المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
يحي فضل الله
متـاهة
متـاهة
12-18-2012 03:33 PM

تداعيات
ــــــــــ
يحيي فضل الله
[email protected]

ـــــــــــــ
متـاهة
ــــــــــــــ
تعقدت الأمور أصبح عاليها سافلها - ما عادت الأشياء هي الأشياء، هربت الأسماء من معانيها ، اختلطت المعاني تاركة مسمياتها . كان الزمان وقتها لا يعني شيئا، لم يعد الناس يفهمون شيئا ، تزيفت المفاهيم ، اختلطت الأقاويل اصبح الظرف خانقا ، لم يعد محتملا .

أصبحت نظرات الناس فارغة ، خطواتهم على الشوارع كبيرة تمضي دون أثر واختفى واقع الأقدام على الدروب النائية البعيدة ، لم تعد تسمع أصواتهم ، غابت تلك الصيحات الحميمة التي تسمع في الأفراح والاتراح ، ضاعت الهمسات في بحر من الصمت المتعمد ، يقال إن آخر همسة سمعت كانت منذ زمن ليس بقريب ، كأن الناس لا يعرفون بعضهم البعض ، انتهت الإشارات والتحايا .
واصبحوا يتحركون بالية رخوة ومجوفة ، كل في عزلته ، حتى الأطفال كفوا عن اللعب واختفت ضحكاتهم وصرخاتهم الحبيبة من المنازل والشوارع ،اصبحوا هامدين بلا أي معاي من معاني طفولة .
لم يبق سوى الفراغ - الشوارع فارغة من الناس ، كان ذلك بعد صمت طويل ، اختفت التجمعات من الأسواق والشوارع والمطاعم والمقاهي ودور السينما والمسارح ودور الرياضة - حتى البصات والحافلات ، المدارس والجامعات فقدت تلاميذها وطلابها ، جمود في كل مكان ، لم يعرف السبب وراء ذلك ولكن بعض التقارير تشير إلى هذه الحالة باعتبارها حالة شاذة لا يمكن تفسيرها وتحاول بعض التبريرات أن تضع أصابعها على السبب في حدوث ذلك .
خانقة كانت الحياة ، ضغوط المعيشة تزداد يوما بعد يوم - اختفت الضحكات والابتسامات ، اصبح الفرح غاليا ، اختفى الود بين الازواج ، لم يعد للحب طاقة تحسها لدى العشاق ، الأناشيد والأغاني الهابطة ، زحمة صفوف المواد التموينية ، الازدياد الهائل في عدد التجار ، طعم اللاجدوي اليومي اللهث والجري خلف المواصلات ، صعوبة العثور على الدواء ، الإعلانات المنتشرة المضخمة ، اللهث

الدائري وراء لقمة العيش ، مكائد تدبر كل يوم، ازدحام مكاتب الجوازات والهجرة ، سخف في كل مكان - الكل يحاول الهروب
في البداية أخذ الصمت موضعه بين الناس - لا أحد يتحدث إلي أحد ، لا أحد ينظر إلي أحد و كأن ذلك قد تم باتفاق ، لم ينتبه الحكام لهذا الصمت ، بل بدأت الراحة والدعة عليهم، حيث لا احتجاجات ولا مظاهرات ولا إضرابات وكانوا يواصلون حياتهم البهيجة مستغلين هذا الصمت ، يثرثرون في أجهزة الإعلام وعلى صفحات الجرائد ولم ينتبه أحد منهم لخطورة هذا الصمت الذي خيم على الناس بعد أن جربوا كل وسائل الاحتجاج على كل ما يحدث في مظاهر هذه الحياة التي فقدت طعمها .
كان آخر ما شوهد في الشوارع هو بعض العاشقين ، كانوا يتنزهون مصرين على العشق وفي صمت رهيب ، ضاعت بينهم تعابير العشق ،أصبحت ملامحهم جامدة فلم يطيقوا بعض ولكنهم يحاولون ممارسة العشق قسرا عن طريق استرجاع الذاكرة التي هي نفسها قد عطلها الصمت - لم يستطيعوا الصمود فهرب الحبيب من الحبيبة وفر العاشق من عشيقته وبعدها صارت الأماكن خالية .
حدث ذلك في يوم لا اسم له ، يوم من تلك الأيام التي ضاع فيها طعم الحياة ، كان " عبدالله " يقف في صف ممتد بحثا عن الرغيف - الأسرة تنتظره الزحمة لا تطاق ، انطلقت منه صرخة، بعدها وقع على الأرض ، حين حمل إلي المستشفى ، كان قد فارق الحياة ، هذه حادثة عادية ولكن ما حدث لـ ( آمنة ) بائعة الشاي لم يكن عاديا ،داهمها أحد شرطة السوق الشعبي وحطم الأواني وحاولت مقاومته

ولكنه ضربها حتى سقطت بقية أسنانها وبعدها بكت " آمنة " حتى تشنجت وفقدت القدرة على الكلام ، يقال أنها أول إشارة لذلك الصمت الذي امتد إلى كل الناس ، تسرب وانتشر - تداخل والتف بكل المخلوقات ، الكلاب نسيت نباحها واختفى من القطط المواء ومن الطيور حفيف أجنحتها ، حتى الصراصير والجنادب فقدت صوتها وكان الصوت الوحيد والمتضخم وفي انتشار قلق هو صوت الميكرفونات والراديو والتلفزيون ولكن لا أحد يسمع .( عطية ) مجنون السوق الذي كان الصراخ ميزة مهمة في جنونه ، قبع تحت شجرة النيم ووضع يديه على وجهه وصمت - أصوات الباعة المتجولين ابتلعها الصمت ، جمود في كل مكان ، الشوارع خالية تماماً من الناس ، البصات ، الحافلات خالية وجامدة في أمكانها ، الأسواق فارغة ، المقاهي ، والمطاعم ، كل أماكن التجمعات ، كل اوجه النشاط الحياتي لا حراك فيها ، فقدت كل الأماكن معانيها ، اصبح بعدها الزمن هلاميا لا يحسب ولا يعرف ولا يتذوق ، اللافتات
المعلقة في كل مكان وفي أي وقت وفي أي شارع تحمل شعاراتها الميتة ولكن

لا أحد يقرأ ، ولا أحد يسمع ، لا احد يري ولا أحد يرى .

انتبهت أجهزة الحكم أخيراً لما حدث - تحركت الميكرفونات تدعو الناس إلي الظهور كانت تلعلع بكل قواها ، ارتجف الحكام لاختفاء الناس ، حاولوا كل الإغراءات - ظهرت إعلانات متفجرة وملونة في السماء تؤكد انخفاض الأسعار - اخترع وبعناية جذابة شكل فنتازي لبيانات معلقة في السماء توصي بهبات مالية لكل الناس ، كتبت على الشوارع ألاسفلت والطرق الترابية استجابة لكل مطالب الناس ، دقت الطبول ، عزفت الموسيقى الصاخبة ، تكررت بكثافة نداءات منغمة
وهامسة مستجدية ، وزعت الأطعمة الشهية بقذفها داخل البيوت معبأة في أكياس النايلون الملون وذلك بعد اكتشاف أن طرق الأبواب لا استجابة لها - وزعت بنفس الطريقة جوالات السكر والفحم وصفائح الجبن والزيوت وعلب اللبن وكراتين الصابون والشاي وكان الخبز يقذف بكميات هائلة ولكن لا أحد يستجيب .
اختفى الناس من كل مكان ، حدث ذلك في يوم لا اسم له - يوم من تلك الأيام ، حينها نشطت المخابرات وأجهزة التجسس والتحسس والتصنت والتلمس والتصرف محاولة أن تعيد الناس إلي ما كانت عليه ولكن لا جدوى ، تمت الاستعانة بجهاز الكمبيوتر وحيث أن الجهاز مصمم على خلايا وفعاليات الذاكرة الإنسانية صمت تماماً عن الإدلاء بأي معلومة تفيد فيما حدث .
كان وقتها مبنى الحكومة يضج بالاجتماعات وقرر الحكام اقتحام المنازل في كل الأحياء وإخراج الناس منها عنوة، قذف بمسيل الدموع بكثافة داخل البيوت ، اخترق الرصاص الغرف والفرندات ، النيران التهمت منازل القش والكرتون وكانت طائرات الهيلوكبتر تحلق وتستكشف ولكن لم يكن هناك أحد .
اختفى الناس من كل البيوت - الأحياء خالية تماماً من البشر، حتى السجون اختفى منها السجناء والسجانون واختفت تبعا لذلك الحيوانات الأليفة ، الطيور والعصافير هجرت أعشاشها واختفت ، الذباب اختفى ،النمل كف عن حركته النشطة واختفى ، صمت الناس واختفوا وكان نتيجة لذلك أن أجهش الحكام بالبكاء المتواصل وأعتبر أن ذلك الاجتماع كان فوق العادة

في ذلك اليوم الذي لا اسم له ، اختفى الناس من كل الأماكن ، لم تعد الأماكن أماكن لذلك بدأت في الاختفاء ، اختفت الأسواق ، الشوارع الترابية حولت نفسها إلى غبار واختفت ، الأشجار صفقت باغصانها مرة واحدة وضاعت في الفراغ ، العمارات الشاهقة تقازمت حتى ضاعت معالمها ، أعمدة الكهرباء التصقت ببعضها البعض واختفت ، البصات - الحافلات - الشاحنات اللواري والعربات الفارهة تناثر حديدها في الهواء وذابت ، الهواء جمع ذراته واختفى وتلاشى ، اختفت الارض ، اختفت السماء واختفى ما بينهما ،اختفي المكان ، اختفي الزمان ، اختفي ما بينهما اصبح الكون هلاميا - حتى هلاميته اختفت .
حين صمت الناس واختفوا ، اختفت الأشياء المتعلقة بالناس وحين اختفت الأشياء اختفت معانيها وحين اختفت المعاني اختفت الأسماء وحين اختفى الشيء اختفى ضده الآخر ، اختفى الأصل والظل لم تعد هناك نقائض .
في ذلك اليوم الذي لا اسم له يوم من تلك الأيام التي اختفت فيها الحياة ، اختفت فيها كل مظاهر الحياة وكل مظاهر الموت ، في ذلك اليوم وبالرغم من هذا الاختفاء كان مبنى الحكومة معلقاً في لا زمان ولا مكان وكان الحكام يتراكضون داخل هذا المبنى المصر جداً على وجوده بحثا عن مخرج ولكن هذا الركض لم يطل .
تهامست حجارة المبنى إلي بعضها البعض ، نقل الهمس إلي مواد السقف والأرضية ، والأرائك والوسائد الناعمة نقلت الهمس إلي البلاط اللامع ، عم الهمس كل المبني وفجأة تناثرت مكونات كل المبنى واختفت لتترك الحكام معلقين في لا مكان ولا زمان وحين فكروا في
الهروب وجدوا أن الهروب كفعل قد اختفى كما اختفت كل عناصر الحياة ,

*****


تعليقات 10 | إهداء 1 | زيارات 2718

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#538801 [Aziz]
0.00/5 (0 صوت)

12-19-2012 08:04 AM
(ولكن ما حدث لـ ( آمنة ) بائعة الشاي لم يكن عاديا ،داهمها أحد شرطة السوق الشعبي وحطم الأواني وحاولت مقاومته)

انه واقع اليوم الذي نعيشه ايها الفنان الرائع انها صورة حقيقية من ارض الواقع تتكلم وتتحرك من لحم ودم.


(اختفت السماء واختفى ما بينهما ،اختفي المكان ، اختفي الزمان ، اختفي ما بينهما اصبح الكون هلاميا - حتى هلاميته اختفت .)

فن بديع يا أستاذ يحيى حتى الهلامية نفسها اختفت
متعك الله بموفور الصحة العافية ومزيدا من الابداع والتألق .


#538758 [العنقالي]
5.00/5 (1 صوت)

12-19-2012 05:20 AM
حين صمت الناس واختفوا ، اختفت الأشياء المتعلقة بالناس وحين اختفت الأشياء اختفت معانيها وحين اختفت المعاني اختفت الأسماء وحين اختفى الشيء اختفى ضده الآخر ، اختفى الأصل والظل لم تعد هناك نقائض .
______
جوهر النص هنا
الافكار تتقافز من هذا النص الباذخ , واعتقد ان النقد امامه مهمة كبيره فى اعادة قراءة مثل هذه النصوص الكبيرة
النص دا قديم بالمناسبة لكنه مهم رغم طوله
شكرا للكاتب المبدع


#538691 [زوله كده]
4.07/5 (5 صوت)

12-19-2012 12:34 AM
، عم الهمس كل المبني وفجأة تناثرت مكونات كل المبنى واختفت لتترك الحكام معلقين في لا مكان ولا زمان وحين فكروا في
الهروب وجدوا أن الهروب كفعل قد اختفى كما اختفت كل عناصر الحياة ,




يا الله على التصوير الرائع البليغ بالجد كنا محتاجين المقال ده ...

تسلم يا رائع


#538616 [خالد دودة]
4.19/5 (6 صوت)

12-18-2012 09:51 PM
ما معنى هذا الصّمت الذي لا ينتهي وبرغم حوجتنا الصُّراخ ؟
هل يختفي الظّل الذي لا ينتمي إلاّ لمعرفتي وجهلي ؟
هل نودّع بعضنا ونذهب في سراب الذّكريات ؟
كيف تبدو الذّكريات ؟
كيف يبدو طعم أيّام الشّجن ؟
من يعلّم ذكرياتي كُلّ أشكال التّداعي ؟
والرّحيل المُرّ دوماً ؟
حين يختلط المدى بالمآسي والمخاوف وإحتضار الأُمنيات ؟
تَعِبٌ هو البرق الذي لا يضيءُ أقبية الخبايا
لا ينتمي للسُّحبِ والعشب الذي لا يرتوي
إلاّ بطعمك يا عصيراً من خليط الدّهشةِ الأولى
(مدهش يااستاذ)


#538597 [القافل على كرت ميت]
4.07/5 (5 صوت)

12-18-2012 09:14 PM
ما أروعها من تداعيات، ولكن..
هل يقرأون!
وإذا قرأوا..
هل يستوعبون!
وإذا استوعبوا,,
هل يتفكرون!
و إذا تفكروا,,
هل يتعظون!
لا يتعظون؛...في اللاشعور حياتهم فكأهم صم الصخور.


#538498 [نصري]
4.07/5 (5 صوت)

12-18-2012 06:08 PM
دائما انت رائع ياود فضل الله بس عليك الله ماعاوزين سياسيه تب كفاية الحاصل في البلد عاوزين تداعيات وقصص اليفه لكي ننسي او نتناسي ولك الود


#538490 [طشاش]
4.07/5 (5 صوت)

12-18-2012 05:51 PM
يختبئ الخروج في الابواب...والعاشق الخائف في الدولاب

يختبئ العدد البسيط في مضاعفاته..وفي خرائب الليل تختبئ الاشباح

وشبح القاتل في رداء القتيل..يختبئ الجني في المصباح

وفي الاصابع المداعبة..يختبئ الخطيب في اردية الكلام

تختبئ الاشياء في وجودها..والارض في جدودها

تختبئ الشهوة في التحريم...وتوبة التائب في رداء مكرها القديم


#538461 [عوض خضر احمد]
4.07/5 (5 صوت)

12-18-2012 05:05 PM
يا للنشيج

كأنك تسمعنا خنوعنا من جديد ومن طرق جديده للسمع كأنك تستخدمك مهمازك الذي لايخيب

كي تجعلنا نتبوأ مكاننا بين الأمم مكاننا الشاغر حتي إشعار آخر

كأنك تنفخ فينا الزخم بطرق منابت الصمت كأنك تجترح صمتنا بحده لتجعل

عويلنا يمتد حتي مشارف بوابات الصراخ

كأنك تخنفنا بحبال صمتنا حتي نتشرج ونصدر صوتا ما

كأنك تبحث فينا عن ملامحنا عن اصطكاك تطلعنا عن شهيقنا المخبوء بعنايه

تحت مظاهر اللامبالاة والإنصراف والتقوقع داخل الذات

كأنك تجعلنا نستفيق كأنك تريد أن تقول لنا ساخرا أن الصمت الذي لاينتهي قد يؤدي لتراجع الغاصبين لك التحيه استاذنا وصلت الاشاره علي الاقل الي احدهم فصار يتقلب فوق احساس متقد بالخيبه وقلة الحيله أما بعد ذلك فنرجو أن يكون في الإتجاه الذي تشهنا إليه


#538451 [لتسألن]
4.07/5 (5 صوت)

12-18-2012 04:57 PM
اختفي كل شيء؛ اختفي أغلي ما وهب الله الانسان - الحرية، و ضاعت الاخلاق و انبهمت القيم و لابد للناس من قومة علي هذه الشرذمة الشريرة من الطغاة التي تتخذ البغي علي الناس إلها تتعبده و تعتنق البطش بهم دينا تتقرب به إليه زلفي.


#538413 [عزالدين]
4.54/5 (6 صوت)

12-18-2012 04:02 PM
رائع يااستاذ...الله يخليك


يحيي فضل الله
 يحيي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة