المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
تاج السر عثمان بابو
الايديولوجيا : صورة حقيقة أم زائفة عن الواقع؟.
الايديولوجيا : صورة حقيقة أم زائفة عن الواقع؟.
01-03-2013 02:50 AM

الايديولوجيا : صورة حقيقة أم زائفة عن الواقع؟.

بقلم: تاج السر عثمان

كثيرا ما يثار هذه الايام أن عصر الايديولوجيا قد أفل نجمه، وضرورة تقليل الحمولة الايديولوجية، وضرورة أن تتخلي الأحزاب الشيوعية عن الماركسية وتشرع في تكوين حزب برنامج لا حزب ايديولوجيا..الخ، فما هي صحة هذه الادعاءات؟، وماهي الايديولوجيا؟، وماهو المفهوم الماركسي للايديولوجيا؟.

الايديولوجيا:

تعريف الايديولوجيا كما جاء في معجم العلوم الاجتماعية والفلسفية(هي مجمل التصورات والافكار والمعتقدات وطرق التفكير لمجموعة امة او طبقة أو فئة اجتماعية أو طائفة دينية أو حزب سياسي، وتكون الايديولوجيات عادة مشروطة ومحددة بالظروف المناخية والعادات)( انظر معجم العلوم الاجتماعية والفلسفية، نيويورك 1944م، ص 149).

وفي قاموس الياس العصري(1985م) ترد كلمة ايديولوجيا Ideology، بمعني : فن البحث في الافكار والتصورات أو الفكريات.

مفهوم الايديولوجيا في الادبيات الماركسية:

وفي مؤلفات ماركس وانجلز يرد تعبير الايديولوجيا بالمعاني الآتية:

- في مؤلف “الايديولوجيا الالمانية” لماركس وانجلز يرد: ( الايديولوجيا والبناء العلوي الايديولوجي، بأنها تقلب الأشياء رأسا علي عقب). (خيالات)، ( الصور الكاذبة التي يرسمها الناس عن انفسهم).(آراء تبرر الأوضاع الاجتماعية الخاصة).(مذهب)، (انتاج عقلي مباشر)، ( الدين).

- وفي “بؤس الفلسفة لماركس” و”البيان الشيوعي” لماركس وانجلز يرد بالمعاني التالية: ( يتضمن كل العلوم الانسانية وخاصة العلوم الاجتماعية، بما فيها الاقتصاد السياسي والتاريخ). (برامج وتصريحات الاحزاب السياسية المختلفة).(التصويرات والآراء وردود الأفعال السيكولوجيا). (أماني مختلف الطبقات الاجتماعية).

- وفي “نقد الاقتصاد السياسي” لماركس يرد بالمعني الاتي: (الأبنية الايديولوجيا العليا، كل الاعمال الثقافية، القانون، الأخلاق ، الاستطاطيقا، اللغة والمعارف الفلسفية والعلمية، وكل المذاهب والمواقف الاجتماعيةوالسياسية، وكل المنتجات الفكرية والاحوال والافعال النفسية التي تميز الوعي الطبقي أو الوعي الفردي).

- وفي “بؤس الفلسفة ” ايضا يخلص ماركس الي أنه ( لكي يتدعم كيان الطبقة، لابد أن يتحول الوعي الطبقي الي ايديولوجية طبقية، وان يتشكل الاثنان في خدمة الصراع الطبقي).

- وفي كتابه “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت “، يشير ماركس الي الاتي( يقوم فوق اشكال الملكية وظروف الحياة الاجتماعية بناء علوي من الانطباعات والاوهام وأساليب التفكير والمفاهيم الفلسفية الخاصة والطبقة باجمعها هي التي تخلق هذه الاشياء وتشكلها وفقا لظروفها المادية والعلاقات الاجتماعية المقابلة لها، وقد يتخيل الفرد الذي يتلقاها عن طريق العرف أو التربية انها تشكل الأسباب الحاسمة لنشاطه ونقطة البداية لهذا النشاط، وكما أن الانسان يميز في حياته الخاصة بين مايقوله الناس عنه أو يفكرون بشأنه، وبين حقيقة شخصه، وما يؤديه بالفعل، فانه يجب التمييز اكثر من ذلك في الصراعات التاريخية بين اقاويل الاحزاب وادعاءاتها وبين تكوينها ومصالحها الحقيقية، وكذا بين ما تتخيله عن نفسها وبين ماهي عليه في واقعها).

- وفي مؤلفه “لودفيج فورباخ ونهاية الفلسفة الالمانية الكلاسيكية” يحدد انجلز اشكال الايديولوجيا علي النحو التالي: ( ان القرون الوسطي الحقت بعلم اللاهوت جميع الاشكال الأخري للايديولوجيا: الفلسفة، السياسة، وعلم الحقوق وجعلت منها – اي هذه الاشكال- اقساما تابعة لهذا العلم(اللاهوت)، ولذا اضطرت كل حركة اجتماعية وسياسية أن تتخذ شكلا دينيا، وكانت كل حركة لكي تحدث اثرها في الجماهير المحشوة بالغذاء الديني وحده مضطرة أن تقدم لهذه الجماهير مصالحها الخاصة بها في لباس ديني).

- كما يحدد الفيلسوف الماركسي الفرنسي التوسير في مؤلفه “من اجل ماركس” الفرق المنهجي بين الايديولوجيا والعلم يقول : ( وليس ثمة مجال للتساؤل حول تقديم تعريف دقيق للايديولوجيا، يكفي القول علي نحو تخطيطي جدا بأن الايديولوجيا هي نظام – يملك اتساقه المنطقي الخاص- من التمثلات، الصور أو الاساطير أو الافكار أو المفاهيم حسبما تكون الحالة، له وجوده ودوره في مجتمع معين، والايديولوجيا كنظام من التمثلات يتميز عن العلم بأن وظيفته العملية الاجتماعية ترجح وظيفته النظرية- أو وظيفة تقديم المعرفة).

- وفي مؤلفه:” دراسات في الواقعية الاوربية” يقول الفيلسوف الماركسي المجري جورج لوكاتش( الماركسية تبحث عن الجذور المادية لكل ظاهرة وتلاحظها في علاقاتها وحركتها وتكشف عن تطوراتها عبر مراحلها المختلفة، وهي في هذا السبيل تنتزع كل ظاهرة من الضباب اللاعقلي والعاطفي والغامض، وتدفع بها الي ضوء الفهم الباهر).

* مما سبق نلاحظ التباين في تناول ماركس وانجلز وبقية المفكرين الماركسيين للايديولوجيا، فماركس وانجلز تناولا الايديولوجيا بمعاني سلبية وغير مرغوب فيها مثل: (صور كاذبة يرسمها الناس عن نفسهم)، ( أراء تبرر الأوضاع القائمة)، وبالتالي، فان ماركس وانجلز كانا يهدفان الي نقد الاوضاع الرأسمالية القائمة وعدم تبريرها عكس الايديولوجيا البورجوازية التي تحاول تبريرها والابقاء عليها، وبالتالي، فان ماركس حاول أن يوضح الصورة الحقيقية والصادقة والتي تنير الطريق لتحرير الطبقة العاملة والكادحين من كل اشكال الاستغلال.

النقطة الهامة التي أشار اليها ماركس في مؤلفه(بؤس الفلسفة): انه لكي يتدعم كيان الطبقة، لابد ان يتحول الوعي الطبقي الي ايديولوجية طبقية، وأن يتشكل الاثنان في خدمة الصراع الطبقي. وعليه لايمكن تناول البرامج وقضايا الصراع الطبقي بمعزل عن الوعي الطبقي والايديولوجية الطبقية. بالنسبة للطبقة الرأسمالية، فأن ايديولوجيتها تبرير الاوضاع القائمة، وبالتالي ترسم صور زائفة عن هذا الواقع، اما بالنسبة للطبقة العاملة، فان مصلحتها في تغيير هذا الواقع، وبالتالي مصلحتها في امتلاك صورة حقيقية عنه، حتي تفهمه وتعمل علي تغييره، وبالتالي، فان ايديولوجية الطبقة العاملة تتسق مع العلم.

علي أن النقطة الجديرة بالاعتبار والتي أشار اليها ماركس في مؤلفه: “الثامن عشر من بروميرلويس بونابرت” ( يجب التمييز اكثر في الصراعات التاريخية بين أقاويل الاحزاب وادعاءاتها وبين تكوينها ومصالحها الحقيقية، وكذلك بين ما تتخيله عن نفسها وبين ماهي عليه في واقعها).

اذن القول بزوال الايديولوجيا وتقليل الحمولة الايديولوجية هو نفسه موقف ايديولوجي هدفه اشاعة المواقف الضبابية واللاعقلية والغامضة، بهدف التخلي عن الماركسية وطبيعة الحزب الطبقية وتبرير الاوضاع القائمة، والابقاء علي الاوضاع الرأسمالية التي تكرس الثروة في يد قلة والاستغلال البشع والمزيد من الافقار للكادحين ونهب ثروات شعوب العالم الثالث، وكبح تطلعاتها من أجل التنمية والديمقراطية والسلام والاستقرار.

اذن الماركسية ليست عقيدة جامدة ، ولكنها تغلب جانب العلم والمعرفة الحقيقية بالاوضاع القائمة من اجل فهمها وتغييرها. ، وهذا ماميز الماركسية ومنهجها “الديالكتيكي المادي” عن بقية الفلسفات السابقة لها، أن الماركسية تسعي لفهم العالم من اجل تغييره يقول ماركس: ( كل ماقام به الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة ، ولكن المطلوب تغييره). فالماركسية لاتبتدع مذهبا أو (ايديولوجيا) كما فعلت الفلسفات السابقة ، ثم تحاول أن تجعل كل شئ متلائما معه، ولكنها تتوسل للتغيير بدراسة الواقع، تلك الدراسة المنبثقة من الخبرة والممارسة، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني النظرية.

يقول الشاعر الالماني جوته: ”النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما”

الميدان


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 11744

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#550437 [طائر الفينيق]
2.25/5 (3 صوت)

01-03-2013 07:52 PM
+ يلاحظ دائما أن المقالات الفكرية العغميقة لا تجد تعليقات.. بينما تكثر التعليقات في المقالات السياسية المباشرة وأحيانا في التوافه من الأمور!!

+ موضوع عميق وهو- اذ يبدوا بعيد عن السياسة المباشرة- الا أنه في الواقع, يقع في لبها لأنه يشير الى جل الاشكاليات التى نعاني منها اليوم الفكر والممارسة الساسيتين.

+ نعم الايدولوجيا مستخدمة في المعنين "السلبي" (الوعى والتصورات الزائفة في تجليها الفردي أم الجماعي) "الايجابي" بمعنى التصور الحقيقي أو التمثل الحقيقي للوقائع.. يعني "العلمي"(مع ملاحظة هناك من يعتقد أن العلم نفسه لا يخلو أيضا من الشوائب الايدولوجية!!) !!

+ نهاية الايدولوجيا.. يعد من أبرز موضوعات و خطابات ما بعد الحداثة وهى تشير الى المعنى السلبي - وتعتبر الماركسية رائدة في تحديد المعنى السلبي للايدولوجيا- ويثار أيضا في هذا المعنى السلبي ايضا في دراسات تحليل الخطاب ونقد الخطاب (CDA).. والمقصود هو ذلك النوع من التفكير الذي يجعل الواقع بكل تعقيداته الهائلة أسيرا لدى سطوة النظريات الكبيرة التى تحاول اسقاط مقولاتها على الواقع .. بدلا من تفسيره وتغيره.. المقصود نهاية الدوغمائية في الواقع .. او التفكير الدوغمائي !!

+ ما بعد الحداثة تسمى هذا بالقراند ناراتيفز Grand Narratives وكنت اقترحت تسمية هذا الاتجاه (بالايدولوجانية).. تفريقا له من (الايدولوجيا) .. لكن في أدبيات اليوم غالبا الأيدولوجيا مقصود بها التصورات الزائفة للواقع وهي تقدم كنقيض للعلمي والمعرفي .. ولذك تقدم الثنائيات المتضادة (الايدولجيا- العلم) أو (الايدولوجي-المعرفي) ... مثلاً التطرف الاسلاموي الجهادوي الحادث اليوم هو ايدولجيا للاسلام (صورة زائفة عنه لدى مجموعة معينة من المسلمين) وليس هو (حقيقة الاسلام كدين -مثلاً) .. ويمكن أن تتحول اي نظرية سياسية الى ايدولوجيا- بما في ذلك نظرية الاسودان الجديد- حين تصبح قالبا جاهزا لتفسير كل شيء !!!


ردود على طائر الفينيق
United States [..... جعلتي من كبشتي .....] 01-05-2013 12:40 PM
دا شعر ما عندنا ليه رقبة, الواحد يمد كراعه قدر لحافه احسن, يعني الراكوبة بدخلو فيها ناس عنقالة زي حالتنا كدا عشان يستفيدو, أنا شخصيا بقرا المواضيع الزي دي لكن الحصيلة بتاعتي بتكون صفر ومع ذلك بقراها عسى ولعل ... هنيئا لأصحاب العقول فهم في راحة ...


تاج السر عثمان
 تاج السر عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة