المقالات
منوعات
كالورد ينفح بالشذى حتى أنوف السارقيه
كالورد ينفح بالشذى حتى أنوف السارقيه
12-27-2012 03:39 AM

كالورد ينفح بالشذى حتى أنوف السارقيه .

محمد المكي إبراهيم
[email protected]

مهداة إلى السفير الشاعر جمال محمد ابراهيم
يمثل التجاني يوسف بشير دوحة باسقة في حديقة الشعر السوداني ويمثل ديوانه الوحيد منهلا عذباً سائغاً لأجيال الادباء والشعراء السودانيين. والتجاني بحياته القاسية وموته الباكر يحتل في خاطري موقع الفرنسي آرتور رامبو الذي كتب اروع أشعاره وهو دون العشرين وقضى بقية عمره الشريد في التجارة والمغامرة بعيدا عن الأشعار والأفكار ومات في السابعة والأربعين بينما اختطف الموت شاعرنا العبقري قبل أن يبلغ الثلاثين.
في الذكرى المئوية للشاعر الضخم جدد الأدباء السودانيون حزنهم على ذلك العبقري وعلى أضرابه من أدباء السودان ومظاليمه وجددوا – دون قصد- حزنهم الشخصي على ذواتهم التي تنتظر مع التجاني مائة عام أخرى من النسيان كما قال الشاعر /الروائي/ السفير جمال محمد إبراهيم. والواقع إن ما جرى للتجاني هو حقيقة نوع من النسيان إلا أنه نسيان متقطع تتخلله صحوات متيقظة سرعان ما تستسلم للذهول. وبين المحو والإثبات عاشت ذكرى الشاعر العظيم قريباً من المائة عام بين الاحتفاء الشكلي الذي لا يقوم على أساس والاهتمام النقدي الذي يبلور الذات الشاعرة ويقدمها للجمهور نقيةً ومصقولةً كالجوهرة.
حظي التجاني بالاحتفاء الحقيقي مرتين :
• الأولى حين تنادي أدباء السودان قريباً من عام 1959 لتجديد ذكراه فقدموا للجمهور القارئ مجموعة من الدراسات والإضاءات ساعدت كثيراً في تفهم الظروف الحياتية التي أخرجت من حناياه ذلك الشعر العظيم. وعلى عكس تقاليدنا الشفاهية جمع المحتفون بالتجاني كلماتهم ودراساتهم في كتاب مطبوع نشروا طبعته الاولى على الملأ فأصبح واحدا من أهم المراجع حول شعره الجميل. إلا أن ذلك المرجع الهام غدا مع مرور الوقت أندر من الكبريت الأحمر أو إذا شئت أندر من النزاهة بين السياسيين.
• وكانت المرة الثانية حين التفت الشاعر الكبير محمد عبد الحي إلى أدب التجاني وبذوق الشاعر وإطلاع الأكاديمي كتب محمد شعراً ونثراً عن التجاني وأدبه وأضاف إلى آثاره الشعرية مجموعة من المقالات والدراسات الواردة في كتاب نفثات اليراع منسوبة إلى المؤرخ الكبير محمد عبدالرحيم وهي في واقع الامر من إنشاء التجاني وذلك استدلالاً بلغتها المستمدة من قاموس التجاني وأفكارها القريبة جداً من الأفكار التي تليق بشاعرٍ حداثي من طرازه. وقد مضى عبد الحي أبعد من ذلك حيث اتفق مع نفر من عشيرة التجاني الادنين على مراجعة وضبط ديوانه الذي تلاعبت به أيدي الناشرين البيروتيين فلم يعنوا بضبطه وتنقيحه وعلى العكس نشروا له عدة طبعات مليئة بفوادح الأخطاء. وكان اعتقادي دائماً أن مراجعة التجاني تحتاج لشاعرٍ آخر يتوافر له إلى جانب المعرفة اللغوية والعروضية حس الشاعر وخياله ليتخيل مقاصد التجاني ويعبر عنها ليس فقط بسلاسةٍ لغويةٍ وإنما أيضاً برهافةٍ شعريةً وسلامةٍ عروضيةٍ ولم يكن هنالك من هو أقدر على ذلك من عبد الحي الذي أضاف لكل تلك المتطلبات محبةً صافيةً للشاعر الراحل عبر عنها وهو يناديه في واحدة من روائع اشعاره:
هل أنت غير إشارة؟؟
* *
في أوائل هذا العهد الإنقادي فوجئنا بتحويل دوار نمرة اثنين الأول(باعتبار الثاني هو إبراهيم أحمد والثالث هو أوزون) إلى حديقةٍ تحمل اسم التجاني يوسف بشير ولكنه سرعان ما اتضح الهدف الحقيقي لتسوير الدوار واطلاق الاسم فقد كان وراء ذلك مقاصد تجارية هدفت إلى تحويل الدوار بكامله إلى مقصف يبيع لرواده أصنافاً من المأكول والمشروب وتقول بعض الروايات أنه سرعان ما تبين عدم ملائمة المكان للغرض التجاري فهو منطقة عبور تسعى المركبات لاجتيازها بأسرع ما تستطيع نظراً لزحامها الشديد وبعد أشهر معدودات أقفل المقصف أبوابه مخلفاً ورائه صحراء صغيرة مكان النجيل الذي كان يغطي المكان. وهكذا فقدنا ما كان يمكن أن يكون واحة ظليلة تحمل اسم شاعرنا الأثير وتخلد ذكراه. ومن بعد تلك الطفرة القاسية لم يظهر من يجد في نفسه الشجاعة لتكرار تلك التجربة أو إعادة محاولتها. إلا أن سفيرنا الشاعر يدعونا إلى أمر أقرب منالاً في مقاله مثار الحديث وهو قطعةٌ أدبيةٌ رائعةٌ اختار لها عنوانا بالغ الإثارة والجمال: "مائة عام من النسيان". ويريدنا الشاعر الرقيق أن نضع لوحات تذكارية في الأماكن التي عاش فيها أو درس فيها كبراؤنا المستحقين للتخليد وفي حالة التجاني بالذات يرى أن توضع تلك اللوحات في الفصل الذي كان يدرس فيه من معهد علمي امدرمان أو مكان جلوسه في ميدان المالية يتأمل الزهور أو المطبعة التي خدم فيها مع المؤرخ الكبير الشيخ محمد عبد الرحيم وهكذا دواليك مع بقية الكبراء والعظماء.
لقد اذكرتني هذه المقترحات زمناً آخر وسفيراً آخر هو الصديق فاروق عبد الرحمن وكيل الخارجية في عهد الانتفاضة وكنا قد عقدنا بيننا ميثاقاً ثقافياً أيام الدراسة بباريس فكنا نخرج معاً للمسارح والمعارض الفنية وكان الفاروق يتذمر كثيراً حين يجدنا السود الوحيدين في تلك المحافل ويسعد وينشرح حين يجد سوداً غيرنا قد قصدوا المكان. وحين آذنت شمس إقامتنا الباريسية بالأفول قررنا أن نزور كل معالم المدينة السياحية حسب جولات منشورة في دليل سياحي مزود بالخرائط يعرف باسم دليل ميشلان. وهو دليل مطابق لرؤيا الشاعر السفير جمال إذ يأخذك من شارع إلى شارع منوهاً أنه في هذه العمارة أو تلك ولد العالم فلان والأديب فلان وهنالك أقام لينين في غرفة صغيرة بالطابق الأخير وهنالك شوهد المهدي بن بركة آخر مرة على قيد الحياة وفي كل ذلك ما فيه من تقديم المدينة لزوارها ولأطفالها ومن هم مثلهم في سن التلقي والتعليم. وهو اقتراح نير أجمل ما فيه انه يسير التنفيذ على أيدي منظمات المجتمع المدني. وكنت قد كتبت في مرةٍ سابقةٍ عن الشارع الذي خصصه سكان امتداد ناصر للراحل العزيز البروفسور على المك فقد اطلقوا اسمه على أحد شوارع الحي بعد أن أقعدنا السعي مع الحكومة والحكوميين لإطلاق اسمه على أحد شوارع امدرمان التي أحبها وخلدها في أدبه العظيم. ولا أدري إذا كان ذلك القرار الشعبي سارياً او انتزعته يدا حكومة لا تعترف الا بأسماء الصحابة والصحابيات المشهور منهم والمغمور.

ومع ذلك فإنه غريب حقاً ما جرى للتجاني فهو قد خصه الله دون الأدباء الآخرين بعزوة أسرية من ألمع الوجوه في الحياة الأدبية. فهو الخال المباشر للشاعر عبد القادر الكتيابي وهو بدوره أديب مرموق وشخصية اجتماعية متوازنة تنعم بإجماع متعدد الوجوه فهو شاعر حداثي كبير وبنفس الوقت شاعر مبدع من شعراء الأغنية السودانية المعدودين وكانت له علاقات متميزة بنفر من أهل الحكم على رأسهم وزير ثقافة الخرطوم الأسبق الأستاذ سيد هارون وهو رجلٌ ثقةٌ خاصةً وهو ممثل الحزب الوطني الاتحادي على المستوى الولائي. ومن عزوة التجاني من نفس الدرجة الأستاذ عبد المنعم الكتيابي الذي احتل لسنوات عديدة مقعد الأمين العام المساعد لاتحاد الكتاب السودانيين. وليس أقل منهما في القرابة والاحتفاء الاستاذ الشاعر محمد المجتبى وكان بدوره وزير دولة للثقافة وذلك إلى جانب نفرٍ كريمٍ من أبناء وبنات أسرة الكتياب المولعين بأشعار وآثار عميدهم العبقري. وقد دعاني أولئك الأماثل إلى حفل تكريم بدارهم العامرة بأمدرمان وشهدت منهم كرماً فياضاً يليق بتلك السلالة الكريمة وقد قدموني إلى أحد خئولتهم ظني أنه المهندس بشير الذي قالوا إنه قد قام بتنقيح ديوان التجاني ومع ذلك لم يظهر الديوان المنقح حتى اليوم. وإنني لأرجو أن يتم طبع الديوان المنقح بكميات وافرة ويجري إهداؤه إلى كل مدارس السودان ومعاهده ولا تقل لي أن تلك النسخ ستضيع فذلك هو بالضبط ما نريده للتجاني أن ينتشر أثره الباقي بين الناس على طريقة أبوماضي في قوله:
كالورد ينفح بالشدى حتى أنوف السارقيه

أود في نهاية الكلام ان ادعو أبناء أسرة الكتياب الكرام وأصدقائهم وكافة محبي التجاني إلى قيادة مسعى شعبي يسهم في تخليد ذكرى كبيرهم العظيم وهم أهل لذلك وهم عليه لقادرون. وأود ان أزجي للسفير الشاعر جمال محمد ابراهيم تقديري العظيم لمبادراته الثقافية الممتازة وخاصة مبادرته الحالية
دفاعاً عن حق التجاني على أجيالنا التي رفدها بلغة ممتازة وخيال شعري خصيب.


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1455

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#546131 [عبد الله الشقليني]
1.00/5 (1 صوت)

12-28-2012 03:06 PM
تحية لشاعرنا العظيم " محمد المكي إبراهيم "
*

لا يعرف قدر الشعراء إلا الذين ارتقوا تلك الحبال يذهبون من الأرض إلى المجرّات بالخيال الجامِح
*
وعندما كتب التجاني يوسف بشير :
أنت يا نيل يا سلسلُ الفراديس -- نبيلٌ موفقٌ في مَسارِك
حَضنتك الأملاك في جنةِ الخُلدِ -- ورفَّتْ على وَضئ عُبابِك
وأمدّت عليكَ أجنحةً خضراً -- وأضْفَتْ ثِيابَها في رِحابِك

*
عرَّجتَ بنا السلالم الموسيقية في الشعر وفي اللحن الغنائي لأقصى رُدهات الرقة ثم هبطتَ بنا إلى أدنى عتبات الغلظة. تصطفي النقائض وتستنفر التآلُف بين الأشتات . قرَّبت لنا قصة النيل العظيم المختبئة في بطون الأساطير القديمة والديانات الأوَل وهي تُراوح مكاناً بين الخوف والرهبة والرزق الممدود والفيضان الغضوب ساعة ائتمار الجداول عليه في الخريف فيخرج بعنفوانه ، يضرب بأجنحته الأُفق.
*
تحية للسامق ، كشجرة طيعة ، تُميلها الرياح ، ويغسلها الندى . كانت إسهاماته في وجداننا أكثر عمقاً مما نحسب . رقة شعره ، ودُنياواته التي يصنعها تبتني أعشاشاً من أوكار الطيور المغردة في سماء الثقافة السودانية.


#545450 [عبد الماجد عبد الرحمن -السعودية]
1.00/5 (1 صوت)

12-27-2012 02:04 PM
التجاني من فصيلة كيتس وكولردج ورامبو وبودلير وجيته وويتمان:

+ يجب أن نضع التجاني في مكانة كيتس وكولردج ووردويرث عند الانجليز ومكانة رامبو وبودلير عند الفرنسيين ومقام جيتة لدى الألمان ووضع ويتمان عند الأمريكان .. وجميعهم من نفس فصيلة التجاني الشعرية ويحملون ذات ال DNA الإبداعي .. كلهم يبيعون النار المقدسة.

+ ما يحزن أن نجد أبو القاسم الشابي معروفا ومحتفى به عند العرب, ولا ذكر لما اعتبرناه نحن صنوه الشعري- وهو في الواقع يجاوزه عمقا وإبداعا_ التجاني يوسف بشير !!

+ شكراً يا صاحب البرتقالة المتوهجة بالخلود .. ما أروع المحتفى و ما أجمل المحتفى به.. عندما يكتب محمد المكي إبراهيم عن التجاني يوسف بشير فللزمان أن يتوقف إجلالا للحظة الجميلة وللحتميات أن تحي الصدف العابرات لكل الضوء والأصوات!!

+ نسي الشاعر شخصاً مهما من أسرة التجاني هو أستاذ الانجليزية الرائع بكري بشير(من الذين أسهموا في تأسيس قسم اللغة الانجليزية بالجامعة الأهلية ).. وهو الذي جمع مع عبد الحي الآثار النثرية للتجاني وأمده بكثير من المعلومات المهمة عن حياة التجاني.

+ سيكون رائعاً أيضاً, إن شملت محاولات تدارك النسيان التي ينادي بها السفير جمال محمد ابراهيم وشاعرنا البرتقالي البهي ود المكي ,تمثيلاً دراميا في مسلسلات وأفلام عن حياة التجاني ( قبل سنوات قليلة طلع فلم جميل عن حياة الشاعر الانجليز كيتس!!).


#545432 [احمد الخضر]
1.00/5 (2 صوت)

12-27-2012 01:54 PM
اين اتنم ايها الافذاذ يامن تحلقون بنا في سماء الادب الصافي وتصعدون بارواحنا الي عوالم اضحت كالساب .شكرا محمد المكي ابراهيم شكرا جزيلا.


ردود على احمد الخضر
United States [عصمتووف] 12-27-2012 10:41 PM
عن اي ادب مع قليلي الادب هذا زمن روضة الحاج عبيد ختم وعلي عبدالفتاح ويوسف عبدالحي والكاروري وقيقم وفرفور وصبيان الصادق عليك الله وين نلقي الثقافة لا اذكر متي اشتريت كتاب والله زمنكم فات تركتم الساحة لاشباه الشعراء والشاعرات هولاء يريدون دفن التاريخ الثقافي وتاريخ البلد علي ان يبدامن تاريخهم الاسود 89م

انعي لكم السودان


محمد المكي إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة