المقال السادس
01-03-2013 02:03 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

المقال السادس

د. عوض الحسن النور
[email protected]

أولا : المحكمة الدستورية الثانية 2005 وحتى الآن :

بموجب اتفاقية السلام وصدور دستور السودان الانتقالي لعام 2005 نشأت المحكمة الدستورية مستقلة أيضا عن السلطة القضائية وتختلف عن المحكمة الأولى في أن رئيس الجمهورية يعين قضاتها بناء على توصية من المفوضية القومية للخدمة القضائية وبموافقة ثلثي جميع الممثلين في مجلس الولايات حين كان لرئيس الجمهورية تعيين قضاة المحكمة الأولى بموافقة المجلس الوطني كما غاب عن اختصاصاتها المسائل الأخرى التي كان يقررها الدستور والقانون .
تشكلت المحكمة الثانية وبان في تشكيلها الانتماء الجغرافي والجهوي لولايات السودان وجمعت بين شيوخ القضاة وشبابه كما كان للمرأة وجود باختيار قاضية المحكمة العليا سنية الرشيد ولم يبقى من أعضاء المحكمة الأولى إلا القاضي عبد الله أحمد عبد الله .
أصدرت المحكمة العدد الثاني من مجلة القضايا التي نظرتها في الأعوام 2006 وحتى العام 2010 وكان عدد القضايا 38 قضية تتعلق بحقوق التقاضي والبراءة والدفاع والمحاكمة العادلة واستقلال القضاة والمساواة أمام القانون وحرية التعبير والإعلام وحصانة أعضاء جهاز الأمن وسلطته وحق التملك والحرية الشخصية وحرية التجمع والتنظيم والانتخاب ودستورية القوانين وبيع المال المرهون للمصرف وغيرها .
والملاحظة التي أود أن أشير إليها أنه لا وجود لفن المداولة كما هو شان المحكمة العليا والاستئناف ففي قضايا تثير أمور في غاية الأهمية كقضية حبس المدين والمتعلقة بالمادتين 232 و243 و244 من قانون الإجراءات المدنية ومدى تعارضها مع العهد الدولي المادة 11 والتي تمنع حبس أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي وما موقف الفقه من نفاذ المعاهدات الدولية في القانون الداخلي ودون التطرق للسوابق التي أرستها المحاكم العليا السودانية اختلفت الآراء وبالأغلبية الميكانيكية تم شطب عريضة الدعوى ايجازيا . بل أن القاضي سومي زيدان أورد رأيا بأن التصديق على الوثيقة الدولية لا يلغي خاصية الشريعة الإسلامية إذا وقع تعارض والسؤال الأهم أليس الأوفق إذا كان هناك تعارض بين الاتفاقية والشريعة الإسلامية ألا تصادق الدولة أصلا على هذه الاتفاقية ؟ وثانيا هل هناك تعارض أصلا بين هذا النص والشريعة الإسلامية ؟ حيث إن أحكام فينا للمعاهدات والمصادق عليها من السودان تبين سمو المعاهدة وسيادتها وتلزم من صادق أو انضم لتوفيق النصوص الدستورية والقانونية بما لا يخالف المعاهدة . وأن القضايا تمر بين القضاة فمن يضيف رأيا مخالفا أو سطرا أو عبارات .
كما ان متوسط عمل القاضي في كتابة الرأي الأول في الأعوام الأربعة تفاوت بين سبع قضايا وقضيتين .
مما تقدم وحيث إن القضايا المدرجة في جدول أعمال المحكمة لا تتزايد كما هو الحال مثلا في المحكمة العليا الأمريكية والتي تنظر في العام الواحد حوالي سبعة آلاف ملف والمحكمة الدستورية المصرية والتي تنظر في حوالى 271 وفي تقديري سيتقلص هذا العدد بعد أن قلصت صلاحيات المحكمة بموجب الدستور الجديد . وحيث إن الدور السياسي للمحكمة ليس بدور صارخ بل متوائم كما كان ذلك في قضية حل المجلس الوطني ولم تحل تقديرها محل تقدير المشرع الدستوري لتبتدع كما المحكمة الأمريكية شتى المعايير لتستبعد تطبيق القوانين التي لا تراها ملائمة بل إن تطور المحكمة الأمريكية يصب أيضا في طريق الاعتدال والواقعية وليست كمحكمة باكستان ورئيس محكمتها شودري القاضي والسياسي الذي تربطه علاقات مع كل القوى السياسية وأثارت أحكامه كثيرا من ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض وملبس عليه فهو الذي حكم بشرعية انقلاب مشرف وبحق الجيش في حكم باكستان وهو لاحقا من ضغط على مشرف من أجل الكشف عن مصير المئات من المختطفين السياسيين حتى عزله وتعرض للعزل مرتين . ورغم أن أخذ رأي قضاة المحكمة الدستورية الحاضرين ومن عمل بالمحكمة الأولى ضروري وواجب الاطلاع عليه في إبقاء المحكمة الدستورية أو إعادتها لدائرة بالمحكمة العليا ورغم أن ما نالها قضاتها من امتيازات مستحقة وقد تكون سببا لإنصاف قضاة المحكمة العليا بعودة الدائرة فأرى أن ينص في الدستور القادم ان تكون الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا ، وتعود حراسة الدستور للمحكمة العليا .
ثانيا : المحكمة العليا
أخذ السودان ومنذ دستور 1998 بلا مركزية سلطان الدولة ونص في المادة الثانية على أن السودان جمهورية اتحادية وأخذ بمركزية القضاء . وجاء دستور 2005 وأعطى لجنوب السودان قضاء محليا كما هو الحال في دولة الإمارات العربية وترك القضاء في شمال السودان مركزيا ونص في المادة 137 على أن تنشأ محاكم قومية أخرى عند الضرورة ولم يتم ذلك .
ونص الدستور في المادة 135 على أن المحكمة القومية العليا تكون محكمة نقض ومراجعة ، ومراجعة احكام الإعدام وأي اختصاص آخر يحدده الدستور أو القانون ويجوز لرئيس القضاء أن يشكل دوائر للنظر والفصل في المسائل التي تحتاج إلى خبرة متخصصة بما في ذلك المسائل التجارية والأحوال الشخصية ومنازعات العمل .
وظيفة المحكمة العليا :
إن وظيفة المحكمة العليا هي أن تكون حارسة للقانون تكفل ضمان تطبيقه وليست محكمة واقع وليست درجة ثالثة من درجات التقاضي وتحدد السبب الرئيسي الذي يستند إليه الحكم وترسي فيه القاعدة القانونية التي هي قوام الحكم وتبسط الرقابة على الأسباب وتلزم قضاة الموضوع بضرورة تسبيب الأحكام وما يشوب هذه الأحكام من عيوب تشمل الأسباب الظنية والافتراضية الغامضة .
كما نص قانون الهيئة القضائية 1986 في المادة 17 على دوائر المحكمة العليا واختصاصاتها وأعطى للسيد رئيس القضاء تشكيل الدوائر وهي دائرة ثلاثية فيما عدا الدائرة الجنائية التي تنظر في احكام الإعدام والحدود بان تكون خماسية التشكيل .
ونص قانوني الإجراءات المدنية والجنائية على مراجعة الأحكام والفحص وتتضمن المراجعة ومراجعة المحكمة العليا لأحكامها .
في تقديري إن ما تقوم به المحكمة العليا وتبذله من جهد في أداء رسالتها كبير ويستحق الاحترام وأرى أن يتضمن الدستور القادم فيما يتعلق بالمحكمة العليا هذه المسائل :
1 : انعقاد دوائر المحكمة العليا .
إن المحكمة العليا في السودان لا تعقد جلسات للمرافعة بل تدور القضية من نائب رئيس القضاء الذي يضيع وقته في توزيع القضايا على دوائر ليست ثابتة أو متخصصة ثم تبدأ الدعاوى في الدوران على الأخوة القضاة محمولة على أيدي الحجاب صعودا وهبوطا على الدرج أو المصعد إن توفر رأي أول وثان وثالث وفي المراجعة والإعدام حتى الخامس ثم الرأي النهائي لأقدم أعضاء هذه الدائرة . وحيث إن عدم انعقاد المحكمة العليا تجعل الفجوة بين المتقاضي الذي يبحث ليعرف قضيته أين وضعت ثم البحث ليعرف من هذا القاضي لسرعة البت ، وحيث لا تاريخ للمرافعة أو للحكم أرى أن يتم توزيع المحكمة العليا لدوائر متخصصة من أقدم القضاة المتخصصين وثبات هذه الدوائر إلا في حال المرض أو الإجازة أو الرد كما في سائر أنحاء العالم وأن يتم تسجيل القضايا الكترونيا وفقا للتخصص القادم من المحكمة الأدنى الذي يعم محاكم الاستئناف أيضا ودوائرها وأن تنعقد ، وحان الوقت بان ترفع الدعاوى أمام المحكمة العليا من محام مقيد بالمحكمة العليا بالاتفاق مع نقابة المحامين على تحديد الخبرة المطلوبة مما يوفر كثيرا من الوقت لدى السيد رئيس القضاء ونوابه ويجعلهم مساهمين حقيقيين في الفصل في الدعاوى وليس الفصل في التوزيع .
2 : تعيين قضاة المحكمة العليا وعددهم
قال الدكتور منصور خالد في ورقته المقدمة امام القضاة بأن عدد قضاة المحكمة العليا 82 قاض بالإضافة إلى 30 قاضي تم ترقيتهم في 2002 ( وأضيف وعدد آخر في 2012 ) وأضاف بأنه أمام ظاهرة وتمنى ان يكون مخطئا لأن قاضي المحكمة العليا أصبحت مرتبة يتم الترفيع الإداري وليست وظيفة ذات مقومات محدودة العدد مقارنا بعدد قضاة المحكمة العليا تسعة في الولايات المتحدة و22 في الهند و20 في جنوب أفريقيا . وللأسف أنه مخطئ حيث إن تلك المحاكم التي ذكرها هي محاكم دستورية مركزية وليس محكمة عليا للنظر في الطعن في الأحكام غير الدستورية فلكل ولاية من الولايات في أمريكا محكمة عليا وفي الإمارات حيث هناك قضاء محلي بكل من إمارة أبوظبي ودبي ورأس الخيمة على رأس الهرم القضائي محكمة عليا تسمى محكمة نقض أو تمييز ويتجاوز عددهم الأربعين قاضيا ، خلاف المحكمة العليا الاتحادية وهي محكمة دستورية ومحكمة نقض لمحاكم الأمارات الأخرى الشارقة وعجمان أم القوين والفجيرة التي يقوم القضاء الاتحادي بنظر كل الدعاوى فيها . وأرجو أن لا يكون فيما قاله دكتور منصور سببا من اسباب عدم زيادة قضاة المحكمة العليا حيث إن متوسط انجاز القاضي في السودان هو ضعف ما ينجزه القاضي في أي محكمة عليا وهذا مما يقلل من الابداع . وينطبق ما سبق على محكمة الاستئناف .
وحيث إن المحكمة العليا بالاختيار في العالم جميعه إلا أن ذلك لا يعني تخطي الآخرين لقاضي محكمة الاستئناف الكفء حيث يتدرج ويكفي النظر إلى مصر حيث يتدرج القضاة بحاجز زمني وأن عددا كبيرا من القضاة يسمى رئيس محكمة استئناف القاهرة والإسكندرية ويعادل رئيس محكمة النقض رتبة ومرتبا كما يتدرج قضاة محكمة النقض إلى نائب رئيس محكمة النقض بعد عامين فقط .
ثالثا : أرى إلغاء مراجعة الأحكام في القضايا المدنية والجنائية الصادرة من المحكمة العليا وإلغاء كلمة مراجعة في الدستور وخاصة أن القانون لم يحدد معيارا للمراجعة وخاصة أن تلك الدوائر وكما جاء في رأي القاضي عبد الله البشير رئيس المحكمة الدستورية المخالف في قضية كمال محمد حامد ضد حكومة السودان المنشورة في العدد الثاني من القضايا الدستورية صفحة 325 : ( أنه لا يستطيع الموافقة على ما قيل من أن دائرة المراجعة محكمة استثنائية لرئيس القضاء ان يشكلها أو لا يشكلها في كل حالة . صحيح أن تشكيل المحكمة جوازي لرئيس القضاء وليست هنالك مشكلة إذا رأى عدم تشكليها ولكن المشكلة كل المشكلة في رأيي إذا أمر بتشكيلها شاملة لواحد أو اثنين من القضاة الذين شاركوا في إصدار الحكم المطعون فيه فحينئذ يثور السؤال عما إذا كان ذلك مما يتعارض مع قواعد الحيدة والتجرد الواجب توافرهما في القضاة وقواعد العدالة الطبيعية . في رأيي ان اشتراك القاضي في مراجعة حكم أصدره يتعارض مع قواعد العدالة الطبيعية وعلى وجه التحديد القاعدة ضد التحيز وغني عن القول أن التحيز المقصود هو ليس موقفا شخصيا ضد المتهم ولكن المقصود هو الميل الطبيعي لدى القاضي أو أي شخص للدفاع عن قناعاته بصورة واعية أو غير واعية ومحاولة اقناع الآخرين بها حتى لو أمكن القول بان القاضي أو القاضيين اللذين اشتركا في الحكم المطعون فيه قد يتخليان عن حكمهما السابق فإن الأمر لا يبدو مقنعا للمتقاضين مما يتعارض مع القاعدة الأصولية Justice must not only been done ,it must manifestly be seen to be done . أما القول بأن القاضي أو القاضيين اللذين اشتركا في إصدار الحكم لا يشكلان أغلبية فهو أمر أراه غريبا ذلك أن المسألة ليست أمر حساب أصوات برفع الأيدي ولكنها مناقشات بين خمس قضاة واحد او اثنان بينهم لهما رأي مسبق ومحدد ومدروس الذي يفسد الحيدة ورأي بعدم دستورية المادة 188 أ /2 من قانون الإجراءات الجنائية .) وحيث تنص المادة 215 من قانون الإجراءات المدنية على : لا تخضع أحكام المحكمة العليا للمراجعة على انه يجوز لرئيسها أن يشكل دائرة ... إذا تبين له إن ذلك الحكم ربما انطوى على مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية .... وترك الأمر لرئيس القضاء وعليه بهذه المسألة أن يتفرغ فقط للإطلاع على كل طلب مراجعة وبعد ذلك وافقته الدائرة أم لا ، كما أرى العمل بالنظام الفرنسي أنه في حال نقض الحكم جزئيا من المحكمة العليا وإعادة الدعوى لمحكمة الاستئناف أن تنظر امام دائرة مشكلة من قضاة آخرين وقد تبين صحة الرأي في قضية أبا المعتصم . والرأي ان يعدل عدد أعضاء الدائرة الثلاثية إلى خماسية ، وزيادة الدائرة الخماسية في قضايا الإعدام والحدود إلى تسعة من بينهم عدد من المختصين من الدائرة الدستورية وتمكين فن المداولة .
عزاء واجب : فقدت عطبرة والوسط القانوني اخا من أشجع الرجال وأنبلهم ( كولا ) عثمان احمد محجوب فله الرحمة ولأهله وأصدقائه الصبر وحسن العزاء .


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1242

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#550814 [د/ عنقالى]
2.50/5 (2 صوت)

01-04-2013 02:30 PM
قال الاستاذ عبد الوهاب ( بوب )...قبل مده على ما اذكر..ان المحكمة الدستورية بصورتها الحالية عبارة عن زرعة او نبته شيطانية تمت زراعتها بواسطة الترابى لاغراض نتنه وقد تم تجنيد كبار شياطين القانونيين فى ذلك الوقت لرعايتها وقاموا بالدور المطلوب منهم وتمت روية العدالة الشيطانية فى قضايا مشهورة -دماء.. واموال.. وحريات ... (وانت يا مولاى عوض الحسن سيد العارفين ) وما فى داعى للتكرار والتفصيل لانه كل حاجة معروفة فى سوق القانونيين - ففى تقديرى مسالة العدالة فى السودان محتاجة للاخلاق والضمير قبل النصوص التى اقترحتها يا مولانا فاقترح عليك ان تفكر فى انشاء معهد اعادة تاهيل واصلاح لاخلاق القانونيين السودانيين لانه المسالة بقت غير مشرفة...وشكرا


د. عوض الحسن النور
د. عوض الحسن النور

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة