المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ضرورة تجديد الخطاب الديني
ضرورة تجديد الخطاب الديني
12-21-2012 02:10 PM

image


ضرورة تجديد الخطاب الديني

دلال الطيب
[email protected]

مدخل اول
أن من مفارقات الزمن ان النيل ابوقرون الذي وقف مع قانون الردة التي حكوم بموجه الشهيد محمود محمد طه , هو نفس القانون الذي استخدم ضد النيل ابو قرون لاستابته
و ان المفارقة الاخري هي ان الترابي الذي قال في حديث صحفي في جريدة الوطن في عام1986 تعقيبا علي حادثة اغتيال محمود محمد طه قال " ما دمتم مستشعرا" بديني . فأني لا اشعر بأي حسرة علي مقتل محمود محمد طه . ان ردته اكبر من كل انواع الردة التي عرفناها في الملل و النحل السابقة .. و عندما طبق نميري الشريعة تصدي لمعارضته .. لانه رائ عندئذ رجلا دينينا يريد ان يقوم بنبوة غير نبوته هو . و قتلته الغيرة فسفر بمعارضته و لقي مصرعه غير مأسوف عليه البته .. انتهي حديث الترابي
هو نفسه الترابي الذي اتهم بالردة


مدخل ثاني

فتح قاضي المحكمة الجلسة ..
بادر بسؤال القاتل .. ما الذي دفعك الي قتل فرج فودة
القاتل : لانه كافر
القاضي : و في اي الكتب التي قرائتها لفرج فودة , اكتشفت انه كافر
القاتل :انا لم اقراء اي كتاب لفرج فودة , لاني امي , لا اعرف اكتب او اقراء

فالذي قتل فرج فودة قطعا ليس هذا القاتل , فالقاتل كان مجرد اداة نفذت عملية القتل في لحظة استلاب بسبب الخطاب الديني , أما الذي قتل فرج فودة فهو الخطاب الديني المعاصر , و الذي كان و لا يزال يعيش ازمة حقيقة في سائر شعوب الامة الاسلامية , و العربية علي وجه التحديد
فالازمة التي يعيشها الخطاب الديني هي ازمة فكرية بالدرجة الاولي , و تتجلى في شكل غياب ثقافي , و تخلف علمي , و كسوف حضاري
و قد انبثق الخطاب الديني من المشروع الإسلامي ، الذي انصرف في جزء كبير منه إلى الكفاح و التعبئة له بحكم ظروف الصراع المرير بين الأمة و أعدائها الناتج عن احتلال ديار المسلمين في القرن الميلادي الماضي و بعد سقوط الدولة العثمانية ، و تحويل بعضها إلى مناطق حماية و نفوذ ، و بعضها الآخر إلى أسواق و مجالات حيوية ، أدى ذلك إلى انشغال الخطاب الديني و تكريسه من اجل حماية الأمة و توجيه اهتماماتها و طاقاتها نحو قضيتين أساسيتين : حفظ العقيدة من ناحية , و تعبئة الأمة للمواجهة السياسية و ربما الجهادية أو العسكريّة في بعض المواقع أو بعض الأحيان، من ناحية أخرى , ثم إذا بقي في الطاقات فضلة و جهت باتجاه القضايا الفقهية , لإعادة تقديمها و شرحها و اختصارها و مقارنتها بالقضايا القانونية للفكر الغربي
أما معالجة الأزمة الفكرية التي يعاني منها الخطاب الديني فلم يعطها هذا الخطاب ما تستحقه من العناية و الاهتمام، و ما تستلزمه من الدرس و التحليل , بل تحول هذا الخطاب الي غاز مسيل للدموع ضد تظاهرات العقل و العقلنة . بل و تحول الي اداة قاتله في بعض الاحيان ضد المفكرين الذين عملوا علي استحداث نهضة حداثوية للدين كي يتوافق مع ظروف واقعهم الجديد التي افرزته هذه السيرورة التطورية للتاريخ الانساني في كل مناحي الحياة
فالازمة التي يعاني منها الخطاب الديني بشكل عام علي وجه التحديد هي عدم قدرته علي موائمة الحاضر و استواعب الحداثة مما شكل له " صدمة حداثوية " سببت أزمة هوية ثقافية حادة بالنسبة لهذا الخطاب الديني ، و لذلك بدات هذه الازمة تفصح عن نفسها من خلال الخطاب الديني الذي يدعوا الي العودة مجددا" الي أكتشاف الواقع من خلال الماضي و ذلك من خلال التاكيد علي الاصالة الدينية المفقودة و هي الكفيلية وحدها بأيجاد الحلول لأزمتنا الحدآثوية التي نعاني منها .. و نتيجة لذلك فقد جنح هذا الخطاب الديني الي حقن الأمة بشحنات من الحماس و الخطب , و مزيد من التوثب الروحي , و التذكير بالأمجاد المشرقة للواقع التاريخي , الذي لم يدرس دراسة نقدية فاحصة , بل جنح الخطاب الي علي اعتبار العودة الي الماضي هي الكفيلة بإنطلاق الأمة من جديد نحو حياة إسلامية راغدة , و حضارة إسلامية جديدة , و وحدة إسلامية شاملة , دون بناء عالم فكريّ و مفاهيمي و معرفي و ثقافيّ صحيح يوجه حركة الأمة و يرسي قواعد سيرها و نهجها
و فقدان الرؤية الصائبة , و الاكتفاء بالإحساس بالمشكلة من دون التفكر و العمل علي ايجاد حل للازمة و يشهد على ذلك الواقع المتردي الذي تعيشه و تعاني منه الأمة .

و العلة اصبحت تكمن في هذا الخطاب في عدم قدرته علي خلق الارضية التي يقف عليها ، فهو يعاني من أزمة هوية مزمنه ، فلا هو الخطاب الذي ييعبر عن حداثته و بلغته مع الاحتفاظ بأصله ، و لا هو بالخطاب الذي يعيش في الماضي الذي ينشد منه الحل لأزماتنا الحالية
فالخطاب ركن الي الماضي و وقف عاجزا من يصنع خطابه التجديدي الذي يربط له حداثته بماضيه ، فكانت النظرة مصوبه دوما الي الماضي مع قفل النظر للذات و للواقع الذي ابتكر فيه العقل الحديث مناهج جديدة للبحث ، و فتح آفاقا" جديدة امام الفكر ، و راكم معارف هائلة في الميادين العلمية المختلفة ، الطبيعية منها و الانسانية
و نتيجة لغياب الفكر ، بل و أهماله من قبل الخطاب الديني ، فقد أدي ذلك الي تحول الخطاب الديني الي خطاب ماضوي يجنح الي عودتنا الي الماضي و التاريخ لنبحث عن حلول لأزمتنا الراهنه من أصول التاريخ الاسلامي
و أزمة الخطاب الديني تعكس بجلاء الازمة الفكرية الضاربة التي يعاني منها الخطاب الديني الذي يصنع مأزقه بنفسه ، فهو يعكس انفصامه عن الواقع الذي فرضه الانتاج المعرفي الهائل في شتي العلوم و غض الطرف عن كل هذا من خلال الرجوع للماضي ، من جهة
و من جهة أخري فأن هذا الخطاب يعكس حالة الهوس الذي يدفع بهذا الخطاب لضرب سياجات حول نفسه و تغليفها دينيا للبحث عن ما يميزهم و يصنع أختلافهم ، أي البحث عن هويتهم الخاصة و المنفصلة التي يكرسها الخطاب الديني بالنسبة للاخر
و لعل من قبيل المفارقة أن ينزع هذا الخطاب الديني للانطواء علي ذاته في عالم اصبحت فيه العولمة مرحلة مفروضة بقوة وسائل الاتصال التي فتحت الفضاء الكوني علي بعضه ، و بقوة الاقتصاد الذي اصبح يتأثر عالميا بما يجري حوله من أحداث
العالم انفتح علي بعضه لدرجة أنه من الصعب أن ينجح الخطاب الديني في فرض سياجه المنغلق علي خصوصيته الثقافية و التاريخية التي يريد ان يستهلم منها حل لازماته و مأزقه و هويته المتأرجحه بين واقعه و ماضيه ، و حتي يخرج هذا الخطاب من مأزقه فلا بد له من التجديد
فالثقافات الاخري اصبحت تفرض نفسها بمنطق القوة و الهيمنة لأمتلاكها اسباب العلم و الفكر ، و لابد من تصبح الثقافات الاخري هي الحافز لهذا الخطاب الديني للبحث عن اسباب التجديد للمحاولة بالنهوض لأعادة البناء بدل الهروب من الواقع و فرض السياج علي الخصوصية الدينية و الارتكان للماضي لحل مشاكل العصر



تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 936

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#545730 [عبد الرحمن مصطفى]
0.00/5 (0 صوت)

12-27-2012 09:26 PM
يقول سرحان:
إن أسوأ نظم الحكم في التاريخ يقف على رأسها نظام الخلافة
لا تعليق


#541419 [حسن]
1.00/5 (1 صوت)

12-22-2012 09:21 PM
طيب بس لو سمحت ارجع الى كل التاريخ الاسلامى وغير الاسلامى .
وتانى كمان شوف التجارب المعاشه
وكمان ما تنسى انك بتعيش فى زمن حكومة التيار الاسلام الزى يتزعمه كثير من النخبه
فهل انت يا عزيزى سعيد من قريب او بعيد بهذه التجربه .
شوف لو طقيت راسك بالسماء لا يمكن ان ينتج من الحكم الدينى شى غير الظلم والتخلف .
فى الجانب التانى الدين يمثل اداه اساسيه فى توازن الشخصيه وهو مهم مهم فى الجانب الشخصى فقط لماذا ؟؟؟ ... لانه عقيده والعقيده لا يعلمها الا الله لانه هو فقط يعلم ما فى
الصدور اما تجى تعمل منها قانون هذا كلام مثبت بالتاريخ فشله وفسقه
مش بالتاريخ بس ياخى فى دليل اكبر من انك عايش التجربه ... اصلا عايز تتعلم متين ؟


#540780 [Amin]
0.00/5 (0 صوت)

12-22-2012 02:19 AM
شكرا لك


الأحوال أسوء في أوروبا

معظم أئمة المساجد من محدودي الثقافة والأفق

الهاربين من بلادهم لأسباب عدة ...لا تقل المادية فيها أهمية

يحملون نفس الكلام المتشنج ( الذي ينام عنه الناس في الخطب)

ويبثونه في عقول غضة ..لها أشواق ومحبة دينية


والنتائج كارثية


#540625 [عبد الرحمن مصطفى]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2012 08:58 PM
المشكلة في الذين يعارضون الحركات الاسلامية والخطاب الديني الموجود أنهم ينتقدون فقط ولا يقدمون بديلا ؟؟؟
لماذا لا تقدم التيارات الاخرى مشروعها الاسلامي الحضاري النتلائم مع العصر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هذا يذكرني بركن نقاش في كلية التربية جامعة الخطوم في بداية التسعينات اقامه الطلاب المحايدون تحدثت مخاطبا المحايدين وقلت إذا كان الكيزان يرفعون شعارات الدين و يظهرون بمظاهر المتدينين وبناتهم محجبات ونجدهم الاكثر في المسجد ويقدمون برنامجا اسلاميا وهتافات اسلامية كل ذلك وللكسب السياسي وهم كاذبون ومخادعون ومنافقون... لكن عليكم انتم ان تحافظوا على الصلاة وترفعون شعارات الاسلام وتنادون بالشريعة وتعملون لها صدقا على طالباتكم ان ياتزمن بالحجاب التزاما باوامر الدين. عليكم ان تعملوا كل ذلك عن اقتناع ورغبة حقيقية.
لم يعجبهم هذا الكلان وثاروا في وجهي
باختصار
على كل من ينتقد طرح التيارات الاسلامية ان يقدم الطرح الاسلامي الافضل البديل
لكن للاسف 90% ممن ينتقدون الطرح الاسلامي يرفضونه جملة وتفصيلا . مثلا الكاتب تاج السر حسين يرفض رفضا باتا تطبيق الشريعة التي سادت في عهد الرسول ولو جاءت مبرأة من كل عيب وكذلك الشيوعيون ومن سار على دربهم من العلمانيين


ردود على عبد الرحمن مصطفى
United States [سرحان] 12-23-2012 12:57 PM
هل لو انتقدت النازية يلزمني أن أقدم بديل نازي عنها ؟ المشكلة الأساسية التي يحوم حولها الناقدون للتجارب الإسلامية في عهدنا الحاضر ، بل و في الماضي هي : هل الماضي كان كما يصوره المتأسلمون لنا ؟ هل حدث عدل حقيقي في الماضي بتطبيق الشريعة أو الشريعة المزعومة ؟ هل انتج الحكم الإسلامي بثوبه السلفي معرفة ؟ هل هناك علماء ينتمون لهذا الفهم استفادت منهم البشرية ؟ الحقيقة إن أسوأ نظم الحكم في التاريخ يقف على رأسها نظام الخلافة ...قليلون يجرؤون على ذكر المظالم التي وقعت على الشعوب الموطوءة خلال ما يسمى بالفتوحات .. لن ينتقد الناقدون مرحلة السبايا و الأرقاء و نهب الثروات ليحوزها العصبة القرشية بملايين الدينارات و آلاف الجواري و الرقيق ثم من بعدهم أحفادهم و أحفاد أحفادهم حتى نهاية الدولة العباسية و العصبة المتنفذة بعدهم . لماذا لا يناقش الناقدون أسباب التخلف الذي حاق بالمنطقة بعيدا عن تهويمات من نوع : الابتعاد عن شرع الله و شرع الله هذا حاضر في حياة الشعوب و نقص منه لفترة وجيزة الرجم و القطع و القطع من خلاف و الجلد في الساحات العماة كما يحدث عندنا اليوم ... قريبا ستتخلى أمريكا و العالم عن بترول الشرق الأوسط و يومها سيرجع أحبابنا لركوب الجمال لأنهم لم يجتهدوا في صنع أو المشاركة في صنع المعرفة ، أما في السودان فالبركة في (الكفار) الذين سيتولون إطعام أهله .

United States [حسن] 12-22-2012 09:20 PM
طيب بس لو سمحت ارجع الى كل التاريخ الاسلامى وغير الاسلامى .
وتانى كمان شوف التجارب المعاشه
وكمان ما تنسى انك بتعيش فى زمن حكومة التيار الاسلام الزى يتزعمه كثير من النخبه
فهل انت يا عزيزى سعيد من قريب او بعيد بهذه التجربه .
شوف لو طقيت راسك بالسماء لا يمكن ان ينتج من الحكم الدينى شى غير الظلم والتخلف .
فى الجانب التانى الدين يمثل اداه اساسيه فى توازن الشخصيه وهو مهم مهم فى الجانب الشخصى فقط لماذا ؟؟؟ ... لانه عقيده والعقيده لا يعلمها الا الله لانه هو فقط يعلم ما فى
الصدور اما تجى تعمل منها قانون هذا كلام مثبت بالتاريخ فشله وفسقه
مش بالتاريخ بس ياخى فى دليل اكبر من انك عايش التجربه ... اصلا عايز تتعلم متين ؟


دلال الطيب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة