المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
فتحي الضَّـو
معايير أهل السودان.. الفريضة الغائبة .
معايير أهل السودان.. الفريضة الغائبة .
05-19-2010 02:12 PM

معايير أهل السودان.. الفريضة الغائبة ..

فتحي الضَّـو
[email protected]

تمخضت الانتخابات فولدت عبارة واحدة سار بها الركبان، من مراقبين محليين واقليميين ودوليين. فقد اتفقوا جميعاً على انها (لم تكن مطابقة للمعايير الدولية) ولمَّا كان هذا الوصف قد أجهض خُطط العُصبة الحاكمة في التمتع بالتزوير، وبعثر أحلامها الهادفة للتمكين بصورة شرعية.. كان متوقعاً عدم قبولها والتسليم بتلك الشهادة الدامغة، وهو ما حدث بالفعل وبمكابرة رفضت الانصياع للحق تماماً. فقد انبرى سدنتها وكُتَّاب السلاطين في ممارسة هواياتهم المُفضلة في التشكيك والتحوير والتضليل. إذ قالوا للناس إن المعايير الدولية تلك هي مجرد ترف حضاري يتعاطاه أصحاب العيون الخُضر للترفيه عن أنفسهم. واضافوا أن شعب السودان (الطيب) لا علاقة له بهذه المعايير بل لا ينبغي له، بدعوى أنه شعب (يتيم) لم يبلغ شأواً عظيماً في الممارسة الديمقراطية، وبنفس القدر لم ينل حظاً وفيراً في استخدام الحرية المسؤولة. والمفارقة إنها ذات المزاعم التي ظلوا يروجونها بدعم من آخرين، يدَّعون فيها أن شعوب العالم الثالث لا تستحق حكماً ديمقراطياً، لأنها – بحسب ظنونهم – تقبع في درك سحيق من الجهل والتخلف والانحطاط. والغريب في الأمر أنهم لا يذهبون إلى أبعد من ذلك في تفسيراتهم، لأنهم لا يريدون أن يواجهوا حقيقة أن الأنظمة الديكتاتورية نفسها، هي التي سببت تلك المآسي. ولا حتمية أن الديمقراطية.. هي السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق!

في التقدير أن مجرد الإيحاء بفوارق بين فسطاطين في المعايير الإنسانية هو محض عنصرية بغيضة. فالإنسان الذي كرمه خالقه، عملت كل القوانين والدساتير والأعراف على تكريس ذلك المبدأ الربَّاني. وبالطبع لا يمكن لأي إنسان أن يعمل للحطِّ من كرامته، فالذي يفعل ذلك دائماً هي الأنظمة الديكتاتورية والشمولية البغيضة.. مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تجهيله وتخلفه الحضاري. بناءً على هذا التوصيف، يمكن القول إن الانتخابات لم تكن مطابقة للمعايير السودانية، والتي هي بالضرورة ذات المعايير الدولية. إذ أنه لا يمكن لعاقل أن يقول إن الصدق والنزاهة والأمانة – وهي ركائز العملية الانتخابية - معايير دولية وليست معايير محلية. فالواقع إنها قِيماً تشكل قاسماً مشتركاً بين ما يسمونه بالمعايير الدولية والمعايير المحلية لدرجة يتماهي فيها الاثنان، الأمر الذي يتضاد مع ما يريد أن يوحي به دهاقنة العصبة ذوي البأس. وبناءً على هذا يمكن القول أيضاً، إن المراقبين الأجانب حينما نطقوا بعبارة (المعايير الدولية) فذلك لم يعن أن الانتخابات طابقت المعايير المحلية، فالراجح عندي أنهم افترضوا بمثلما فعلنا، أن المعايير المحلية والدولية وجهان لعملة واحدة!

بيد أنه بقليل من الاجتهاد يمكن القول إن للعصبة الحاكمة مآرب أخر في الترويج لهذه المزاعم، فهي تريد أن تعطي تزويرها مشروعية، لأنها تفترض في الناخبين الذين يدلون بأصواتهم قصوراً في اختيار (القوي الأمين) كما يقولون. وهو معيار آخر لا يخلو من استعارة انتهازية. علاوة على أنه بترويجها الفصل بين المعيارين، تريد العصبة أن تُغيِّر ميدان معركتها من الداخل إلى الخارج. الأمر الذي يعني تغير (عدوها) تبعاً لذلك من شعبٍ يرزخ تحت ويلاتها، إلى مجتمع دولي لا ناقة له ولا جمل بأفعالها. وتأكيداً لذلك كلنا يعلم أن العصبة الحاكمة ظلت وعلى مدي أكثر من عقدين من الزمن، تدعي وهماً أن معركتها مع المجتمع الدولي (كناطح الصخر بقرنيه) مع أن معركتها الحقيقة مع شعبها الذي اكتوى بنيران ممارساتها الاستبدادية. ولهذا ليس غريباً أن تبحث عن حلول لمشاكلها في ديار الآخرين، وتتجاهل الحل الذي يوجد في عقر داخلها. لكن الغريب حقاً، أن تراهم يتهافتون على إرضاء المجتمع الدولي في السر، ويلعنونه في العلن.. في ايحاء ببطولة لم تقتل ذبابة!

دعونا نضرب بذلك مثلاً عملياً يغني عن كل تنظير. جرت في العام 1986 آخر انتخابات نيابية، ولك مطلق الحرية - يا عزيزي القاريء - أن تقول عنها إنها جرت بالمعايير الدولية أو السودانية، طالما أن الأمر عندي سيان. تلك الانتخابات وكما هو معروف جرت في اجواء هادئة، وبتكاليف لم تبلغ ربع تكاليف الانتخابات الحالية. ولم يقدم لمراقبتها أحد من المجتمع الدولي أو الاقليمي، ولم يكن هاجس الحاكمين إصدار شهادة براءة بأمانتها ونزاهتها وشفافيتها، ذلك بالرغم من عبث الديكتاتورية الثانية بقيم ومُثل أهل السودان، تماماً كما أختها الحالية في الرضاعة. ولكن لأن الثورات شأنها شأن كل مزيلٍ للأوساخ، فقد غسلت انتفاضة أبريل 1985 كل بلايا ورزايا النظام الديكتاتوري البائد، وعندما عُقدت الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية أقبل عليها الناس بنفوس رضية لممارسة حقوقهم الديمقراطية المشروعة، أتوا من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم مقبلين على صناديق الانتخابات بعيداً عن أجواء الترهيب والترغيب. كانت تلك انتخابات لم تهدر فيها أموال الدولة لشراء أصحاب الذمم الضعيفة، ولم تستغل عصبة حاكمة نفوذها وتبيح لنفسها حقوقاً حرمتها على الآخرين. ولم يكتشف أحد تزويراً واضحاً أو فاضحاً أو مستتراً، مثلما حدث مع صنوتها الحالية التي وثق لها الناس تزويراتها بالصوت والصورة!

فما الذي حدث لمعايير أهل السودان التي كانت في العام 1986 مطبقة لمعايير المجتمع الدولي وأصبحت في انتخابات 2010 تسبح في فلك آخر. بودي أن تسأل العصبة ذوي البأس نفسها أسئلة موضوعية بعيداً عن افتراض النوايا السيئة في طارحها حتى وإن خالفها الرأي والتوجهات.. ماذا يعني قدوم أكثر من 800 مراقب أجنبي للإشراف على انتخابات قُطرية؟ ما الذي يعنيه أيضاً إشراف أكثر من 5000 آلاف مراقب محلي على هذه الانتخابات؟ وكيف يجرؤ من تمت محاصرته برقيب وعتيد أن يمارس أفعال تزويرية فاضحة، بدرجة جعلت هذه الانتخابات نموذجاً في الفساد، ليس على مستوى السودان فحسب وإنما على المستوى الدولي؟ ماذا يعني تخصيص أكثر من 35 ألف شرطي وأكثر من 4500 ضابط شرطة في العاصمة المثلثة وحدها، بالاضافة إلى أولئك الأشباح المعلومين الذي لا يفصحون عن اسمائهم ولا هوياتهم؟ ماذا يعني أن يكون أؤلئك مدججين بأسلحة فتاكة صنعت خصيصاً لقتال الأعداء، تحملهم دبابات وآليات مدرعة تقف شاهرة مدافعها في قلب العاصمة، وتحوم فوقهم طائرات أبابيل تجوس الفضاء لكي تبث الرعب في قلوب ناظريها؟ كيف يمكن أن تستقيم هذه الصورة الحربية مع انتخابات ديمقراطية؟ ما تفسير التناقض المريع في أن هذه العدة والعتاد موجه لمواطن يضرب الناس به المثل في الوداعة والسُلم؟ هل تخشى السلطة من مواطنها أم يخشى مواطنها منها؟ وما جدوى صندوق انتخابات يجاور صندوق ذخيرة؟

أين ذهبت يا هؤلاء.. معايير أهل السودان التي أنجزت آخر انتخابات ديمقراطية برلمانية، وكيف حلت محلها تلك المعايير المدججة بالسلاح والشكوك؟ كلنا يعلم أن العصبة الحاكمة منذ أن هبطت على هذه البلاد كالجراد الصحراوي، أحالت صبحها الوضيء إلى ليل بهيم. كنت ممن يظن أن العصبة فشلت في إعادة صياغة الإنسان السوداني، مثلما ادعوا في بداية عهدهم بالسلطة. ولكن يمكن القول برغم استهجان الناس لذلك التنطع العرقي، إلا أنهم نجحوا في مهمتهم المقدسة ولكن في الاتجاه السالب. كأن الناس قد ناموا نوم أهل الكهف وصحوا بعد عقدين ليكتشفوا أن الفساد الذي كانوا ينبذونه، قد صار حلماً تهفو لها قلوب العصبة وأفئدتها، نظر النيام حولهم فرأوا الشجاعة التي تغنت بها الأجيال وقد توارت وحلَّ محلها الخنوع، تأملوا الكبرياء يرحل منكسراً وقد احتل الذل والهوان مكانه. بحثوا عن لسان ينطقون به قول الحق في وجه سلطان جائر مثلما فعلوا في ثورتين شعبيتين فألفوه وقد ضاع في ثنايا أحشائهم، نظروا لقيم الأمانة والصدق والنزاهة فأدركوها تصلي صلاة الخسوف. تأملوا الطهر والعفاف والفضيلة فوجدوها طفولة تنتحب كسوفاً في (دار المايقوما)!

لم يُدهشنِ التزوير الذي قامت به العصبة، بل إنني كنت سأندهش حقاً لو لم تفعل، فهو مؤصل في أقوالها ومنصوص عليه في أفعالها. وبالرغم من أنه كان أوضح من الشمس في رابعة السماء، إلا أن الذي زاد حيرتي تلك الجرأة التي استخفت بعقول الخلق وافترت على خالقهم كذباً. فقد كنت أتفرس وجوهاً حامت حولها شبهات التزوير تطل علينا بصورة راتبة في فضائية عبد الله بن أبي سلول وهم ينفونه كأنهم يلقون عليك تحية الصباح. لم يساورن أدنى شك في أنهم كانوا يقومون بمهمتهم المقدسة تلك، بعد قدومهم من صلاة الفجر التي ختموها بالتشهد والصلاة على سيدنا محمد وآله. الذي زاد من محنتي أن الذين مارسوا التزوير كانت تعلو جباههم غُرة من أثر السجود، يتحدثون بينما أيديهم تمسح برفق أذقان بللها الدمع من خشية الله. الذي زاد كربتي أن المزورين الذي أعرفهم من سيمائهم قالوا إنهم ممن لا يستطيعون حرمان أنفسهم من الحج كل عام تقرباً وزلفى لله رب العالمين. الذي كاثر عليَّ أوجاعي أن المزورين الذي أستطيع فرزهم كما يفرز الناس الخبيث من الطيب، رأيتهم يقسمون بأغلظ الإيمان.. أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة وعادلة؟ الذي فاقم عليَّ ألمي أن المزورين الذين رأيتهم.. كانوا ممن يرتادون المساجد ويتلون كتاب الله تهجداً وتبتلاً!

بالأمس شاهدت من كانت سيماءه في وجهه من أثر التزوير، يقول بملء فيه (المعروف أن الحزب الحاكم في كل الدنيا يستخدم امكانات الدولة لصالحه في الانتخابات، فما الغريب في أن يفعل المؤتمر الوطني ذلك؟) ذلك ليس غريباً يا سيدي، ولكن الغريب أن نسمع ونشاهد هذه الترهات بمحض ارادتنا. لكننا نعلم أنه في ظل الأنظمة الشمولية دائما ما تنمو وتترعرع مثل هذه الطحالب البشرية. لعل البعض يذكر يوم أن ازدادت قطوعات الكهرباء في عهد الرئيس المخلوع نميري، إذ أطلَّ من جهاز التلفزيون أحد صناع الديكتاتوريات وطفق يحدث الناس عن فوائد الظلام! وفي الاسبوع الماضي كتب ناشر الصحيفة التي أدمنت النفاق عنواناً لترهاته الاسبوعية وقال إن حزبهم كان اسمه (المؤتمر الوطني) وبعد الانتخابات سيصبح اسمه (الوطن المؤتمر) فانظر يا هداك الله إلى هذه العنجهية الجوفاء التي جعلت من وطن رغم سموه يأتمر بأوامر عصبة حاكمة. لكن ماذا تقول في مصطفى عثمان ذلك السياسي المعجزة الذي خاطب أهل القولد أثناء الانتخابات وقال لهم (الما داير يدينا صوته، ما يمشي في ظلطنا، وما يولع كهربتنا، وما يشرب مويتنا) مع ملاحظة أنه كان يطمح في أصوات الناس! وهو الذي لم ينس الناس له قوله المأثور الآخر في رهط من السودانيين في مبنى السفارة السودانية بمدينة الرياض السعودية (هذه الحكومة عندما جاءت إلى السلطة، الشعب السوداني كان مثل الشحاتين) ولمثل هذه الترهات تقول العرب العاربة.. بخ بخ!!



ينشر بالتزامن مع صحيفة الأحداث 26/4/2010


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1578

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتحي الضَّـو
 فتحي الضَّـو

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة