عندما ينطق التاريخ ... ذكريات وزير (8)
01-03-2013 01:53 PM

عندما ينطق التاريخ ... ذكريات وزير (8)

بقلم د. محمد بدوي مصطفى
[email protected]

كنا لا زلنا قابعين بالجنينة حتى بعد أن انهيت أمر الجمرك واستخلاص البضاعة. أحسست جمالها وكأنه اسم على مسمى. كان الخريف قد طرق أبواب السماء مناجيا رانيا، فبدت أياديه المعطاءة تمتد إلى أرض الجنينة وعليها لتلبسها من الخير حلية سندسيّة خضراء مستبرقة. وكان الطلّ قد إزدان يلألأ وجه المراعي المنبسطة كزرابي مبثوثة على مدّ البصر. واستوى الندى شفافا فوق أهداب العشب المخضرة ليغطيها بلؤلؤه البراق، وانبرت السماء تحيك من علٍ موكبا من السحب الناصعة البياض كعهن منفوش في يومنا الموعود. بدت الأرض وكأنها تمثل تواقة ظمأى لكأس مترعة، امتلأت بسلسبيل المطر الرشاش باعثة فيها زفرة الحياة ونشوة حلوه وسكر فردوسي، فسكبت على ثغرها السحر كما تسكب خمر باخوس النقية للعطشى. تبدّى وجه السماء غائما خجلا كحسناء تكتسي حليتها ووشاحها وترفل في ثوب الزفاف بليلة العرس في خيلاء تخرق الأرض بعودها وتبلغ الجمال طولا. ما أحلى الجنينة وما أجمل عروس الرمال عند إطلالة الخريف، حيث ترقد على حبيبات هذه الرمال الساحرة أجذاع التبلدي وشجيرات الليمون، وأفرع البرتقال المزدانة بثمرها في لون أصفر يسر الناظرين، وتفتأ الأرض تزدان بأزهار الجهنم المتوردة فيخرج منها كل لون بهيج، ويعطر عودها عبق الياسمين الفواح الذي امتزج بنشوة الرطوبة، فشأنها عجيب وعجيب أيضا برك المياه التي تنعكس عليها أشعة الشمس الذائبة بألوان القزح، عاكسة تنثر ظلال الشجر على صفحتها، مومئة إليها حتى تسكتين، فترقد عليها كما ترقد الهمزة الحالمة على سطرها. كم خفف هذا المنظر البديع في سحره المتجلي من وطأة سقمي وإعيائي وكم أضمد جراح أقداري التي عانيتها قبيل سويعات؛ سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال!

كانت بصحبتي خديجة - صبية لبنانية - تزوجها أحد الوطنيين بنيجيريا وغشها مؤملا إياها بعيشة رغدة خليقة بجاه الملوك. زعم أنه أمير وأنه من سلاله أشراف الهوسا وملأ رأسها بعجائب القول وغرائب الحكايات. علم زميلي يوسف العوض بسفري فأخبر كامل دلاله – رئيس الجالية اللبنانية – بميدوغري أنني سوف أذهب إلى السودان وأكد له أنني القوي الأمين للحفاظ على كرامتها وشرفها إلى أن يأذن الله بوصولها إلى عشيرتها وأهلها بالسودان آمنة سالمة. عندما أتت لتتعرف عليّ، لمحت فيها بداعة الجمال اللبناني، وأحسست انكسارها لذاك الأمر وكنت أحس بكاءا صامتا، أو قل صمتا باكيا ينبثق من عينيها اللتان لم تفقدا ألقهما ووضاءتهما. لقد رجّتها الحقيقة المؤلمة رجّاً عنيفاً - كما كنت أظن – بيد أنها كانت تظهر السرور وتخفي الحزن الذي لا يُخفى، وإذا بالصمت الدامع أو الدموع الصامتة لا تزال تطرق أبواب عينيها الخلفية لكنها لم تزايل حياؤها وبهاؤها. كنت أشعر قلبها يقطر حزنا لكنها – كما عرفتها من بعد – لم تتخذ الحزن شعارا، رغم ما تعانيه من وطأة الحظ العاثر والنكد المذري الذي لم يفتأ يلازمها كظلها ساعتذاك.

كان بصحبتي وعلى عاتقي أيضا أبناء حسين النجار – تاجر في ميدوغري – إذ طلب مني أن أصحبهم معي حتى أوصلهم لابن عمهم بمصر، كي يلتحقوا بالأزهر الشريف. أعطاني مصاريفهم ورسوم تسجيلهم بالأزهر وهيأهم أحسن تهيئة لبلوغ الضالة المنشودة بمصر المؤمنة. كان شقيقي الشيخ ساعتئذ لا يزال بالجنينة فطلبت منه أن يأخذ أبناء حسين النجار معه إلى الأبيض إلى حين أقضي أموري هنا، فأبقيت خديجة اللبنانية في رفقتي وأمانتي. لن أنسى أنه كانت بصحبتي أيضا زوج أخينا عوض، فقد أسقطت بعد آلام الطلّ عليها لكنني تركتها قبل القدوم إلى أدري لتنال حظّا واسعا من الراحة بأبشي. حينا التقيت أخي الشيخ وأصدقائه بالجنينة سردت إليهم الحكاية لم يصدقوا أن الفرنسيين أعطوني جلودي. كانوا ينزلون ضيوفا ببيت أمير الجنينة عبد الرحمن، وهو رجل سخي من قبيلة المساليت وله أياد علينا سابغة نُعدُّ منها ولا نعددها. كانت الجنينة لحظتذاك محافظة إنجليزية وكان للإنجليز بها بيتا للضيافة. حتى ديكاندول – أستاذي الملعون – كان حاضرا في ذاك الوقت ببيت الضيافة. علمت بأقامته هناك لكنني لم أرد مقابلته لما فعله معي من فعلة شائنة وسخيفة عندما كنت طالبا بكلية غردون. ما أن أصفح الصبح عن شمس خريف غائمة حتى قام شقيقي الشيخ يجهز نفسه للسفر إلى الأبيض. فاصطحب معه أبناء حسين النجار حينا ذهبت أنا وخديجة إلى أبشي لأحضر زوج عوض التي أسقطت واستسلمت للراحة مع أسرة من الأصدقاء هناك. ففي الطريق إليها، حينما وصلت أدري قابلت أبّا أتيم بكنفه جمع من أولئك الذين شهدوا معاركي الخوالي. بدا في جلبابه كالمطاط وهو يتجشأ ماسحا بيده على كرشه. رنا إليّ في ارتياح، وكانت عيناه السوداوان تشتعلان بتساؤلات خفية، فما أن بلغتهم حتى خرّوا من شدة الضحك! فسرت عدوى ضحكهم فيّ كالكهرباء فضحكت من قلبي واضعا أوزار المواقف الخانقة خلف ظهري، وسلكت دربي خلل البشاشة والمزح قاصدا أبشي.

رجعت من أبشي وأحضرت زوج عوض معي وكانت قد استردت بعض قواها وصحتها وزايلتها أوجاع الألم. وصلت الجنينة وبصحبتي هي وخديجة اللبنانية، فتلقاني محمد، ضابط الشرطة في نقطة الجنينة، وطلب مني أن أحضر اللبنانية لكي يراها المفتش. كانت خديجة في سن يافعة وفي ريعان ربيعها الثامن عشر. تبدّت في أدبها وحشمتها ممشوقة القوام في فستان سنجابي بديع. تفحصها حضرة الضابط وقد أرسلت شعرها الأسود المخضوب بالحناء حتى مست أهدابه ظاهر الساقين، رائقة عذبة وضيئة ينبعث من أردانها عرف ساحر. كان منظرها وهي تخطو أمام نقطة الشرطة بخطواتها المتئدة مما يلفت الأنظار حقّا. كانت في عمر الأزهار، مكحولة العينين، متوسطة القامة، فارعة القوام وكأنها "الفرع انشلخ" – تلك الأسطورة التي سلبت عقول حبوباتنا بجمالها - أو غصن بانة في روضة غنّاء أو معبد قدسيّ، أنيقة الملبس إلى حدّ الكمال، تنتسب ببشرتها الورديّة إلى قبائل الشام، فهي تشع بهاء ونور وتنم حركاتها عن دلال من لا يخفى جماله. عندما أتت في رفقتي خاطبني في إجلال وإكبار قائلا:
- والله أنت يا بدوي محل ثقة لكي يعطوك إيّاها لتصحبها معك! هذه الفاتنة ذات السحر الإلاهيّ!
فالتفت محدثا خديجة أخفف عنها وطأة الذكرى الحيّة وأعيد ثقتها بنفسها مازحاً:
- ألا تتزوجين هذا الضابط يا خديجة؟ انظري إليه، كيف حباه الله حظا مترفا من الوجاهة ووسامة التقاسيم!
ضحكت حتى افترت شفتاها عن أسنان كالدرّ المنظوم قائلة:
- يا عم بدوي ما تحكي هل الحكي! (ثم صمتت في ابتسام وخجل)
تذكرت مع مرور الأيام محطات هذه الذكرى الحالمة التي طالما أرقتني سيما حينا وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا. رجعت بي عجلة الزمان فأحسست لحظتئذ كيف هزت محاسن خديجة الضابط فعصفت به الأشواق وهْنا، بيد أنه لم يزايل وقاره واحترامه عندما رنا إليها وهي ماثلة أمام ناظريه. كان لهذه الواقعة في نفسي أيما أثر، انطبع على مخيلتي بختم مؤيد باليمين، كما كان لي حظ من ألم خديجة وما ألمّ بها من كرب. هفت بي الذكرى فطفت مع الدجى استذكر واستحضر ثم استشف مشاعر الضابط وكيف ملكت خديجة بسحرها لبه حتى انبسطت أساريره فلمس فيها آفاقا وأسرارا ومعنى وكأنه ماثل التو أمام عينيّ. ما زلت أرى حلاوة الدهش في عينيه وكأنهما تغنيان لحن جمّاع الخالد:
أعـلى الجمال تـغـار مـنـا * ماذا علينا اذا نظرنا
هي نظرة تنسى الوقار * وتسعد الروح المعنى
دنياي أنت وفرحتي * ومنى الفؤاد اذا تمنى
أنت السماء بدت لنا * واسـتـعـصـمـت بالـبـعـد عـنـا
هـلا رحمت متيما * عصفت به الأشواق وهنا
وهـفـت به الذكرى فـطاف * مع الـدجى مـغـنى فــمـغـنى
هـزته منك محاسن * غنى بها لما تغنى
يا شعـلة طـافـت * خـواطـرنـا حـواليها وطـفـنـا
أنـسـت فيك قـداسة * ولـمـست اشـراقـا و فــنـا
ونظرت في عينيك * آفـاقـا وأسـرارا ومعـنى

في اليوم التالي ركبنا لوري من الجنينة إلى الفاشر أنا وخديجة وزوج عوض، ومن مدينة الفاشر سافرنا بلوري آخر قاصدين الأبيض. وعندما بلغناها أحضرت الجلود التي بحوزتي للشيخ العوض. أخذ منها ثلثين وترك لي الثلث المتبقي. فصمت بعد تجهم وغضب ولم انبس، لكنني أسكت الصوت الحانق بدخيلتي إكراما لدأبه معي حين بدأت تجارة الجلود، فضلا عن أنه كان شريكي أو شيء من هذا القبيل من بعد. بيد أن شريكي الحقيقي والأصلي مذ أن انطلقت بعملي كان يحيى الفضلي في الخرطوم وكنت أحضر له الجلود من ميدوغري. لكن ظروف المهنة ومشقة الترحال اضطرتاني أن أشارك الشيخ العوض فيما بعد، رغم امتعاض أخي الشيخ وكراهيته لهذه الشراكة. مع مرور الأيام انفردت وحيدا لا ألوي على شيء في تجارتها. على كل حال بعد أن أنجزت أعمالي هناك وقابلت أسرتي وتيقنت بإيمانها، توكلت راحلا أنا وبصحبتي خديجة البنت اللبنانية وابناء حسين - الذين أحضرهم شقيقي الشيخ معه من الجنينة إلى الأبيض. بلغنا الخرطوم وولينا وجوهنا قبلة نرضاها، فنزلنا في الهزيع الأخير من الليل ببيت ابن عمي مكي عبد الرحيم، الذي علمني أبوه عبد الرحيم، الذي كان يعمل ضابطا بفرقة الهجانة بالأبيض، وكان يتكلف بدفع مصاريف المدرسة الابتدائية حينما انتقلنا من مدينة المناقل إلى بيته بالأبيض أنا وأبي وأمي وزوج أبي الأخرى وباقي الأسرة. مكثت خديجة معنا مدّة من الوقت ببيت ابن عمي مكي عبد الرحيم؛ وكنت أكن له حبّا عميقا وكان هو أهل لهذا الحب، وما عرفت عنه إلا الكرم والحكمة والتقوى منذ عهدنا في الصغر بمدينة الأبيض. أما أبناء حسين النجار فأمنتهم لصديق لي كان في طريقه إلى مصر وقلت له: "ها هي مصاريفهم وابن عمهم يدرس بالأزهر فينبغي عليك أن تسلمهم إياه"، ووصيته بهم خيرا وتركتهم لأمان الله. بيد أن أحد هؤلاء الأبناء – عبد الباسط – تخلف عنهم وعن الاختلاف إلى الأزهر ونشد مصراً على البقاء بجانبي فصار أحد أبنائي، إذ بقي في بيتي بأمدرمان السنين الطوال حتى أكمل دراسته الثانوية وانتقل بعدها إلى عمه الذي كان يعمل في السفارة النيجيرية بطرابلس بليبيا.

كانت خديجة قد بدأت تستأنس بأهلي في بيت ابن عمي مكي عبد الرحيم، حتى بعث وجودها بينهم نشاطا وحماسة فأحبوها أيما حبّ وأكرموا مقامها جلّ الإكرام. كنت أذكّرها كل يوم أنه ينبغي عليّ أن أوصلها إلى معلوف، لبنانيّ من أهلها، فكانت ترد عليّ مستنكرة برفض وتسترحم قائلة:
- يا عم بدوي بالله عليك اتركني كمان شوية!
اشتريت لها ملابس عند اللبنانيين التجار بالخرطوم ووهبتها إياها، وبعد أن قضت أياما مستأنسة معنا، أذعنت لمشيئة الله، عندئذ قصدنا معلوف اللبناني، وتلقانا بوجه ملأه التفاؤل وغشيه الحمد بوصولها سالمة بعد رحلة مضنية برفقة رجل لا يعرف عنه شيئا عدا ما ذكره في حقه كامل دلالة، رئيس الجالية اللبنانية بميدوغري؛ فما كان منه إلا أن استقبلني بجل المودة والامتنان قائلا:
- أشكرك حقّ الشكر يا سيد بدوي. أنت كنت على مستوى المسؤولية وقمت بالواجب وأكثر. للأسف هناك بنت أخرى لبنانية من جاليتنا بنيجيريا، ضحك عليها أسود آخر من الوطنيين وتزوجها.
جلست بعض الوقت برفقتهما بحكم المجاملة والأدب، وعندما أردت استوداعهما منصرفا، كرر معلوف شكره وعرفانه بالجميل ثانية حتى أخجل تواضعي وبلغ الحياء من وقفتي تلك كل مبلغ. من ثم قال لخديجة آمرا بلطف وهدوء:
- قومي سلمي على عمك بدوي واشكريه وودعيه ومن بعد أدخلي إلى جوّه.
فلما قمت لاستودعها أجهشت بالبكاء. فقلت لها:
- الله يوصلك بالسلامة لأهلك يا خديجة!
فهرولت باكية مستودعة ونكست ناظريها منهزمة إلى داخل البيت. لقد أحسست في تلك اللحظةاستعار قلبها ساعة الفراق وتأجج ناره المضطرمة.

خرجت راضي النفس، أبيض السريرة ريثما أودعت الأمانة لأهلها، حامدا الله على نعمته إذ انعمني بالحمد في خشوعي وتضرعي فهو ملاذي وسلوتي، وتذكرت قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربّك فترضى).


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1133

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#551054 [Amin]
5.00/5 (3 صوت)

01-05-2013 12:19 AM
ما لينا في الطيب نصيب نحن السودانيين



اللهم أجر المناولة


د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

مساحة اعلانية


الاكثر مشاهدةً/ق/ش




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة