المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الهجرة والنخبة السودانية
الهجرة والنخبة السودانية
12-09-2012 09:48 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

الهجرة والنخبة السودانية

عبدالله مكاوي
[email protected]

الهجرة كظاهرة بشرية لم تنقطع علي مر العصور بإختلاف مسبباتها أمنية/ إقتصادية/إجتماعية ، وعرفتها بلادنا منذ أمدٍ بعيد، ولكن زادت وتيرتها بصورة كبيرة إبان الطفرة البترولية في دول الخليج مع مطلع السبعينيات وإحتياجها لكوادر مهنية وفنية وعمالية وترافق ذلك مع بداية دخول النظام المايوي في غيبوبته التي لم يستفق منها حتي سقوطه المتوقع والحتمي كغيره من الأنظمة الإنقلابية بوصفها دخيلة علي الحكم، كجسم غريب يحدث أضرار لا حصرلها في الجسم السياسي لأي دولة، إضافة لإعاقته للنمو الطبيعي للتجارب الديمقراطية وغيرها من التشوهات الإقتصادية والإجتماعية الملازمة لهكذا حكم، وبعد إنقلاب الإنقاذ (قمة التناقض) المشؤوم شهدت البلاد الموجة الثانية من الهجرات الكبيرة ، وكان غالبيتها من النخب السياسية ومن طالهم سيف الصالح العام حتي لو عن طريق الإشتباه، من أجل التمكين لكوادرهم واستمرارهم في الحكم ولو علي أشلاء المؤسسية والكفاءة وقطع الأرزاق في بلاد تنعدم فيها البدائل وتحتاج لزيادة مظلة الدولة الحامية والراعية لكل مواطنيها، لتدخل البلاد رسميا حالة من الإستنزاف العظيم لأميز كوادرها السياسية والمهنية أي رصيدها البشري/الإنتاجي/التنموي بل قاطرتها التي تحمل إمكانية إخراجها من أزماتها المستحكمة لو أُحسن توظيفها وتخلصت هي نفسها من بعض عيوبها التي رافقتها منذ نشأتها وساهمت كغيرها من العوامل المثبطة في هذا الدرك السحيق الذي تعيشه بلادنا، كأمٍ تقطع من جسمها لتربي صغارها ولكنهم عندما كبروا عاقوها وأورثوها الفجيعة والحسرة ! وازدادت وتيرة الهجرة بصورة طردية مع زيادة حالة التضييق وإنحسار فرص العمل، وعكسية مع الإنفراج الجزئي لهامش الحريات وزيادة تدفق النفط والسلام الهش بعد إتفاقية نيفاشا والآمال العراض التي كانت تحملها في إحشائها، وبإعتبارها آخر الفرص للخلاص الوطني لو أحسن إستثمارها ولم تحاصرها الشكوك وسوء النية والقتل المتعمد والممنهج لاهم بنودها التحول الديمقراطي، وتعامل النظام معها كوسيلة تخفف عن كاهله الضغوطات والمطالبات بإحداث تحول حقيقي في بنيته تضمن مشاركة الآخرين في السلطة والثروة وإدارة انفسهم بعيدا عن الوصاية التي فرضها النظام علي الآخرين وهو يعجز عن حكم نفسه والتحكم في أعضائه، ومن الجانب الآخر كانت الحركة الشعبية ممثلة في الشق الإنفصالي منها أكثر حرصا علي مشروع الإنفصال حتي لوقدمت قضايا التحول الديمقلراطي كقربان يضمن لها مبتغاها، المهم شهدت الفترة ما بعد نيفاشا عودة الكثير من الكوادر السياسية وبعض الذين طالت بهم بلاد الغربة ولم يحتملوا المزيد من خسائرها أو من خدعوا ببعض الطرق والكباري والمشاريع الوهمية التي لا توجد إلا في مخيلة مريضة مرتبطة بالكيزان الوجه الآخر للراسمالية الطفيلية المتعفنة. أما الموجة الثالثة من الهجرة فحدثت بعد إنفصال الجنوب وذهاب عائدات النفط اهم روأفد الاقتصاد الريعي الذي يرفل في نعيمه النظام بوصفه نظام متبطل غير قادر علي إنتاج بدائل أخري او مشاريع إستراتيجية لخدمة الجميع لأن ذلك يقلل من فَعَّالية النهب المنظم المتبع، وزاد الطين بلة قفل انبوب النفط وذهاب عائداته أدراج الرياح ليصيب ميزانية الدولة في مقتل، وهي مبنية سلفا علي كثير من الترهات والأماني بسبب إدارة الإقتصاد بعقليات سماسرة سياسين وفي ظل غياب برامج إنتاج حقيقية، كل ذلك أدي لتعديل ميزانية الدولة أكثر من مرة وهو عمليا يعني سقوط الحكومات الراشدة، ولكن في بلادنا بلاد العجائب والمحن والحكم بقوة السلاح والدجل والخرافات كل شئ ممكن علي الأقل علي مستوي القيادة التي لا تتأذي كثيرا من أخطاءها ودائما تدفع الثمن القاعدة الشعبية والمحصلة في الغالب الأعم، المزيد من الإفقار والضغوطات الإقتصادية التي لم تشهد البلاد في عصرها الحديث مثلها، فهو واقع يلامس حواف المجاعة وهذا إذا لم تتأثر بعض المناطق والقطاعات بغرس أنياب الجوع الحقيقي في أجسادها الطرية والمنهكة، والنتيجة أن النظام وصل مرحلة من الإفلاس والعجز ولم يعُد قادر علي إقناع أحد بالإنتظار لغد واعد، ولذلك أعتقد أن دوافع الموجة الثالثة إقتصادية بإمتياز ونسبة العامل السياسي فيها لا يتعدي ذلك الإرتباط المحكم بين ما هو سياسي وإاقتصادي، وأظن وليس كل الظن إثم أن النظام له يد في تسهيل هذه الهجرات وهذا إذا لم تكن سياسة ممنهجة من قبل الحاكمين بأمر لله لهذه البلاد ما يزيدعن العقدين من الزمان الحارق، والقصد من هذه التسهيلات تخفيف الضغط وإمكانية الإنفجار التي يسببها وجود مجموعات كبيرة عاطلة عن العمل او تعمل بأجرٍ زهيد لا يفي بأبسط إحتياجتها الأساسية ناهيك عن التفكير في بناء مستقبل، ومن جانب آخر يمكن لهذه الجموع المغادرة إذا وجدت فرصتها في الخارج أن ترفد بالعملة الصعبة خزينة الدولة التي تعاني من قلة الجرذان وهزال القطط السمان بسبب غياب الدولار أهم مصادر دمائها وشحومها ونعومة ملمسها و تورد خدودها، وفي نفس الوقت دعم اسرهم وتوفير بدائل لها في ظل نظام الأسر الممتدة والتكافل كجزء من ثقافة مجتمعية آخذة في الإفول بفعل ضربات النظام الموجعة التي وجهها لنسيج هذا المجتمع، ولكن من سخرية القدر أنه يحتاج اليها بشدة الآن لتحمل عنه مسؤوليات من صميم واجبه لعلها تمنحه بضعة ثوان ِ في الزمن الضائع. والنظام يعلم تماما ان هذه المجوعات المهاجرة قد تسبب له بعض الضيق والإزعاج من الخارج خاصة عندما تنظم نفسها وتحسن علاقاتها مع حكومات الدول الموجودة تحت رعايتها ، ولكنه يعلم ايضا أن بقائها في الداخل أشد خطرا علي إستمراره، خاصة أن الشرائح المهاجرة هي الأكثر حساسية وقابلية لإحداث التغيير المنشود، بما تمتلكه من وعي سياسي متقدم أو مهارة مهنية ذات تطلعات يحد منها هذا النظام لغير المنخرطين في أجهزته، ويقودنا ذلك لجانب آخر ولكن في الإتجاه المعاكس والمقصود النخبة السودانية التي وصفها الدكتور منصور خالد بأنها مدمنة للفشل، وأعتقد انها لم تدمن الفشل لأن الفشل يحمل في ذاته جانب إيجابي وهو شرف المحاولة إلا إذا تكرر بنفس الاساليب، ولكن المؤسف أن النخبة السودانية لم تقم حتي بمحاولة التغيير والمقصود الصبر والتواضع والتسامح والسعي بإخلاص لإحداث تحول حقيقي في المجتمع بتعلية قيم الإنتاج و الإبتكار والتحاور سلميا وإحترام الإختلافات وإيجاد وسائل سلمية لإدارة الدولة السودانية أي قيادته لبر الأمان، ولكن ما حدث هو العكس تماما، بوصفها أبنة المجتمع لم تستطع هي نفسها التخلص من قيود عاداته وتقاليده والأدهي وأمر هو احتكامها لنفس معايره وأحكامه وتعميماته المجانية الاسطورية والتي تنحاز في معظمها للغني ضد الفقير والمكون العربي ضد المكون الأفريقي والمظهر الخارجي ضد القيم الجوهرية والموظف او المهني ضد الحرفي او العامل البسيط والعلمي ضد الأدبي...الخ، لذلك ذهبت في اتجاه الشعور بأنها مميزة وتختلف عن بقية قطاعات الشعب الكادح ويجب عليه وضعها في هذه المكانة، أي تسخير الآخرين لخدمتها والسهر علي راحتها ورفع مكانتها، وهي متعالية بطبعها نتيجة لإحساس التميز الذي رافقها خلال مسيرتها التعليمية ومن ثم المهنية والمالية الشئ الذي حرمت منه البقية الباقية بالرغم من انها دفعت ثمنه مبكرا، ولكن وجودها في حالة فقر وجهل هو ما يكسب النخبة التميز الذي تتمرغ في نعيمه علي مستوي المناسبات الإجتماعية والحضور السياسي والمكاسب الإقتصادية، لذلك ضعفت عزيمتها اوغابت في بعض الأحيان نحو السعي الجاد في إخراج المجتمع من معاناته والتي تعني مشاركتهم كيكة تلك المكاسب او علي الأقل ذهاب بريقها كما يعتقدون، وبمعني آخر ان المجموعات المهاجرة كجزء اساسي ممثل لتك النخبة تشعر ان حقها في الغني والتميز و الإحترام منقوص ولا توجد وسيلة لإرجاعه إلا عبر الهجرة، ولو صدق هذا يعني ان الإختلاف بين النخبة السودانية والكيزان هو إختلاف درجة وليس إختلاف نوع والإختلاف الوحيد أن الكيزان إختاروا الوسيلة الخاطئة(الإنقلاب) لتحقيق تطلعاتهم، وتحويل السلطة الي غاية تجوّز إستخدام كل الوسائل للمحافظة علي امتيازاتها التي لا تكتسب نكهتها المحببة إلا وهي محاطة بمجتمع بائس فقير فاقد لأي حصانة قيمية تمكنه من الصمود فيي وجه تيار الزيف الكاسح ولا باس من استخدام الرموز الدينية لتبرير ما هو قائم وردع اي محاولة لمجرد التساؤل او الإعتراض، أي ان الكيزان يمثلون النسخة المشوه للنخبة والوجه الأكثر قتامة وسوء او بتعبير حميد كفيفي الإنسانية،
والدليل أن معظم الخلافات هي خلافات فوقية حكومة/معارضة بنفس المجموعات او من يماثلها في طريقة التفكير والطموح مع غياب او ضمور اي برامج حقيقية وواقعية تخاطب إحتياجات المواطن الأساسية ولانقصد توفير الغذاء والدواء والعلاج والتعليم كما هو شائع في كثير من هذه البرامج المطروحة ولكن المقصود هنا هو تحرير الإنسان السوداني من الخوف من السلطة والآخر والمعرفة والمغامرة والتجديد اي تحويل الفرد السوداني الي إنسان قادر علي إنتاج أفكاره وغذائه ودوائه وتطوير برامج تعليمه وفي أن يحكم نفسه بنفسه وأن يحسن الإختيار بعد نضوج وعيه وذائقته الجمالية، وإرجاع مستقبله الي مسؤوليته الشخصية وزرع الثقة في نفسه ليختار ويتحمل نتيجة إختياره، وتحويل الحياة الي مشروع مفتوح للأمل والتغيير وإثبات الذات، وأن يعتبر نفسه جزء ينتمي للكل البشري وأن الهم الإنساني هو هم مشترك بما انهم يتقاسمون الجنس البشري والأرض بكل ما تحمل. ولا يعني ذلك أن الهجرة شر او ان يرضي الجميع بواقعهم دون محاولة تغيره، بل العكس فالهجرة أحيانا تمثل بديل مطلوب في مرحلة من المراحل وأظن أن كل بقي في السودان الآن يجهز في اوراق رحيله او منتظر ظهور الفرصة، بل حتي رئيس النظام نفسه لولا أمر القبض المتدلي من عنقه كما يعبر الكاتب الكبير ثروت قاسم والمرض الذي يحيط بحنجرته ويحرمنا من الإستماع لحكمه ونصائحه التي اتحفنا بها لما يزيد عن الثلاثة والعشرون عاما لوجدناه واقف في صف الهجرة ولسان حاله يقول دي بلد شنو دي الرئيس لا يأمن فيها علي اهله وإستثماراته وجوامعه ومصانع أسلحته ، الواحد لو ماكان رئيس كا قلبه حسب الطرفة الشهيرة المنسوبة للجنرال السابق ولكن اين المفر، وما ابرئ نفسي من الهجرة ولكن المققصود ان أعظم دور يمكن أن يقدمه المواطن لبلاده يكون في إحداث التغيير من الداخل والسعي لتحسين مستوي حياة اخوته في الوطن وهو بينهم لأنه يكون ادري بالمطلوب عن قرب ومعايشة ويحضرني هنا ان لم تخني الذاكرة قول منسوب للشهيد محمود محمد طه رائد التغيير والتجديد الحقيقي أو الإنسان الكامل في ظل شرط القصور البشري، انه كان ينصح أتباعه بعدم الهجرة عن الوطن لأن ابتعادهم يبعدهم عن المعرفة الكاملة بواقع بلادهم، الذي يحتاج للتغيير للاحسن عبر اختيار أفضل الطرق واقلها تكلفة، إضافة أن للهجرة تبعاتها وهمومها ومشاكل الإندماج في مجتمع مغاير في قيمه وتقاليده ومشاكل العمل والظروفه البيئية الصعبة وهي هموم تستغرق طاقة الفرد و لا يجد عنده الزمن الكافي ليسهم اسهام فعّال في إحداث التغيير المنشود، لكل ذلك فالذين يناضلون ويسعون للتغيير من الداخل ويدفعون اثمان باهظة لمواقفهم المشرفة هم أعظم درجة وفي كل موقف ضد الدكتاتورية والإستبداد خير في الداخل او الخارج. والخلاصة ان النخبة السودانية تعاني من الهشاشة والهرولة نحو الاستسلام في كل إختبار تتعرض له وقدرتها علي الصمود وتقديم التضحيات في حالة تدني بإستمرار، مما مكن العسكر من الإستيلاء علي السلطة بإستمرار، والإستمرار فيها لفترات طويلة وذلك لأنهم نسبيا اكثر قدرة علي تقديم التضحيات والمغامرة بحكم طبيعة مهنتهم، إضافة لروح التململ والإستعجال التي تسم المؤسسة العسكرية وتغلغل حب السلطة في وعي القادة العسكرين منذ نعومة أظافرهم كل ذلك جعلهم الاكثر حضورا في المشهد السياسي السوداني، بل في المنطقة بأسرها كوباء اقليمي او قدر تاريخي مرتبط بحالة التأخر التي تعيشها شعوب تلك المنطقة وقابليتها العالية للخضوع والإستسلام للقهر والإستبداد.
ونختم مع نخبة الجابرية التي عبر عنها حميد او حلم بها
إلا في ستة من الجابرية ...
قالوا .. تعبكم خارم بارم
يذهب حاكم خلف الحاكم
والجابرية تظل في حالها ...
حِلّة حياتا تسُر الظالم
صُدفة تموت وتحَيا اطفالا
لا جلكوز لا تقرا رسالة
ولا .. راح يطلع منها عالم
ما بينصفكم إلا ضراعكم
عّبّوا ضراعكم يا رجّالة
وخَلّوا بصركم دغري وسالم
حُكم العسكر ما بينشكر
كلو درادر ... كلو مظالم
وما هو قدركن تَحيو همالة
مقصودين والقاصد فاهم




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 975

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#531786 [قلق]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2012 06:00 PM
صدقونى يا اخوتى ان ما نعانيه من فقر وغلاء فى الاسعار وضنك هو بسبب بعدنا عن الدين وعدم استجابتنا لتعاليمه السمحة ...أنظروا للفساد فى الشارع العام من لبس خليع يلبسه الذكور والاناث وانتشار المخدرات وترك الصلاة..... والخمور والسجائر والتمباك .....هو ده السبب الحقيقى للضياع الذى نعانيه وليست الحكومة وحدها هى المسؤولة......انى أدعو الله ان يستلم الاخوة انصار السنة المحمدية البلد لانهم اثبتوا انهم الوحيدون الذين يخافون الله ويتقونه وهم زاهدون فى الدنياوناس اخرة فعلا وقولا وسيطبقون شرع الله الحنيف فينا.. أما بقية الاحزاب فهم لا يقيمون للدين وزناً.....


#531402 [مظلوم]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2012 11:14 AM
خيراً قلت ولكن من الذي يسمعك أخوى مكاوي ...


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة