المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إهمال حقائق الأرض في دارفور \"1\"اا
إهمال حقائق الأرض في دارفور \"1\"اا
10-25-2010 09:25 AM

إهمال حقائق الأرض في دارفور \"1\"


بقلم: عمر قمر الدين إسماعيل ولاورا جونس

ترجمة: صلاح شعيب
[email protected]

بدا في الآونة الأخيرة أنه نادرا ما نلحظ تردد إسم دارفور في عناوين الأخبار. يحدث هذا برغم أن هناك حقائقا على الأرض تشير إلى إستدامة في غياب الأمن، صعوبة في إيصال المساعدات الانسانية، توافر حصانة لمرتكبي جرائم العنف، وأخيرا، وليس آخرا، غياب التقارير الموثوقة عن وضع حقوق الانسان.
ففي الشهور الأخيرة قاد الفشل في محادثات السلام في الدوحة إلى تنامي العنف في الأقليم المنكوب. وفي الأثناء عمدت الحكومة السودانية إلى تقديم خطة سلام لدارفور، بيد أنها إنتهت إلى أن تكون سياسة جديدة لإستخدام قوتها العسكرية والسياسية للتعاطي السالب مع مصائر الاقليم، ولضمان بقاء النازحين الدارفوريين مهمشين. والوضع هكذا، بقيت القوات المشتركة (اليوناميد) ـ بوصفها المصدر الموثوق لجلب الأمن ـ بغير فائدة. أما وضع الخدمات الأساسية في كثير من المناطق فقد بدا، حقا، أسوأ من المستوى الذي سبق طرد ما يقارب 16 منظمة إغاثية من دارفور في مارس 2009.
وبالطبع، فإن هذه التطورات الأخيرة لم تحقق قدرا من الإمكانية لتغيير الأوضاع بالنسبة لأهل دارفور، بل أن كل المؤشرات تؤكد أن الوضع سيسوء في المستقبل القريب. فالانتخابات التي جرت في ابريل الماضي ساعدت فقط في تنمية قدرات حزب المؤتمر الوطني، ومهدت له السعي لتفضيل الحل العسكري للمشكلة القائمة والتي تفجرت بواسطة حركات دارفور المسلحة. أما التقارب السوداني ـ التشادي فقد ساهم لفترة قصيرة في جلب الحركات المسلحة الرئيسية لطاولة التفاوض لشهور ثلاثة، وبعدها تداعت محادثات السلام. أما الفريق الاممي الداعم للتوسط فإنه يبدو الآن ساعيا لإشراك المجتمع المدني، والذي رغم إهميته، فإن خطة الوساطة في هذا الصدد تحتاج لأن تكون معدة بشكل اكثر شمولا ونجاعة، على أن ينظر إلي الخطة المعنية بإعتبارها مكملة، ومعضدة، لجهود الحل السياسي، أكثر من كونها إقصاء لجهة ما.
والحقائق تقول، أيضا، إنه في الأشهر المتبقية قبل إجراء استفتاء جنوب السودان هناك شكا في أن يتم تركيز الاهتمام الدولي على مشكل الشمال والجنوب على حساب دارفور. وفي الواقع، هذا الأمر تم بالفعل بواسطة النهج الذي اتخذه الشركاء الدوليين لمفاوضات السلام في الدوحة. بالنسبة للجهات الفاعلة دوليا، فإن دارفور عوملت بأنها مشكل شاغل عن معالجة التوترات الحادثة بين الشمال والجنوب في الفترة التي سبقت وتسبق إجراء الاستفتاء. يحدث ذلك في وقت يعترف فيه كثيرون ـ منهم مثلا وزيرة الخارجية الامريكية، هيلاري كلينتون ـ بأن الوضع في دارفور \"خطير وعصي على الإستقرار\".
إلى ذلك، فإن الجهات الفاعلة الدولية بحاجة إلى الاعتراف بأن سياسة التركيز على منطقة واحدة على حساب أخرى تشجع سياسة حزب المؤتمر الوطني التي ستكون لها عواقب سلبية على كل السودان. وعليه يجب على الولايات المتحدة وشركائها إعادة تركيز سعيها لإيجاد حل سياسي للصراع في دارفور بشكل متزامن مع إشراك المجتمع المدني على المستوى القاعدي، وينبغي اتخاذ المزيد من الخطوات لضمان حماية كل المدنيين في المنطقة والعمل من أجل تحقيق العدالة والمحاسبة. وإن لم تبدأ الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليين في الانتباه إلى الأزمة الدارفورية بطريقة أكثر ذكاء وإيجابية، فمن المرجح أن الذين سيدفعون الثمن الأكبر هم سكان دارفور أنفسهم.
والحقيقة أنه برغم هذا التجاهل الإعلامي لدارفور في الشهور الأخيرة، فإن الازمة هناك لا تزال تراوح مكانها. فهناك ما يقارب الثلاثة ملايين من المدنيين تم تشريدهم من مواطنهم، ووجدوا ملاذات مرحلية في المعسكرات المتمددة للاجئيين، وبعضهم لاذ إلى تشاد. وبرغم نشر العالم لقوات حفظ السلام، وهي المكلفة ماديا، أصبح إنعدام الأمن هو السمة الغالبة التي تقلق المضاجع في الإقليم. والحال هكذا فإن الحكومة السودانية تسيطر فقط على المدن الكبيرة التي بها حاميات عسكرية، بينما تسيطر الجماعات القبلية التي سلحتها وجماعات التمرد على النظام التشادي على مساحات واسعة من الارض ولذلك عمدت الحكومة إلى التضييق على المدنيين وإرهابهم. وللأسف، ليس هناك واحد من مهندسي الجرائم المنظمة ضد الإنسانية قد تمت محاكمته عبر نظام عدلي.
إن وضع دارفور الآن يشبه إلى حد كبير وضع جنوب السودان عام 1990 حين إنشقت الحركة الجنوبية. فالشاهد أن السيطرة على واقع دارفور أصبح موزعا بين المدن التي لها حاميات والمناطق الريفية التي تتم السيطرة بواسطة شذر من الجماعات المسلحة.
صحيح أن جرائم القتل المنظم وزعزة إستقرار أقسام واسعة من سكان دارفور قلت كثيرا، كما أن المآسي الإنسانية تراجعت أيضا، بينما بقيت الحركات المسلحة منعزلة جغرافيا بإضطراد وعلاقتها مع السكان المحليين ظلت متوترة. ومع ذلك، فإن الهجمات الحكومية الأخيرة على معاقل المسلحين الدارفوريين المعروفة، مثل جبل مرة وجبل مون، زادت من واقع التردي هناك ومن عدد السكان النازحين. ففي بداية عام 2010، مثلا، قادت الهجمات التي شنتها قوات الحكومة السودانية على قوات عبد الواحد محمد نور المتمركزة حول جبل مرة إلى زعزعة الإستقرار وتشرد 100 ألف من المدنيين، بينما أن تلك الهجمات على قوات حركة العدل والمساواة، المتمركزة في جبل مون، سببت في تشرد مابين 10 و50 ألف من السكان، فضلا عن أنها قادت إلى أضرار جمة على حياة المواطنين.
إلى ذلك، أعلن تقرير صادر عن اليوناميد عن إزدياد عدد الوفيات الناتجة عن العنف في الأشهر الأخيرة، واشار إلى وفاة ما يقارب 600 مواطن في شهر مايو الماضي، وهو الشهر الذي شهد أكبر معدل وفيات منذ عامين، كما أن عدد الوفيات بلغ 221 في يونيو. ويشير التقرير إلى أن تصاعد القتال بين القوات السودانية والحركات المسلحة نجم عن عدة عوامل، من بينها سحب الدعم التشادي من قوات العدل والمساواة، والذي إنعكس سلبا عليها مما شجع الحكومة على شن هجمات أدت إلى تشظي قواتها ومغادرة مواقعها على الحدود التشادية والتشت إلى وحدات صغيرة وهروبها شمالا وغربا، كما أن فشل مفاوضات السلام في الدوحة، وإكتساح المؤتمر الوطني لنتائج الإنتخابات التي جرت في أبريل كانا عاملين مؤثرين لتشجيع الحكومة لتفضيل الحل العسكري عوضا عن التفاوض.
وبالاضافة إلى هذا العنف السائد بين الحكومة وقوى التمرد فإن سكان مدينتي زالنجي وكاس في غرب وجنوب دارفور شهدوا أيضا تصاعدا لحالات العنف عبر النزاع الناجم عن الإقتتال بين المسيرية وطائفة من الرزيقات تدعى النوايبة. وبدأ النزاع في مطلع مارس الماضي بعد أن رفض النويبا دفع دية نتاجا لوفاة أحد الجنود المنتمين للمسيرية. أيضا أشار كثير من المراقبين أن هناك أسبابا أعمق لهذا العنف، والتي منها شح مصادر الثروة والصراع حول الأرض، وبعضهم قال بأن النزاع القائم بين القبائل تم التخطيط له بواسطة الحكومة بهدف إضعاف المزاعم حول هوية الصراع، وكما هو معروف فأن قبائل الرزيقات هم مزاعون ورحل، وذلك ما يعني أن الحكومة تريد الإثبات للمجتمع الدولي أن الصراع في دارفور إنما هو صراع قبائل محلي المنشأ، أكثر من كونه صراعا بين الدولة والمقاومة المسلحة.
في أواخر يونيو الماضي عملت الأمم المتحدة أخيرا على تبني وضع يجعلها كوسيط سلام بين القبائل، ولكن في وسط يونيو تجددت الصراعات مرة أخرى حول مدينة كاس ما أدى إلى وفاة 88 شخصا وسط المسيرية وحدهم. ويشير هذا الحادث إلى أن النزاع القائم حول مصادر الثروة يجعل طائفة من الجماعات أكثر رغبة لإحتراف المناورة التي توطد لإستمرار الصراع.
إن أكثر المهددات المؤكدة التي تواجه غالبية المواطنين تمثلت في الجماعات التي تحتل الأرض، والتي سعت الحكومة بشكل منتظم ـ عند الأعوام الثلاثة الأولى للصراع ـ لإحلالها محل السكان الأصليين. ومن المهددات أيضا أن جماعة الجنجويد السابقين، وجماعة التمرد على النظام التشادي المدعومتان من النظام السوداني تحتلان أراض واسعة في دارفور، وعمدتا إلى إقتراف جرائم الإغتصاب. ولعل هذا الوضع هو المسبب الرئيسي لبقاء غالبية المواطنين النازحين مترددين في العودة إلى مواطنهم في الإقليم. وفي الوقت نفسه فإن غياب الموارد الإقتصادية في وحول المدن الرئيسية جعل من الضرورة، بالنسبة لكثير من النازحين، السعي بإنتظام إلى مناطقهم السابقة من أجل الزراعة والحصاد، أو إلى جمع حطب الوقود لتسويقه. ولعل هذا التراوح حول الإقليم والعودة لمناطق النشوء جعل النازحين عرضة لمضايقات إضافية.
إن القوى الدولية، بقبولها لخطط الخرطوم الأخيرة المرتكزة على عودة النازحين إلى مناطقهم، غضت الطرف عن الإعتراف بأن العودة الطوعية الكبيرة للاجئين والنازحين ستكون مستحيلة إن لم تكن هناك سياسات لتحسين واقع الأمن وتحقيق العدالة. فحين تعود الجماعة المتشردة إلى أرضها فإنها بإستمرار تجدها إما محتلة بواسطة قبائل الرحل المعادية لها، والذين يجب التفاوض معهم حول الوصول إلى أراضيهم إذا أرادو زراعة حقولهم أو حصادها، وكثيرا ما يجدونها مخربة. وهناك محنة أخرى تتبدى في مناطق كثيرة، فالإجراءات الحكومية الإبتزازية خولت للمليشيات المتحالفة مع الحكومة جمع الضرائب من السكان المدنيين في إجراء لتبادل حق المرور والحماية من قبل هذه الجهات المسلحة التي تفرض مثل هذه الإجراءات. ويجدر ذكره أن هذه الجهات نفسها تتعهد لإقامة هجمات مسلحة بتفويض حكومي ضد تشاد.
وتقول مصادر منظمة (كفاية) في الخرطوم أن الحكومة تفتقد الرغبة لتسريح هذه المليشيات لأنها تفرض تهديدا محتملا كبيرا على الخرطوم أكثر من كونها تفعل ذلك نحو الجماعات المتمردة، وربما لا توجد، أصلا، لدى الحكومة الإمكانية اللوجستية للتخلص منها. ومن ناحية أخرى فإن العرف التقليدي في التعامل لحل هذه النزاعات بين المقيمين في الارض هناك قد شابه الضمور. والسبب الأول لهذا هو أن الجيوش الصغيرة أو الأسلحة البيضاء عززت وضع هذه القبائل المدعومة حكوميا، وأحدثت إختلالا في توازن القوى، ولم يحن الوقت بعد ليكون أمر حاضرها جزءً من عملية التفاوض.
إن مشكلة إحتلال الارض بغير مسوغ هي أكبر من قدرات القوى المسلحة المحلية. ففي السنين الأخيرة بدأت الحكومة السودانية في ترديد مزاعم العودة المفترضة حتى تثبت للمجتمع الدولي أنه ليس هناك حرب طويلة المدى في دارفور. والإستطلاعات التي اجريت مع النازحين بغرب دارفور أكدت أن المؤتمر الوطني لم يقدم مغريات للبقاء، مثل توفير المعدات الزراعية والبذور لهؤلاء الراغبين في العودة لمناطقهم الأصلية أو غيرها. عموما، هذه المغريات ظلت أثرا بعد عين، ولم توجد هناك فرص للحصول عليها وإنتهت إلى أن تكون هذه الإجراءات الحكومية ليست أكثر من شكل آخر لإحتلال أراضي النازحين.
فالمؤتمر الوطني كون لجنة برئاسة الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، والذي ظل هدفه جعل إجراءات السلام منكفئة محليا. وقد جعلت اللجنة أمر العودة الطوعية في صلب إستراتيجيتها لما أسمته بسلام دارفور، لكن مصادر هناك أكدت أن هدف هذه الإستراتيجية ليس أكثر من النحو إلى إغلاق المعسكرات التي أوت المتشردين، وفرض توطين واسع لهم. فالإعلان الأخير عن عزم الحكومة على إغلاق معسكر (كلمة) وإعادة توطين المقيمين في القرى النموذجية في الأقليم، والتي بنيت أكثرها بواسطة الجامعة العربية، بدا مرتبطا بخطة الحكومة النهائية لحل النزاع ومعالجة أزمة الصراع حول الأرض، ووفقا لمصدر فإن الخطة تتطلب ترحيل المتشردين ...ضف إلى ذلك أن القرى النموذجية نفسها ستكون لأهل السطوة منهم، فيما يتم توظيف النازحين كخدم فيها، مع تأكيد أن هذه الخطة الحكومية ستحرمهم من أية مطالبات مستقبلية بأراضيهم.
إن انعدام الأمن، مترادفا مع انعدام الفرص الاقتصادية ومشكلة إحتلال الأراضي، جعل من الصعب جدا حدوث حلول دائمة ومقبولة في المستقبل القريب لأزمة النزوح في دارفور. ومع ذلك فأن العديد من النازحين داخليا سيعمدون في نهاية المطاف إلى اختيار البقاء في المراكز الحضرية، حيث أن كل الخطط الحكومية في هذا الصدد تنحو إلى تركيز الموارد في هذه المناطق. وحقا، فإن عدم وجود فرص سبل العيش المتاحة في هذه المراكز الحضرية، وفشل هذه الخطط لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع في دارفور بشكل صحيح، ترك المواطنين عرضة للمضايقة المستمرة والهجمات من قبل المتفلتين أمنيا، كما أنهم تركوا بدون خيار للعودة، في نهاية المطاف، إلى أماكنهم الأصلية طوعا وفي أمان وكرامة.
لكل هذا فإن الوضع الحالي هو مضلل للغاية. ففي حين أن الهجمات على المدنيين هي أقل تواترا بكثير، مقارنة بالهجمات التي كانت في ذروة الصراع، والهجمات الحكومية الأخيرة قبل أسابيع على مناطق في دارفور، والتي يعتقد أنها معاقل المتمردين، تثبت أن المخاطر على المدنيين لا تزال قائمة، علاوة على ذلك فإن التلاعب المستمر بالموارد في المنطقة من قبل الحكومة ـ وجماعات وظفت سابقا في ميليشيات الجنجويد ـ يؤكد أن النزوح ومضاعفاته الخطيرة لا يزال قائما في المستقبل القريب. إن الهدوء النسبي الذي أعقب وفاة مئات الآلاف ونزوح الملايين من ديارهم في دارفور ينبغي ألا يكون مؤشرا مخطئا إما للسلام أو الاستقرار.

من المترجم: هذه المادة نشرت بموقع (www.enoughproject.org) وستتبعها حلقات أخرى





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 977

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر قمر الدين
عمر قمر الدين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة