إنها الفتنة
10-25-2010 01:21 PM

رأي

إنها الفتنة

خليفة السمري - المحامي

المؤتمر الوطني والحركة الشعبية كلاهما ساهم في الوصول بالبلاد إلى هذا المصير المؤسف بعد أن تواطأ الإثنان معاً على إقصاء القوة السياسية الناعمة الأخرى عن مراكز صنع القرار ، ومع كل هذا الإقصاء الممارس ،فقد ظل الطرفان يحاولان التنصل من مسؤولياتهما ومما مهراه بالتوقيع والمصادقة بعد أن أشهدا عليه شهوداً من المجتمع الدولي بلغوا حد التواتر،ومع كل العيوب والسوءات التي اكتنفت بروتوكولات نيفاشا،وعلى الرغم مما قيل فيها ،فإنها كان من الممكن أن تمثل طوق نجاة أو طريقاً سالكة وآمنةً للخروج بالسودان من أزماته الموروثة لو صدقت النوايا وحسنت التوجهات، لكن ماذا نقول والشريكان قد تمثلا قول دريد ابن الصمة ( قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ** فما ينقضي إلا ونحن على شطر ) وأدمنا لعبة القط والفأر فباتت مسلاتهما الوحيدة التي لا يجيدان غيرها، ولا يغيب عن بال الراصد أنهما في سبيل هذه التسلية السلطوية لم يترفعا عن إفراغ بعض نصوص الاتفاقية من مضامينها بغرض التحلل من التزاماتهما الأخلاقية والقانونية المفروضة عليهما معاً بموجبها،وعلى سبيل المثال لا الحصر كلنا عايشنا الالتفاف على نص المادة (1-3) من بروتوكول ميشاكوش 20 يوليو 2002م ،والذي يعتبر جزء لا يتجزأ من اتفاقية نيفاشا ،فقد نصت المادة (1-3) من البروتوكول المذكور على ما يلي ( إن وحدة السودان التي تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه،والحكم الديمقراطي ،والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة لجميع مواطني السودان ستظل الأولوية بالنسبة للطرفين ،وأنه من الممكن رد مظالم شعب جنوب السودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار) ،والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد ،ما الذي فعله الشريكان بشأن كل المبادئ والمعاني التي تضمنتها هذه المادة؟ الحقيقة أنهما لم يفعلا شيئاً سوى الالتفاف على ما جاء فيها ،فلقد تجسد موقفهما من قضية الديمقراطية في سعيهما الدءوب إلى إفراغها من مضامينها والتماهي معها على طريقة لعب الحواة،وكانت خاتمة مطاف السحرة مسرحية الانتخابات سيئة الإخراج جنوباً وشمالاً والتي غادر الشعب خشبة عرضها قبل إسدال الستار بعد أن أبدى أسفه على تجشم عناء الحضور،وقل مثل ذلك عن المساءلة والمساواة والعدالة وكل ما توافقوا عليه في ميثاق ميشاكوس واتفاقية السلام الشامل،ولكن الأدهى والأمر على نفس الشعب السوداني أن يبلغ هذا التماهي حداً يهدد وحدة البلاد وسلامها وأمنها الاقتصادي ،وإذا رمينا بالمسؤولية الأخلاقية جانباً ،فإن المسؤولية القانونية التي ألقتها اتفاقية السلام الشامل على عاتقهما توجب عليهما أن تظل وحدة السودان أولوية من أولوياتهما ،وهذا ما تنكرت له الحركة الشعبية بمداراة لا تفوت حتى على العي البليد ،وقد ساعدها على هذا التنكر، النهج التكتيكي الذي سلكه المؤتمر الوطني في التعامل مع اتفاقية السلام الشامل،فأعطاها المبررات لسلوكها السياسي المخاتل،وأخطر من ذلك كله ، أن الحركة الشعبية تحاول اليوم جر البلاد لوحل التدويل الذي سبق أن قارفه شريكها فيما يتعلق بقضية دارفور ، فقد تناقلت أجهزة الإعلام في الأسبوع الماضي مطالب الحركة الشعبية على لسان رئيسها السيد سلفاكير بنشر قوات دولية تكون بمثابة حاجز بين الشمال والجنوب بمبرر أن ذلك يمنع وقوع أي احتكاكات بين الطرفين،وقد حاولت الحركة الارتكان في تبرير طلبها هذا إلى ما جاء في مرفق اتفاقية السلام الشامل رقم (1) فيما يتعلق بوسائل تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية وملاحقه لإعطاء طلبها هذا نوعاً من الشرعية القانونية.
وفي نظري أن هذه المحاولة تستند في حقيقة أمرها إلى تأويلاتٍ وتخريجاتٍ فاسدة لما جاء في تفريعات المادة 15 من المرفق رقم (1) السابق ذكره،والتي تتعلق بالأمم المتحدة، فقد نصت المادة (15-1) من المرفق المذكور على أنه ( يوافق الطرفان على أن يطلبا من الأمم المتحدة تشكيل بعثة لدعم السلام تابعة للأمم المتحدة محدودة العضوية وفعالة ومستدامة وبكلفة معقولة بغرض مراقبة وفحص هذه الاتفاقية لدعم تنفيذ اتفاقية السلام الشامل بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة)،فهذه المادة لم تحدد طبيعة البعثة التي يتم طلبها وما إذا كانت عسكرية أو أن لها طبيعة فنية أو لوجستية أخرى، فضلاً عن أن تشكيل هذه البعثة يكون بناءً على طلب الطرفين وموافقتهما معاً على ذلك وليس بناءً على طلب طرفٍ واحد،أما المادة (15-4) التي تحاول الحركة التلبيس بها لإعطاء جلب القوات الدولية شرعيته فإن عبارة «ألا يقيد وصول المراقبين الدوليين بأي قيد» التي وردت فيها مقيدة في حقيقة الأمر بالمادة (15-1) السابق ذكرها ومقيدة كذلك بما جاء في عجز المادة (15-4) نفسها،فقد نصت المادة (15-4) على أنه (من أجل القيام بأنشطة المراقبة المتعلقة بوقف إطلاق النار يتعين ألا يقيد وصول المراقبين الدوليين بأي قيد،وذلك وفقاً لاتفاقية وضع القوات التي يتم إبرامها مع الأمم المتحدة في أقرب وقتٍ ممكن وتشمل اتفاقية وضع الأحكام التي اتفق عليها الطرفان مع الأمم المتحدة ويكون ذلك مباشرةً بعد استكمال اتفاقية السلام الشامل)، فمما يلاحظ في هذا الصدد أن قوات المراقبة يجب أن يتفق عليها الطرفان وفق ما نصت عليه المادة (15-1)وهذا قيدٌ أول،ومن ناحية أخرى فإن عدم تقييد نشاط قوات المراقبة ينحصر فقط في مسألة المراقبة المتعلقة بوقف اطلاق النار ،وبما أن وقف إطلاق النار قد أصبح أمراً من الماضي فإن المادة (15-4) تكون قد استنفذت غرضها ولا يجوز استدعاؤها ما دام أن الأوضاع الأمنية بين الطرفين مستقرة، ومن ثم فإن الارتكان إليها مقروءةً مع المادة (15-1) لجلب قوات أممية تفصل بين الطرفين يعتبر استدعاءً تنقصه المشروعية القانونية، وأي دخول للقوات الأممية إلى السودان بغير موافقة طرفي الاتفاقية معاً ،فإنه هو الآخر يعتبر أمراً غير شرعي ولا قانوني،اللهم إلا إذا كان مستنداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولم نسمع حتى الآن أن مجلس الأمن قد اجتمع أو قرر بالآلية القانونية المطلوبة في مجلسه المائل أن وضع السودان الحالي يهدد الأمن والسلم الدوليين ،فلا أدري عن أية شرعية تتحدث الحركة الشعبية ودول الحيف والظلم لتبرير جلب قوات أممية لتكون بمثابة فاصل بين قوات دولة واحدة،الأصل أن اتفاقية السلام الشامل وضحت كيفية انتشارها في البلاد، فإذا كان الطرفان على قدر من الجدية والمسؤولية فلينفذا بنود الاتفاقية بعيداً عن النهج الانتقائي الذي يختزل النصوص تبعاً للأمزجة والأهواء،ومعلوم أن الاتفاقية ذات نفسها حددت مرجعياتها فيما يتعلق بالفصل في الخلافات التي تقع بشأن تفسير نصوصها فينبغي على الشريكين الرجوع إليها بدلاً من تبادل السباب والاتهامات التي تولد المرارات وتباعد الشقة بين أطراف البلد الواحد.
إن الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني هما في نظري التنظيمان السياسيان الوحيدان المسؤولان عن تهديد وحدة البلاد، ولا يشفع لهما الحديث عن أن مسألة تقرير المصير قد توافقت عليها كل القوى السياسية السودانية، فذلك في الحقيقة ذرٌ للرماد في العيون وتنصل من المسؤولية التاريخية،فالمؤتمر الوطني كامتداد وارث للحركة الإسلامية السودانية هو الذي وقف مغرداً خارج السرب إبان اتفاقية السلام السودانية (اتفاقية الميرغني - قرنق)،وهو الذي قطع طريقها بانقلابه العسكري الذي فوت على السودانيين جميعاً فرصة نادرة لمراجعة الأخطاء التاريخية التي تولد عنها نزاع الجنوب عبر مؤتمر دستوري جامع توافقت عليه كل القوى السياسية السودانية بما فيها حزب الأمة تنفيذاً لبنود اتفاقية السيد محمد عثمان الميرغني والراحل جون قرنق والتي لم يرد فيها ذكرٌ ولا إشارة لتقرير المصير، وكما يقول مثلنا السوداني ( تأباها مملحة وتكوسها حافة)،فقد شهدنا كيف قدم المؤتمر الوطني التنازلات تلو التنازلات فيما يتعلق بقضية الجنوب وهو الذي ساهمت كوادره في وقف سير اتفاقية السلام السابق ذكرها والتي لم يرد فيها ذكر لسحب قوات الجيش من الجنوب،ولم تقل بتسليم الجنوب كاملاً للحركة الشعبية،بل الأهم أنها لم تتضمن تقرير المصير الذي أصبح حبلاً ملفوفاً على رقبة الوحدة والسلام في سودان الشريكين،فإذا كان المؤتمر الوطني يحاول التنصل من مسؤوليته التاريخية ليرمي بها في ساحة القوى السياسية الأخرى فلتتذكر كوادره بأنهم امتداد طبيعي للنظام الذي قدم تقرير المصير هدية تكتيكية في مفاوضات فرانكفورت ونص عليه في اتفاقية السلام التي تم توقيعها مع جناح الناصر، إلى أن انقلب السحر على الساحر، فأصبح تقرير المصير حقيقةً وواقعاً معاشاً في سودان الإنقاذ،وأكثر من ذلك فإن كانت القوى السياسية السودانية الأخرى قد وافقت على مقررات أسمرا للقضايا المصيرية بما في ذلك تقرير المصير فإنه بلا شك أن وضع من بيده السلطة يختلف عن وضع من ليس له من توازنات القوى إلا الكلام والشعارات،وما هما - في باب العدل - أمام المسؤولية التاريخية سيان.
وإذا أدرنا حديثنا تجاه الحركة الشعبية فهي الأخرى لعبت على ورقة التكتيكات والتقلبات، ولم تعرف الثبات على المبادئ فكلنا نعلم أنها بدأت ماركسية حمراء،حين كان يأتيها دعمها عبر نظام منقستو هايلا مريم ،بل امتدت جسور علاقاتها إلى كوبا فيما وراء البحار،ثم بعد انهيار المعسكر الشرقي لم تثبت على المبدأ مع أنها حركة ثورية متمردة لم تكن وقتذاك مسؤولة عما تسأل عنه الدول، وفي مزاد بيع المبادئ دارت على نفسها مائة وثمانين درجة لتلتقي هذه المرة مع قوى الهيمنة الرأسمالية، ومن باب التكتيكات المخادعة أيضاً بشرتنا بطرح السودان الجديد الذي غررت فكرته بكثيرٍ من المحبطين من سياسات ما يسمى بالسودان القديم،مستغلة ً بهذا الشعار البارق أبناء جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ليكونوا وقوداً لأهدافها الإستراتيجية التي كشفت عنها الأيام فما عادت تخفى على الغرير الساذج ولا تفوت حتى على من به حصر.
ورحمةً بشعب السودان جنوباً وشمالاً فإنه ينبغي على أصحاب البنادق الطويلة هؤلاء أن يجنبوا البلاد الدخول في متاهات التدويل وتعريضها لخطر الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ما وضعت تحت رحمته دولة من الدول إلا ولحقها الخراب والدمار،فالشعب السوداني الطيب الكريم قد سئم من المشكلات التي تنهال على رأسه مع فجر كل يوم جديد،وبسبب تصرفات الشريكين حيال قضاياه أصيب بإحباطٍ لم ينجُ من هوله حتى الطفل الرضيع ،فارحمونا وارحموا شعباً ما عادت تهمه قضية الوحدة ولا الانفصال بقدر ما يهمه الأمن والسلام،وأظن أن كثيرين منا وقفوا من خلال مؤشرات الرأي في المنتديات الأسفيرية على موقف الشباب من قضية الحرب وعدم استعداهم لأن يكونوا وقوداً لها،بل تساءل أغلبهم عن ماهية العقيدة التي يمكن أن تكون حافزاً ودافعاً إلى التقاتل بين أبناء وطنٍ واحد،فهل يا ترى تكون قيادات الشريكين على قدر تحدي السلام المأمول، أم أنهما يشعلانها بسوساً داحساً غبراء، يتمثلان فيها قول القائل : (وأحياناً على بكرٍ أخينا .. إذا ما لم نجد إلا أخانا)، فاللهم إنّا لا نسألك رد القدر ولكن نسألك اللطف فيه رحمةً بشعبٍ عانى وكابد،وتهجر في كافة بلاد الله كرهاً،بعد أن سيم من نخبه ظلماً وإجحافاً وخسفا،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* المحامي

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 867

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خليفة السمري
خليفة السمري

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة