المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
التصحر.. والبكاء على أطلال الشمالية (2ــ2)
التصحر.. والبكاء على أطلال الشمالية (2ــ2)
12-06-2012 12:04 PM


التصحر.. والبكاء على أطلال الشمالية (2ــ2)

بروفيسور مختار أحمد مصطفى

وهذه أسباب علمية بحتة ولا يمكن مناقشتها بكلام مرسل. وقبل قمة الارض كان هنالك تسعون تعريفاً، اختلفت باختلاف تخصصات العلماء، ولكن حسم الأمر في قمة الأرض بوضع تعريف محدد كما ذكر سيد/ أحمد في مقاله الأول. وبالطبع هذا التعريف ليس مقدساً، وقد يغّير في المستقبل. ولكن هنالك آلية محددة لتغير التعريف محلياً وآلية أخرى مختلفة لتغيره عالمياً ولا مجال للخوض فيهما. أما في مقاله الأخير ترك سيد/ أحمد الحجج العلمية التي أوردتها ولم يتعرض لها بالتفنيد، وتوقف عند الجملة الآتية: «إن تعريف الأمم المتحدة متكامل، فقد تضمن كل ما استنبطه سيد/ أحمد وما لم يستطع استنباطه من القرآن». ولكن للأسف لم يفهم ما أرمي له بهذه الجملة. فهذه الجملة تعني بكل بساطة أن تعريف الأمم المتحدة تضمن ما استنبطه سيد/ أحمد من الآيات التي أوردها في مقاله وما عجز هو عن استنباطه من القرآن الكريم ليكمل التعريف. يا سيد/ أحمد تعريفك للتصحر اتيت به أنت من عندك، وهو كلامك أنت وليس كلام الله عزَّ وجلَّ، وهو ناقص وقاصر علمياً، والتقصير والتسرع والغفلة من شيمة وطبع الإنسان، وهو وضعي «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً». فلا تتهم الناس جزافاً ومن غير علم، حسبنا الله ونعم الوكيل «هل نسيت أنك نصحتني في تعالٍ ديني واضح وغير مبرر: سلفنا الصالح يقول: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، قال تعالى في سورة الصف: (يايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون «2» كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون «3») . وفي هذا المقال توقفت عند الجملة الآتية: «فنحن نغضب في الله ولا يهمنا ما تقوله في حقنا من تجريح». وعجبت لهذا القول، وعجبي لكلمة نحن هذه. هل ذكرتها تعظيماً لنفسك أم قصدت جماعة ما، فهل هذا رأيك أم رأي الجماعة؟ وهل هذه الجماعة أوكلتك لتتحدث باسمها؟ فإن لم تفعل فلقد ظلمتهم قبل أن تظلمني. فكل المسلمين يا سيد/ أحمد يغضبون في الله، ولا تهمني أنا شخصياً «مزايدتك» في الدين. وبمراجعتي للمقالين لم أجد أنني وجهت لك كلاماً جارحاً ولا متعالياً ولا متحاملاً، فقط أوضحت لك بعض المسائل العلمية التي غابت عنك ونبهتك لبعض الأخطاء في مقالك.
إن إشادتي بجهود الغابات ورموزها ليس تراجعاً أو تصالحاً مع الهيئة، لأنني يا سيد/ أحمد، لم تكن بيني وبين الهيئة والعاملين بها خصومة أو عداوة شخصية. وإشارة لقولك في مقالك الأول: «كان لمصلحة الغابات دورها الرائد في قيام قسم الغابات بكلية الزراعة بجامعة الخرطوم الذي تطور ليكون كلية قائمة بذاتها»، أود افادتك أني لعبت بالتعاون مع أساتذة الغابات دوراً رائداً في ترفيع قسم الغابات مؤسسياً إلى كلية في فترة عمادتي لكلية الزراعة في الفترة من 1990 ــ 1994م، إن فهمك لإشادتي بجهود الغابات كان قاصراً. فما ذكرته في مقالي الأول من أن الهيئة منفردة غير مؤهلة لوضع استراتيجية لمكافحة التصحر تقويماً علمياً موضوعياً يرتكز على استراتيجية مكافحة التصحر ومفهوم مشاركة كل الأطراف كما اسهبت في الإيضاح، وقد جهرت به من قبل في كل المنتديات وفي وجود رموز الغابات ولم يعترض عليه أحد. والمشكلة انك لم تشارك في معظم الأنشطة ذات العلاقة بمكافحة التصحر، وربما قرأت الاتفاقية على عجل، ونصيحتي لك، لو جاز لي أن أنصحك، أن تقرأ أدبيات التصحر القومية مع التركيز على الاتفاقية، ولو شرفتنا في الكرسي، سوف نهديك نسخاً من مطبوعات الكرسي والجمعية. وبالإشارة لعنوان أطروحتك افيدك أفادكم الله، بأن أول خطة كتبت عن مكافحة التصحر كانت في 1976م «DECARP» التي شاركت في كتابتها كل الأطراف بما فيها المراعي والغابات وصيانة التربة والزراعة والطاقة وغيرها. وفي هذا المجال أشيد بكل الذين ساهموا في كتابتها وأخص بالذكر خبير المراعي المميز السيد/ علي دراج «رحمة الله عليه». ولكي يكون سردك دقيقاً، أود أن انبهك إلى أن قمة الأرض كونت آلية عالمية لتبلور اتفاقية مكافحة التصحر ودرء آثار الجفاف شاركت فيها الوحدة بالتعاون مع كل الأطراف. ولم تجز الاتفاقية إلا بعد تم وضعها بمشاركة معظم الدول المعنية بما فيها السودان، وذلك في 17 يونيو 1994م، ولقد تعاقدت معي «الايقاد» لرئاسة لجنة قومية كلفت بوضع وثيقة السودان في البرنامج تحت الإقليمي لدول «الايقاد» (Sub ــregional Program).
وفي مقاله الثاني، كرر سيد/ أحمد الآيات التي ذكرها في مقاله الأول. ولكن لم يضف جديداً، وذكر أنها محاولة لتأصيل قضية التصحر. وأنا أشيد باجتهاده في هذا المجال، علماً بأن هذا المجال ليس سهلاً ويتطلب المعرفة المتخصصة بمعاني القرآن. والأسهل في هذا الأمر معرفة تفسير القرآن في ما أنزل فيه. والآيات قطعية الدلالة في ما نزلت فيه، وعندها يتطابق التفسير والتأصيل. فمثلاً قال تعالى في سورة الحج: «وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج» الآية «5». وهذه الآية قطعية الدلالة لعملية الإنبات، وهي عملية فسيولوجية تحدث نتيجة لضغط الجذور، وربما لعملية انتفاخ التربة (Soil swelling) وهي عملية تربة فيزيائية وتحدث نتيجة لضغط الانتفاخ (Swelling pressure)، والله أعلم. إن الله استخلف الإنسان في الأرض وأكرمه ونعمه، وحباه بنعم كثيرة وسعة في العلم، مما جعله ينجح في اكتشاف الكثير من العمليات والخواص والمفاهيم العلمية والتقنية لمخلوقات الله التي قد لا تكون متاحة نصاً في القرآن، لسبب بسيط أنها لم تكن موجودة قبل أربعة عشر قرناً. ولكن لقوله عزّ و جلّ «ما فرطنا في الكتاب من شيء» يمكن أن يتوصل العلماء والمشايخ المتخصصون للآيات التي تدل عليها ويتم تأصيلها. فمثلاً اكتشاف إمكانية استخدام «نانو» (Nano) الذهب لحرق الخلايا السرطانية في الفئران والتقانة المستخدمة لإجراء هذه العملية لا توجد نصاً في القرآن، وسيتطب تأصيلها اجتهاد ومعاناة العلماء وأهل الذكر المتخصصين، ويمكن أن يتوصلوا أو لا يتوصلوا للآيات التي تدل على ذلك، وهذا لا يعني أنها غير موجودة. وإذا قالوا إننا لم نتوصل للآيات الدالة، فالقصور منهم ولا يعني قولهم هذا أنهم كفار.
وخاتمة مقاله جيدة، غير أن بعض ما وجه به قد تم فعلاً، فقد أوضحت في مقالي ما تم انجازه إلى الآن من قبل الجهات ذات العلاقة.. والوحدة قامت بدورها على أحسن وجه، ولكنها افتقدت الدعم اللازم من وزارة الزراعة والغابات «الزراعة حالياً»، وافتقدت الإرادة السياسية، وجامعة الخرطوم أنشأت معهداً متخصصاً خرّج موارد بشرية متخصصة، بعضها يعمل في وزارة الزراعة ولكن عجزت من الاستفادة منها، وبعضها مازال عاطلاً، والكرسي ساهم بدعم المعهد وألف المراجع الدراسية وأقام منتديات قومية مهمة للغاية ساهمت فيها كل الجهات المتخصصة بما فيها الهيئة القومية للغابات وكلية الغابات، وساهم الكرسي مع الوحدة والمجلس الوطني في اجازة البرنامج وقانون مكافحة التصحر. وكل هذه الجهات والجمعية السودانية لمكافحة التصحر نفذت برامج توعية في هذا المجال في مختلف الولايات. وقدم الكرسي ورش عمل بالتعاون مع الوزارات المعنية أو الجامعات في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية وكردفان والنيل الأبيض والقضارف والجزيرة. ولكن المشكلة الرئيسة أن الدولة لم تعط الدعم والإرادة السياسية اللازمة لمكافحة التصحر في إطار مشروعات تنموية على مستوى المحليات. ولكن يا سيد/ أحمد الاتفاقية لم يمض عليها قرنان، ولعلك تقصد عقدين، وليست أطلالاً فهي باقية ونشطة. وقد استفادت منها كل الدول التي سعت لتنفيذها خاصة تلك المتواصلة مع الدول المانحة، ولكن ليس شرطاً أن يعتمد السودان على الدول المانحة. فالبكاء لا يجوز على الاتفاقية، ولكن البكاء يجوز على الاطلال في الشمالية، أطلال منازل منطقة كنّار مثالاً، فلقد دفنت بعض منازل القرى في مورة مثالاً وبقية المنازل في طريقها للدفن وأخرى اصبحت أطلالاً وأصحابها مازالوا أحياءً، أما أجيال المستقبل فسوف يبكون على أطلال الولاية الشمالية إن لم تكن قد تحولت إلى آثار، وربما يبكون على البجراوية في ولاية نهر النيل، والأخطر أن تبكى أجيال المستقبل على نهر النيل. غير أني أثق في شريحة العلماء والباحثين الخلاقة الملتزمة.
جامعة الخرطوم
ساحة منزل في مورة لم يظهر إلا خزان الماء
منزل في طريقه للاندثار «مورة ــ منطقة كنار»
زحف الرمال على النخيل في منطقة كنار

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1216

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#529878 [مدحت الهادي]
0.00/5 (0 صوت)

12-07-2012 11:52 AM
مقال جميل وممتاز وعلمي بارك الله فيك أخي... وذكرت فيه ((( ولكن البكاء يجوز على الاطلال في الشمالية، أطلال منازل منطقة كنّار مثالاً، فلقد دفنت بعض منازل القرى في مورة مثالاً وبقية المنازل في طريقها للدفن وأخرى اصبحت أطلالاً وأصحابها مازالوا أحياءً، أما أجيال المستقبل فسوف يبكون على أطلال الولاية الشمالية )))فوالله يا أخي أنت كتبت كلامك هذا على ما أعتقد من منطقة الشايقية وتتحدث بصريح العبارة عن ****التصحر والزحف الصحراوي **** بس لكنك ما مشيت شمال شوية فوالله يا أخي كنت شفت العجب في قرى دمت بأكملها ورمال الزحف الصحراوي غطت على آلاف المنازل فعندما.....فعندما تبدأ من منطقة البرقيق شمالاً وأنت متجه جنوباً وبالذات مناطق شرق النيل إلى شرق الدبة من قرى أرقي وغلى أن تصل إلى قرية كوري !!!!هذه المساحة من البرقيق شمالا وحتى قرية كوري جنوباً هناك زحف صحراوي يشيّب الراس وأنا ما عارف هل في مناطق الشايقية هناك زحف صحراوي ؟؟ ولكن فالنأخذ القرى الواقعة على خور أرقو من الشمال أي من قرية( بيوض والسرارية وكمنار وأبته وانقري وكدركة وحامدنارتي وأيماني وأقدي وبعض قرى السليم وأنت في طريقك جنوبا وإلى كوري الزحف الصحراوي مبالغ فيه ويريد جهاداً في قمة الجهاد ... وبارك الله فيك أخي ونسأل الله أن يهدي مسؤولينا ويلقوا نظرة واحدة على هذه القرى المنكوبة وبارك الله لك وفيك وفي ذريتك ... والسلام عليكم ...


#529431 [إبن السودان البار -----]
5.00/5 (1 صوت)

12-06-2012 03:51 PM
المرحوم طيب الزكر الشيخ / زايد بن سلطان حاكم الأمارات سابقاً خريج جامعة الصحراء القاحلة الذي تعلم من شظف العيش قبل ظهور البترول استقدم نوع من النباتات الصحراوية التي تتكاثر لوحدها ولا تحتاج لريها بالمياه أو لأي نوع من العناية فهي تتكاثر وتنتشر علي سطح الرمال لوحدها ؟؟؟ وبذلك تمنع تحرك الرمال وزحفها ؟؟؟ رحمه الله قد كان مثال للقائد الذي أحب وطنه وشعبه وعمل علي تطوره بكل تفاني وإخلاص ووضع خط يسير عليه أبنائه الآن حتي أصبحت الأمارات وجهة للعالم ومثال للحكم الرشيد ؟؟؟


#529418 [Magdi]
0.00/5 (0 صوت)

12-06-2012 03:28 PM
شكرا استاذنا الغزيز لمقالك العلمي-الادبي الرائع كنت تلميذك في الثمانيات.


بروفيسور مختار أحمد مصطفى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة