت الطفلة.. ففظاظة الشكل.. وفظاظة الطبع إجتمعا في هذا الأكرش جاءته واجفة وهو يصيح (هو إنتو لو ما قادرين تدفعوا.. جايين مالكم؟! نحنا ما عندنا جمعية خيرية قولي لي أبوكِ يدفع بكرة أو ما تجي تاني يلا أمشي حصتك).. إنسحبت إنسحاباً منكسراً وهي تتذكر أن والدها قد باع ماكينة اللحام التي كان يعمل بها ودفع لها القسط الأول وأمها أصبحت متنازعة بين جاراتها التي إستلفت منهن ولم تستطع السداد حتى إن ستونة بت الحاج سحبت سريرين من البيت نظير المبلغ الذي إستلفته أمها.. وعندما خرجت الصباح إضطرت أمها أن تعجن لها بقية خبز جاف وتضيف عليه شيئاً من السكر ليكون فطور سلمى حتى يفرجها الله عند عودتها.. مرَّ الشريط في ذهن الطفلة بكل تحدياته.. إنتبهت على صوت المدير يصرخ فيها: (يابت إنتي واقفة مالك ياخي أقول ليك يلا مع السلامة القروش أو ما تجي؟!) كانت زميلاتها يتابعن المنظر الفظيع ويتضاحكن.. أقبلت عليها إحدى معلمات الزمن النبيل ممن لازالت مهنة التدريس عندهم صناعة حضارة وليست تجارة.. ربتت على رأسها.. وهي تستدعي المستقبل.. معليش يا سلمى.. تحملي المدير.. هو طيب لكن دي طريقته.. بكت سلمى وجرت خرجت من المدرسة. ضمها الشارع العريض.. مشت على غير هدى.. وهي مستغرقة في أشجانها إتخذت قرارها.. لن تعود إلى المدرسة.. الدراسة في هذا البلد ليست للفقراء.. من لا يملكون عليهم أن يموتوا وهم لا يملكون.. مدت خطاها.. أرادت أن تتجاوز الشارع.. أتت العربة مسرعة.. داستها الإطارات لم يميز أحد ما بين التي كانت الطفلة والإسفلت المعجون بدم سلمى.. خرج المدير المتكرش هرول نحو المتزاحمين مستفسراً عن الأمر علم أنها سلمى أرادت أن تقطع الفقر بالعلم.. فقطعها المربي المستثمر بسبب الرسوم.. خرجت لتقطع الشارع إلى الجهة الأخرى.. فقطع الحادث مسيرتها إلى العالم الآخر.. فمضت لرحاب أبٍ أرحم.. قفل المدير راجعاً لمدرسته سبقته كرشه.. سألوه ماذا يجري؟! قال بدمٍ بارد سلمى ضربتها عربية وماتت.. رحمة الله عليها.. نادوا موظف الحسابات.. كم قسط باقي لسلمى.. أجابه: متبقي القسط الأخير.. قال: خلاص سلمى ماتت.. في كم بنت ما دفعت؟! هذه الحكاية من الواقع.. صورة قلمية نُهديها للدكتور المعتصم عبد الرحيم الحسن وزير التريبة والمربي في الأصل.. ونواصل مع مسلسل المدارس الخاصة أو السم الزعاف..
وسلام يا.. وطن
سلام يا..
صديقتي كانت تنظر للحياة بمنظارٍ يتلاقح فيه الترقب والإنتظار.. تستشرف العوالم بنظرة خبير.. تبحث عن ذاتها.. فلما فشلت في أن تجدها.. حولت كل حاجات الذات إلى رؤية السعادة في الآخرين.. فمضت مسيرتها.. متفانية.. مخلصة.. وصادقة.. إكتشفت فجأة أن الزمن كذوب.. وأنها ستغادر بحثاً عن نفسها.. وتخشى بعد أن تسافر أن تكتشف أن ما ذهبت للبحث عنه قد تركته خلفها..
وسلام يا..


حيدر أحمد خير الله
جريدة الجريدة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 945

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#526396 [NASRELDEEN ALI]
0.00/5 (0 صوت)

12-02-2012 03:53 PM
للأسف فى غفلة من غفلات حكامنا الغافلين غافلنا بعض الغافلين وتسنموا صهوة الدولة
فعاثوا فيها فسادا وعاسوا مقدراتها عواسة
فضاع الجميع
وان استمروا اكثر فلن نجد شيئا مطلقا


#525967 [خضر عمر ابراهيم - بريطانيا]
0.00/5 (0 صوت)

12-02-2012 06:43 AM
كفيت ووفيت يا أبو احمد والي الإمام
ايديهم من التقيل. وصدقت نبوة الأستاذ عليه رحمة الله ورضوانه في الجميع


حيدر أحمد خير الله
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة