المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مايو الشاهد والضحية - قالها النميرى ( اقلعوا منهم كل حاجة) 4
مايو الشاهد والضحية - قالها النميرى ( اقلعوا منهم كل حاجة) 4
12-30-2012 08:15 AM

مايو الشاهد والضحية - قالها النميرى ( اقلعوا منهم كل حاجة)
الحلقة (4)

النعمان حسن


قالها النميرى ( اقلعوا منهم كل حاجة) فكانت مصادرة عثمان صالح
تماما كما ذكر زين العابدين في مذكراته تلقت الرقابة العامة شكوى حول وجود تلاعب في مطاحن الدقيق التي تمتلكها شركة عثمان صالح وكانت هذه الشكوى قد احيلت لى من الجهاز للتحقيق فيها وكان صاحب الشكوى قد أخفى اسمه واكتفى بالحرف نون.
عندما تسلم الجهاز تلك الشكوى لم يكن تكوينه قد اكتمل وكنا أربعة فقط من وزارتي التجارة والمالية منضوين تحت الجهاز بالانتداب وكنت أنا الوحيد من وزارة التجارة وثلاثة من المالية محمد عبدالحليم محجوب نائب الرقيب وعلى المك رحمة الله عليه واحمد السني.
عندما تسلم الجهاز الشكوى كنت أنا في ذلك الوقت في لجنة تحقيق في شركة التأمينات العامة تضم مسجل الشركات يومها الأستاذ يوسف صديق نديم في شكوى تقدم بها بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة فتلقيت مكالمة من نائب الرقيب العام يطلب منى الحضور لتولى التحقيق في شكوى المطاحن.
كانت الشكوى مقدمة من المحاسب(ن) الذي يعمل في الشركة وفحواها إن هناك تهرب من ضريبة الإنتاج في المطاحن عن طريق تهريب كميات من إنتاج الدقيق بعد توقيف العداد حتى لا تظهر هذه الكميات في إحصائيات الإنتاج. وذلك بموجب اذونات لا تسجل في الإنتاج
ذهبت للشركة للوقوف على طريقة العمل ولم تكن هناك لجنة كونت للتحقيق بعد ولم يسعفنا الوقت لتكوين لجنة حيث إن الأحداث تصاعدت بصورة مفاجئة وغريبة فلقد ذهبت للمطاحن ووقفت على النظام المعمول به في تسجيل الإنتاج والاذونات ووجدت إن هناك بعض الكميات تنتج بعيدا عن العداد باذونات خاصة تصدر بأسماء بعض الأفراد و الجهات ووقفت على الاذونات وراجعت الصور الموجودة منها بمكاتب الشركة.
كانت صور الاذونات خاصة بشخصيات أما لها علاقة بالشركة أو جهات تتعامل معها ولها مصالح فيها مما يعنى إن هذا الكميات تمنح لهم بالمجان لهذا لا تسجل حتى لا تدفع الشركة مقابلها ضريبة إنتاج لهذا لم يكن فيها من وجهة نظري ما يشكل مخالفة لان من الطبيعي أن تكون الكميات التحى تمنح بالمجان لبعض الجهات ذات الصلة أو التي تقدم خدمات ألا تخضع للضريبة وهى كميات لا تستحق المساءلة.
اشهد الله إنني وصلت لقناعة بان الأمر لا يستحق الاهتمام وان الشكوى ربما يكون دافعها مشكلات شخصية خاصة إن مقدم الشكوى لم يكشف عن نفسه حتى يقدم ما يسند الشكوى وبناء عليه عدت للجهاز وأعلمت نائب الرقيب بما توصلت إليه ووافقني واعتبرنا الأمر منتهيا هنا وقفلنا الملف وعدت لشركة التأمينات لمواصلة التحقيق.ولم يخطر ببالي إنني على موعد مع مفاجأة صباح اليوم التالي.
فلقد تلقيت مكالمة ثانية من نائب الرقيب العام يعاتبني كيف أقول إن الكميات محل الشكوى لا ترقى لتشكل مخالفة وقد اتصل قسم الشرطة بالخرطوم بحري بالجهاز وابلغوه بأنهم تلقوا بلاغا من سكرتير نقابة عمال المطاحن الذي طلب منهم الحضور للمطاحن لان الإدارة تقوم بحرق كميات كثيرة من اذونات الدقيق.وإنهم قاموا بحجز كميات كثيرة منها قبل أن تحرق
سارعت نحو المطاحن حيث وجدت الشرطة متحفظة على كميات مهولة من الاذونات التى تم اللحاق بها قبل ان يقوم بحرقها احد العمال من أبناء الجنوب الذي كلف بحرق الاذونات مستخدما صفيحة وذلك في مكان الأوساخ خلف المصنع وباستفساره أوضح انه كلف بحرقها من مدير المطاحن مع صلاة الصبح. قبل وصول العمال وفى اعتقادي الشخصي إن المدير العام سارع بهذا التصرف لأنه كان يعتقد إنني سأعود للمطاحن لمزيد من التفتيش ولو انه علم وقتها إنني قفلت ملف التحقيق لما أقدم على هذه الخطوة التي كانت سببا في المصادرة
كانت الكميات كبيرة والصفيحة مسودة من آثار الحرق فلم افعل شيئا غير إنني عدت للجهاز بعد أن تركت الصفيحة وكميات الاذونات التي لم تحرق تحت حراسة الشرطة ولما أعلمت الرقيب العام ونائبه هرولنا ثلاثتنا للمطاحن بسرعة وهناك التقينا بالسيد مدير المطاحن بغرض الاستماع لتفسير منه لهذا الحادثة.
كانت المفاجأة انه لم يكن لديه ما يقوله بل سجل اعترافا كاملا بتهريب هذه الكميات تجنبا لضريبة الإنتاج ولما طلب منه نائب الرقيب أن يسجل اعترافه هذا كتابة فعل دون تردد ووقع على الاعتراف الذي أكد فيه إن هذا العمل ظل سياسة للشركة من عهد المدير الأسبق له. ولا أدرى إن كانت مستندات جهاز الرقابة بعد حله محفوظة في أمان أم لا ليسهل الرجوع اليها.
حقيقة كان الأمر كله مفاجئا لي ومحرجا وأنا الذي قلت إن الأمر لا يستحق ولا توجد مخالفة كما كنت مندهشا للمدير العام وهو يسجل هذا الاعتراف مكتوبا ومهوراً بتوقيعه دون أن يقدم أي مبرر ولكنى علمت فيما بعد ان المدير لما انكشف أمر التهرب من ضريبة الإنتاج سارع بالاتصال بالسيد عبدالكريم ميرغنى رحمة الله عليه لما تربطهم من صلة وكان وزيرا للتخطيط بالحكومة وقال لي الراوي يومها من موظفي المطاحن – والعهدة على الراوي- انه نصح المدير بالاعتراف بالمخالفة حيث إن الأمر لن يعدو أن يكون تهربا من الضريبة وان الأمر سيعرض على مجلس الوزراء وسيحدد المبلغ الذي تدفعه الشركة سدادا للضريبة وهو إجراء متوقع من ناحية خدمة مدنية ولكن عبدالكريم لم يتوقع أن تتجه الأحداث وجهة أخرى لم يتحسب لها لأنها لن ترد في مخيلته بان تأخذ القضية طريقها لمجلس الثورة وليس مجلس الوزراء وأن يكون الاعتراف الذي نصح به سببا في ما صاحب القضية من تطور وان نصيحته أصبحت السبب في المصادرة.
في مذكرات زين العابدين أراه يشير إلى انه صاحب عبدالكريم ميرغنى لمقابلة مدير المطاحن ولكنى ليس لي علم بهذه الواقعة ولا اعرف متى تمت ولا أظنها حدثت وان حدثت فهي بلا شك بعد المصادرة لأن المشهد انتهى في نفس اليوم وخلال زمن لا يزيد عن ساعة من عودتنا من المطاحن حيث صدر قرار المصادرة وأنا حضور وشاهد عيان فما حضرته شخصيا إننا ذهبنا ثلاثتنا للمدير العام الرقيب العام ونائبه وشخصي فقط في نفس اليوم حيث عدنا من المطاحن نحمل الصفيحة (شاهد الحريقة) واعتراف المدير العام وجوال به كميات ضخمة من الاذونات التي لم يسع الوقت حرقها. وتصادف أن يكون مجلس الثورة منعقدا في نفس اللحظة واليوم الأربعاء الموافق 14مايو 70 إن لم تخني الذاكرة فسارعنا للمجلس الذي سمح لي ولنائب الرقيب العام أن نشارك في اجتماعه لنوضح تداعيات هذا الحدث ووضعنا الصفيحة والاذونات التي لم تحرق في حضرة المجلس وأوضحنا للمجلس شفاهة القضية. ولم يكن بيدنا الكثير لنقوله لوجود اعتراف المدير العام الذي أوضح كل شئ في اعترافه
لم يكن هناك في هذا الاجتماع من فكر في نوع العقوبة لان الأمر كله كان مفاجئا لعبت فيه الصدفة ولم ترفع فيه مذكرة مكتوبة من أي جهة أو يطرح حولها مقترح من أي جهة بنوع الإجراء الذي يتخذ وكان الأمر مطروحا
هنا دعوني اكشف لكم من أين جاءت المفاجأة.
كان حزب الأمة في ذلك الوقت يقود حربا عنيفة ضد مايو وكان السيد محمد عثمان صالح احد رموز الحزب يملأ الصحف بتصريحاته وتهديداته للثورة وتوعدها بالمواجهة وهنا وفى خطوة مفاجئة انفعل النميرى واكتشفنا انه فهم اعتراف المدير نوعا من التحدي للثورة وقال بالحرف( يعنى الجماعة ديل فاكرين إنهم أقوى من الثورة يعنى هم يتحدوننا ويقولوا لينا حتعملوا لينا شنو) وهنا وسط صمت ودهشة أعضاء مجلس الثورة وبحضوري ونائب الرقيب صاح النميرى قائلا:وهو في قمة الانفعال
( اقلعوها منهم اقلعوا كل حاجة عندهم نشوف هم الأرجل ولا نحن) وكانت اقلعوا أي حاجة منهم هي قرار مصادرة شركة عثمان صالح حيث لم يقف القرار عند المطاحن وكان المقدم بابكر النور حضوراً في الاجتماع ولم يعترض كما ادعى الدكتور منصور في كتابه فلقد صمت الجميع ولم يعترض احد .
هذه هي حقيقة القرار صدر نتيجة انفعال النميرى وكانت دوافعه سياسية أكثر من أنها مسألة قانونية ولم تكن المصادرة اقتراحا من أي جهة وكان زين العابدين قد خلط الأمر وتداخلت الأحداث فحسب إن المصادرة كانت اقتراحا من الدكتور احمد الأسد المستشار الاقتصادي الذي لم يكن طرفا فيها وربما انه بحكم موقعه كان طرفا فئ التأميم مع القطاع الاقتصادي. فالمصادرة لم تكن بإيعاز أي جهة على أي مستوى وكل من كان خارج ذلك الاجتماع فوجئ بها عند سماعه البيان من الإذاعة في نشرة الثالثة ظهرا كما إن زين العابدين لو التقى عبدالكريم ميرغنى فهذا لو تم لابد أن يكون بعد إعلان المصادرة التي صدر قرارها خلال ساعة من عودتنا للقصر من المطاحن..
وللعلم كان هذا القرار صدر وأذيع في نفس اليوم في 14مايو قبل احد عشر يوما من الاحتفالات ولا علاقة له بها كما إن شركة عثمان صالح كانت الوحيدة التي صودرت في هذا التاريخ ولم تكن معها أي شركة أخرى كما اختلط الأمر على زين العابدين حيث تبعها بعد أيام القوائم الأخرى التي صدر قرارا مصادرتها. ولا ادري كيف اختلط الأمر على زين العابدين عندما أشار لان قرار المصادرة شمل مجموعة من الشركات التي وصلت للجهاز شكاوى حولها فالقوائم الأخرى صدرت بعد أيام من مصادرة شركة عثمان صالح والقائمة الثانية لم تكن بسبب أي شكاوى وصلت للجهاز فلقد كان السبب في مصادرة القائمة الثانية والتي ضمت فقط الشركات العاملة في تصدير الحبوب الزيتية والمملوكة لأجانب مقيمين أو متجنسين إنهم كانوا يتلاعبون في أسعار الصادر حيث كانوا يتعاملون مع شركات خارجية يمتلكونها ومسجلة باسمهم أو أسرهم في الخارج لهذا كانوا هم الباعة والمشترين في ذات الوقت وهذا ما كشفت عنه مصادرة شركة عثمان صالح وكان من البديهي في هذه الحالة أن يبيعوا الصادر لأنفسهم بسعر اقل من السوق العالمي لصالح الشركات المملوكة لهم بالخارج أو بترتيب مع بعض التجار الذين سبقوهم وصفوا أعماله هر با من السودان بعد ثورة أكتوبر وافتتحوا شركات في سويسرا وانجلترا أمثال نسيم قاوون ويوسف بباوى وكوركجيان ليستفيدوا من فرق السعر لصالح الشركات المملوكة لهم في الخارج وكانت عملية التلاعب ثابتة أمام وزارة العدل وبنك السودان ولقد اتضح وقتها إن ذلك التصرف يرجع إلى ردة فعل ملاك هذه الشركات من ثورة أكتوبر لإحساسهم بخطر التصفية فشرعوا في تأسيس شركات خاصة بهم في بلدانهم فكانت القائمة الثانية قاصرة عليهم وبسبب معلومات تكشفت بعد مصادرة شركة عثمان صالح.
فعندما صدر قرار مصادرة شركة عثمان صالح تم تكليفي بإعداد البيان الخاص بالقرار وبالفعل كتبت البيان بنفسي وحمله يومها الرئيس نميرى شخصيا وأذاعه بصوته من الإذاعة ليعرف السودان لحظتها ما عرف بعد ذلك بالمصادرة.مما يدحض ادعاء النميرى في كتابه انه لم يكن على علم بها وبما تبعها من مصادرات كانت جميعها تحت امرته شخصيا.
وتوالت المفاجآت:
فعقب إذاعة النميرى للبيان وفى صباح اليوم التالي كان النميرى وبعض أعضاء المجلس وجهاز الرقابة يتدافعون نحو المنطقة الصناعية وكان النميرى على موعد مع ردة فعل لم تخطر بباله أعادت لذهنه موكب 2يونيو فلقد كانت جماهير عمال المنطقة الصناعية خرجت كلها بلا استثناء لاستقباله بالهتافات وزينت كل طرقات المنطقة ومصانعها بلافتات الترحيب ولولا انه كان يتمتع بصحة جيدة لما استطاع أن (ينط) الثيران التي ذبحت احتفاء به حتى انتفخ زهوا وكان ذلك الاستقبال والاحتفاء غير المسبوق والذي بدا فيه نميرى وكأنه لينين ذلك اليوم يرد على الحزب الشيوعي ولسان حاله يقول ها هي الطبقة العاملة تقول كلمتها يا عبدالخالق بل ذهب ابعد من ذلك عندما اتخذ من فرحة الطبقة العاملة بالقرار أن يهاجم عبدالخالق أمام حشد كبير من العمال بدار الاتحاد بالخرطوم بحري لأنه عبر عن عدم رضائه بالمصادرات ولسان حال النميرى كان يقول لعبدالخالق من هو الذي يمثل الطبقة العاملة ومن هو الذي انتصر لقضيتها ومن هو الذي يخونها.هذا بالطبع قبل ان تتبدل مواقفه فينسى تلك المواقف ويعمل على إنكار الحقيقة في كتابه ويحمل المسئولية للحزب الشيوعي مع انه لو كان للمصادرات بطل فهو النميرى بلا منازع وسوف ترون كيف كانت مواقفه في بقية القوائم..
لقد تم إعلان مصادرة شركة عثمان صالح بصورة مفاجئة كما أوضحت ولكن لان هذه المصادرة حملتها الصدفة وانفعال النميرى لم يكن هناك من حسب ما بعدها ولم يكن المسرح معدا ليحدد مستقبل الشركة التي صودرت بل لم يفكر احد في الأمر رغم أهمية القرار وخطورته.وبقى السؤال حائرا ثم ماذا بعد فلا الحكومة أو جهاز الرقابة كان معدا لمواجهة هذا الموقف.
كانت المفاجأة في ثان يوم لمصادرة شركة عثمان صالح عندما تلقى الجهاز برقية من سلطات الميناء ببورتسودان والجمارك يخطرون الجهاز بان هناك باخرة محملة بالصمغ العربي تخص الشركة يفترض أن تغادر لأوروبا فماذا يفعلوا بها.
كان الموقف مفاجئا للجهاز الذي لم يعد نفسه لهذا الموقف وبما إنني كنت الوحيد من وزارة التجارة وكنت مفتشا بقسم الصادر وتحديدا رئيسا لصادرات الصمغ العربي فنبهت الجهاز لخطورة أي إخلال بعقودات الصادر منعا لأي ارتباك خارجي فطلبوا منى أن أسافر لبورتسودان لمعالجة الأمر وتعين على قبل السفر أن اذهب لمكاتب الشركة بالخرطوم للوقوف على مستندات شحنة الصمغ وكانت هذه أول مرة تطأ قدمي مكاتب الشركة من اجل تيسير عملية معينة فرضت نفسها على الجهاز حتى يتم بحث مستقبل الشركة .
في مكاتب الشركة كانت هناك مفاجأة من العيار الثقيل في انتظاري عندما سلموني ملف الشحنة وكانت المفاجأة إن ملف العملية يشتمل على عقدين للبيع لنفس الشحنة الأول من الشركة لمشترى يدعى كوركوجيان بسعر 250 دولار للطن والثاني بنفس الاسم بسعر 270 دولار والاعتماد مفتوح بسعر 250 دولار فلم يكن إمامي ألا أن أطالب المشترى بان يعدل الاعتماد بالسعر الأصلي المتفق عليه وهو 270 حسب العقد الموجود وبعد اخذوه شاركت فيه وزارة العدل قامت الشركة بتعديل الاعتماد بعد أن وافق على تعديل الاعتماد بزيادة نصف الفرق بسعر 260 .
تسلمنا الاعتماد المعدل من شركة كوركوجيان وكان لابد أن أسافر لبورتسودان للوقوف على الشحنة وبالفعل غادرت بطائرة تابعة للمظلات قضيت فيها ساعة ارتجف من الخوف لان الطائرة تحلق في الأجواء وبابها الخلفي بقى مفتوحا طوال الرحلة .
هذه هي الظروف التي ساقتني لشركة عثمان صالح وليس صحيحا أنني عينت لإدارتها فكان وجودي بها بصفة مؤقتة لحين تحديد مصيرها ولكن وقبل أن تحدد الرقابة ما تفعله بالشركة المصادرة أعلن عن الدفعة الثانية من الشركات المصادرة وكانت كلها من الشركات المملوكة لأجانب مقيمين بالسودان يعملون في مجال الصادر في الحبوب الزيتية أسوة بشركة عثمان صالح لتتسع دائرة الشركات العاملة في مجال الصادر. هذه الشركات تمثلت في ازمرليان وتشاكيرغلو والإفريقية وغيرها من العاملة في مجال الصادر ولقد تمت مصادرة هذه القائمة بعد أن خضعت لتقصى حقائق بالتلاعب في أسعار الصادر نتيجة معلومات كشفت عنها المستندات لان كل هذه الشركات تتعامل مع شركات خارجية مملوكة لنفس ملاك الشركة في السودان لهذا كانت تحرص على أن تبيع الصادر بسعر اقل ليبقى الفرق بيد الشركة إلام المملوكة لهم
وكما استقبل النميرى بتظاهرات الفرح عندما أعلن مصادرة شركة عثمان صالح من العمال كان الاحتفال بهذه القائمة اكبر مما ضاعف من نشوة النميرى.
كانت هذه القائمة محصورة في الشركات المملوكة لأجانب وتعمل في مجال صادرات الحبوب الزيتية امثال بلى كربنيوتى وتاكى وازمرليان مما اضطر الجهاز لتدارك الأمر باللجوء لوزارة التجارة حيث تم انتداب المفتشين القائمين على أمر الصادر بالوزارة لإدارة هذه الشركات تجنبا لعدم حدوث هزة فى الصادر لحين ترتيب أوضاع هذه الشركات وهكذا تم انتداب كل زملائي من قسم الصادر لتولى هذه المهام ولقد كنت الأقدم منهم وظيفيا في قسم الصادر فكان أن وجدت نفسي ضمنهم وبصفة مؤقتة بشركة عثمان صالح وتولى السادة عطا المنان حمزة شركة ازمرليان واحمد مكي إسماعيل تشاكريغلو ومن بعدهم كمال عبدالحليم ولقد كنت رئيس ثلاثتهم في قسم الصادر بالوزارة حيث إنني كنت أقدمهم وتمت الاستعانة من القطاع الخاص بمحمد توفيق هيبة في الإفريقية بالنسبة لشركات الصادر هذا التحول فرض على أن أواصل في شركة عثمان صالح بالانتداب مؤقتا لحين ترتيب أوضاع هذه الشركات كما كان حال زملائي المفتشين ولم يكن هذا التكليف الذي حتمته الضرورة تعيين وظيفي كما يتوهم البعض فكل مجموعتنا التي انتدبت من وزارة التجارة تم انتدابها بنفس موقعها الوظيفي وبنفس مرتبها من الوزارة ولم تصدر قرارات من أي جهة بتعيينها وظيفيا وبنهاية فترة الانتداب بنهاية السنة عادت المجموعة كلها لوزارة التجارة و اناكنت قد سبقت عودتهم باستقالتي من وزارة التجارة عقب انقلاب 19يوليولينتهى انتدابي في الشركة بنهاية علاقتي بالوزارة التي كنت منتدبا منها .
ما قصدت توضيحه انه لم يكن بيننا من تم تعيينه في أي ى وظيفة في إدارة هذه الشركات ولكنا جميعا تولينا مسئوليتها بصفة مؤقتة بالانتداب لحين ترتيب أوضاعها بما فيهم شخصي ى لم أعين مديرا لشركة عثمان صالح لهذا فان ما أورده ابن عمى عن تعييني لم يكن صائباً فانا لم أعين مديرا للشركة وإنما كلفت (بالصدفة) بإدارة الشركة بصفة مؤقتة و ظللت محسوبا على وزارة التجارة بنفس درجتي الوظيفية (دى اس) وبنفس مرتبي حتى استقالتي وكانت هذه الدرجة قد نلتها سنة 67 قبل ثورة مايو وبعد أربعة سنوات من تخرجي من الجامعة وتعييني بوزارة النجارة سنة 63 ولما استقلت كنت على نفس الدرجة التي كنت عليها قبل مايو مما يؤكد إنني لم أنال أي ترقية وظيفية سواء في جهاز الرقابة أو شركة عثمان صالح.
وهذا ما يثبته ملف خدمتي بديوان شئون الموظفين.لهذا فان ارتباطي بمايو لم تصحبه حتى الترقية العادية التي استحقها زملاؤنا بالوزارة فغادرت مايو على نفس الدرجة قبل الانقلاب حيث غادرت الخدمة دون معاش وبمكافأـة بلغت يومها مأتى جنيها فقط حسب قانون الخدمة المدنية بسبب الاستقالة بالرغم من إن الأستاذ ابراهيم منعم منصور الوزير حاول إثنائي عنها بأي شكل وعرض على أن أعين ملحقا تجاريا في أي سفارة ولكنى تمسكت باستقالتي ولعلها كانت غلطة العمر التي فرضت على أن أكون ضحية شيوعيتي ومايويتي افقد التحضير للدكتوراه في الاقتصاد. ومع ذلك تعرضت وتعرض الأخ زين العابدين للانتقاد لتعيينه المحاسيب وبصفة خاصة كنت المقصود شخصيا ولا أدرى أين عينت وفى أي درجة وبأي مرتب ولا أظنني بحاجة لان اذكر لكم قائمة بمن نالوا أعلى الدرجات الوظيفية من الدفعة بل ومن هم دونها كثير في اعلي المناصب وكم منهم أصبحوا وزراء وسفراء ولم يعرض بهم احد لا لسبب إلا لأنهم ليسوا أقرباء زين العابدين.
أما زين العابدين فانه لم يكن منصفا في مذكراته عندما تعرض لهذه الشركات العاملة فى التصدير عندما وصفها بأنها لم تحقق الأقدار متواضعا من النجاح فلقد صدرت إحصاءات ومستندات الصادر ببنك السودان بنهاية العام وكان ما حققته الشركات المصادرة في السنة الأولى التي اشرف عليها مفتشو الوزارة في مجال التصدير تفوق الأعوام قبل المصادرة بتحقيق عائد أعلى بلغ 20 مليونا سودانيا وهو في الحقيقة فرق السعر الذي عاد للدولة بفضل المصادرة ومع نفس العملاء الذين كان التعامل معهم يتم قبل المصادرة مما يؤكد عدم حدوث أي ارتباك في الصادر وهذا موثق في إحصاءات الصادر ببنك السودان فالحديث عن النجاح والفشل في الصادر تتحدث عنه الأرقام والإحصائيات أما إذا كان ما ذهب إليه زين العابدين يتعلق بفترة ما بعد عودة المنتدبين للوزارة وتعيين مدراء من القطاع الخاص لإدارة هذه الشركات بمرتبات ومخصصات مثلت أكثر من عشرة أضعاف ما كنا نتقاضاه من وزارة التجارة في فترة الانتداب فهذا ما لا اعرفه لهذا كان يتعين عليه أن يوضح ذلك بدلا عن التعميم الذي يخل بالوقائع ومن يبحث عن الحقيقة فإحصاءات الصادر موجودة ببنك السودان.وكشف المرتبات موجود في حسابات حكومة السودان في ملفات كل من تم انتدابهم لتسيير الشركات بصفة مؤقتة لحين ترتيب أوضاعها والذين عادوا لمواقعهم من حيث كان انتدابهم
إذا كان لابد من وقفة هنا مع المصادرة التي طالت الشركات المصدرة للمحاصيل السودانية وكانوا جميعهم من الأجانب المستوطنين باستثناء شركة عثمان صالح فان المصادرة هي التي حررت الصادرات السودانية من قبضتهم ولولاها لما ولد القطاع الخاص الوطني في مجال الصادر ولولاها لبقى كبار المصدرين السودانيين اليوم والذين أصبحوا أرقاما في الاقتصاد السوداني لبقوا سماسرة محليين ولما عرفت هذه الأسماء الكبيرة اليوم في دنيا الصادر لأنه لم يكن بينهم بلا استثناء من يعمل في الصادر وصاحب معرفة وخبرة به باستثناء شراكة واحدة بين إبراهيم عبدالوهاب ومحمد محمود في مجال تصدير الصمغ العربي أما كل رجال الأعمال الذين أصبحوا أرقاماً اليوم لم يكونوا أكثر من أصحاب مكاتب صغيرة للسمسرة في المحاصيل لحساب المصدرين المجنسين.
أما قائمة المصادرة الثالثة والتي ووجهت باستنكار مبرر لكونها ضمت أفراداً ومطاعم فهذه حقيقة وإذا كان النميرى أشار لها في كتابه أنها ضمت أفراد وجهات لم يكن يعلم بها فالحقيقة انه أيضاً بطل هذه القائمة. فالذي حدث انه بعد مصادرة القائمة الثانية تسابقت النقابات على تقديم الشكاوى ضد مؤسساتهم للنميرى الذي توجوه قائدا لثورة الطبقة العاملة كما حسب النميرى نفسه يومها فكان ان طلب النميرى عقد اجتماع سماه اجتماع القائمة الأخيرة لقفل هذا الملف وفى هذا الاجتماع طلب النميرى كل الشكاوى الموجودة طرف الجهاز ولكنى أوضحت له إن هذه الشكاوى لم تخضع لأي تحقيقات للتأكد من صحة المخالفات المنسوبة لأصحابها ولكنه رفض بقوة وإصرار رأى زملائه من المجلس الذين كانوا حضورا في الاجتماع ولم يكن بينهم أعضاء المجلس الشيوعيين وأصر على إعلان مصادرة القائمة وقفل الملف وهنا للتاريخ أؤكد إن الرائدين ابوالقاسم هاشم وابوالقاسم محمد ابراهيم طلبا إسقاط اسم أميل قرنفلي من القائمة لان جماهير الثورة بالبراري كانوا قد نظموا احتفالا في ذلك الوقت أشادوا بموقفه من الثورة وهنا طلب منى النميرى أن أوضح ماهية الشكوى ضده وكانت اتهاما من أصحاب الشكوى له بالتهريب فالتفت النميرى نحوهما وبانفعال قال لهما ( عايزين تحموا واحد مهرب) مع إن التهمة نفسها لم تخضع لتحقيق ولم تثبت عليه وهكذا أعلن النميرى القائمة الثالثة التي أثارت اللغط بقرار منفرد منه وأصر عليها قبل التحققيق فيها وقرر قفل ملف المصادرات ولكنه لما تبدلت مواقفه وخلع اللباس الأحمر قائدا للطبقة العاملة التي ظل يفاخر ويعاير بها عبدالخالق وارتدى عباءة اليمين عاد وأنكر مسئوليته الشخصية عن المصادرة ونسبها للحزب الشيوعي الذي كان قائده الشهيد عبدالخالق ضدها علانية
هكذا كانت المصادرة بتفاصيلها الدقيقة من شاهد عيان كان الأقرب إليها من أي شخص أخر وحتى لا يعتقد احد إنني أوضحت هذه الحقيقة عن المصادرة بعد وفاة النميرى فالحقيقة إنني أوردت هذه الحقيقة بتفصيل دقيق في الكتاب الذي أصدرته سنة 92والذى أشرت إليه في أول حلقة تحت مسمى (25مايو وانهيار السودان) أي صدر الكتاب في حياته بل وفى القاهرة التي كنا نقيم فيها سويا كما أوردتها في حياة زين العابدين ولم يكذبها أي منهما
أواصل في الحلقة القادمة مع سلسلة القضايا التي أشرت إليها في الحلقة الأولى وستكون الوقفة التالية مع انقلاب 19 يوليو اللغز الكبير.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2089

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#547835 [hajabbakar]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2012 11:37 PM
لك الود والتحية واعتبر ماكتبت هو اصدق ماقيل عن فترة مايو المهمة فى تاريخ السودان الحديث
قرارات التاميم والمصادرة التى تمت فى تلك الفترة كانت الدوائر الغربية على علم تام بها وتم تهريب الكثير من الاموال وبخاصة الى نيروبى (سودان ميركانتايل وميتشل كوتس وجلاتلى هانكى وبنك باركليز وشركة باتا وغيرها)قبل ان يعلنها النميرى فى 1970
كانت هده القرارات ضربة مؤلمة للاقتصاد السودانى .اين مؤسسة مايو للعاملين؟ ومؤسسة الدولة التجارية؟ كلها دهبت هباءا منثورا
تاثرنا بقرارت يوليو الاشتراكية وبالناصرية والتقليد الاعمى حتى فى الاتحاد الاشتراكى فكانت العاقبة
دمارا لاقتصادنا مازلنا ندفع ثمنه
الان فى الهند وماليزيا وسنغافورة ما زالت هده الشركات والمؤسسات تمارس نشاطها جنبا الى جنب مع
المؤسسات الوطنية وشاهدت شركة باتا وبنك بركليز وغيرها مع العلم بان شركة باتا سودان كانت ناجحة
ولها فروع فى كل مدينة سودانية واسعارها فى متناول الجميع.فقدنا وخسرنا كل شئ ولم نحصد الا الندم
والبكاء على الاطلال


#547721 [Amin]
5.00/5 (1 صوت)

12-30-2012 08:39 PM
( اقلعوها منهم اقلعوا كل حاجة عندهم نشوف هم الأرجل ولا نحن)


دي مشكلتنا منذ الأزل ... الحماسة(الحماقة) المازجة العوارة


النعمان حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة